شرح " صحيح الإمام مسلم" بمدينة السنبلاوين (108) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

4,737 مشاهدة
411 مشاركة
منذ 6 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس الثامن بعد المئة من مجالس شرح «المسند الصحيح» للإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى. يلقيه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري بمجمع الفرقان بمدينة السنبلاوين. وقد عُقد المجلس بعد مغرب يوم الإثنين السادس والعشرين من شهر المحرم سنة سبع وثلاثين وأربعمئة وألف للهجرة، الموافق للتاسع من شهر نوفمبر سنة خمس عشرة وألفين للميلاد.

يتناول المجلس جملة من أبواب الطب النبوي في كتاب السلام من صحيح مسلم، وهي:

  • باب التداوي بالعود الهندي (القسط).
  • باب التداوي بالحبة السوداء.
  • باب التلبينة.
  • باب التداوي بسقي العسل.
  • باب الطاعون، وفيه قصة عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين خرج إلى الشام فبلغه وقوع الوباء بها.

ويهدف هذا الدرس إلى تعريف المسلم بهدي النبي صلى الله عليه وسلم في التداوي، وترسيخ الثقة بما صحّ عنه من أدوية نافعة. ويربط الدرس الأخذ بالأسباب بعقيدة التوحيد والتوكل على الله، ويبيّن الأصل الشرعي لما يُعرف اليوم بالحجر الصحي، مع الحثّ على البحث العلمي في الطب النبوي وفق ضوابطه.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: التداوي بالعود الهندي (القسط)

روى الإمام مسلم حديث أم قيس بنت محصن رضي الله عنها، أخت عكاشة بن محصن، وكانت من المهاجرات الأُول اللاتي بايعن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقد دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم بابن لها لم يبلغ أن يأكل الطعام، وقد غمزت حلقه بإصبعها خوفًا عليه من «العُذرة»، وهي وجع يصيب الحلق. فأنكر النبي صلى الله عليه وسلم هذه الطريقة المؤذية، وأرشد إلى دواء نافع:

«عَلَامَهْ تَدْغَرْنَ أَوْلَادَكُنَّ بِهَذَا الْعِلَاقِ؟ عَلَيْكُنَّ بِهَذَا الْعُودِ الْهِنْدِيِّ، فَإِنَّ فِيهِ سَبْعَةَ أَشْفِيَةٍ، مِنْهَا ذَاتُ الْجَنْبِ، يُسْعَطُ مِنَ الْعُذْرَةِ، وَيُلَدُّ مِنْ ذَاتِ الْجَنْبِ» (متفق عليه).

وبيّن الشيخ أن العود الهندي هو «القُسط»، وهو معروف عند العطارين. ويُستعمل سَعوطًا في الأنف لعلاج العذرة، ولَدُودًا في جانب الفم لعلاج ذات الجنب، وهي من الأمراض الخطيرة. وفي الحديث أيضًا أن الصبي بال في حِجر النبي صلى الله عليه وسلم، فدعا بماء فنضحه على بوله ولم يغسله غسلًا، وفي ذلك بيان التخفيف في بول الصبي الذي لم يأكل الطعام.

المحور الثاني: الحبة السوداء شفاء من كل داء

روى أبو هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

«إِنَّ فِي الْحَبَّةِ السَّوْدَاءِ شِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ إِلَّا السَّامَ»، والسام الموت، والحبة السوداء الشُّونِيز (متفق عليه).

ونبّه الشيخ على أن تخلّف الشفاء عند بعض الناس لا يرجع إلى خلل في الحديث، وإنما سببه عدم وضع الدواء في موضعه الصحيح. فقد تحتاج الحبة السوداء إلى تركيبها مع غيرها بنِسَب معيّنة، وفي أوقات وكيفيات محددة، وهذا علم يعرفه أهل الطب والأعشاب المتخصصون. وأشار إلى أن أكثر الأدوية المصنّعة أصلها أعشاب تُضاف إليها مواد حافظة، وأن تركيب الأعشاب يحتاج إلى دراسة وعلم حتى لا تنشأ عنه أعراض جانبية.

وذكر أن المداومة على تناول الحبة السوداء على الريق مع العسل والثوم سبب للعافية من كثير من الأمراض بإذن الله. ودعا الأطباء والصيادلة المسلمين إلى إجراء التجارب العلمية المنضبطة على الحيوانات، لبيان كيفية الانتفاع بها في علاج الأمراض المستعصية، كالسرطان والفشل الكلوي وأمراض الكبد، تخفيفًا عن الفقراء الذين أثقلتهم تكاليف العلاج.

المحور الثالث: التلبينة مُجِمّة لفؤاد المريض

التلبينة حساء يُصنع من دقيق الشعير ونحوه، ويُطبخ حتى يصير مرقًا متماسكًا، ويُتناول في أحوال الحزن والهم والمرض. وقد روى الإمام مسلم عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت إذا مات الميت من أهلها، واجتمع لذلك النساء ثم تفرقن إلا أهلها وخاصتها، أمرت بِبُرمة من تلبينة فطُبخت، ثم صُنع ثريد فصُبّت التلبينة عليه، ثم قالت: «كُلْنَ مِنْهَا»، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

«التَّلْبِينَةُ مُجِمَّةٌ لِفُؤَادِ الْمَرِيضِ، تُذْهِبُ بَعْضَ الْحُزْنِ» (متفق عليه).

وبيّن الشيخ أن معنى «مُجِمّة» أنها تريح القلب وتنشّطه، فتُطيّب النفس وتخفّف عنها الحزن. ولذلك يحسن صنعها لأهل المصاب عند الموت ونحوه، وهي من الطب النبوي النافع للبدن والنفس معًا.

المحور الرابع: التداوي بالعسل وصدق الوحي

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رجلًا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن أخي استطلق بطنه، أي أصابه إسهال شديد. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اسْقِهِ عَسَلًا». فسقاه، ثم جاء فقال: إني سقيته عسلًا فلم يزده إلا استطلاقًا. فقال له ذلك ثلاث مرات، ثم جاء الرابعة فقال: «اسْقِهِ عَسَلًا»، فقال: لقد سقيته فلم يزده إلا استطلاقًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«صَدَقَ اللَّهُ وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيكَ»، فسقاه فبرأ (متفق عليه).

وأشار الشيخ إلى الإشكال الذي قد يرد هنا: فالعسل في أصله مُليّن للبطن، فكيف يُعالَج به الإسهال؟ وأحال على كلام الإمام ابن القيم رحمه الله في كتابه العظيم «زاد المعاد» في الجزء الخاص بالطب النبوي، حيث شرح هذا الحديث شرحًا ماتعًا نافعًا. ويُستفاد من الحديث أن الدواء قد يحتاج إلى تكرار ومقدار كافٍ حتى يُحدث أثره، وأن الثقة بخبر الوحي لا تتزعزع.

المحور الخامس: الطاعون وأصل الحجر الصحي

روى الإمام مسلم من طرق متعددة عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

«الطَّاعُونُ رِجْزٌ أَوْ عَذَابٌ أُرْسِلَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَوْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ» (متفق عليه).

وبيّن الشيخ أن هذا الحديث أصل لما يُسمّى اليوم «الحجر الصحي». فلا يجوز الخروج من أرض الوباء فرارًا منه، لأن العبد لا يفرّ من قدر الله إلا إلى قدره. ولا يجوز الدخول إليها، حتى لا يتسبّب المرء في إهلاك نفسه، وحتى لا يقع في قلبه اعتقادٌ فاسد بأن الدخول هو الذي أمرضه. فالشريعة جاءت لتثبيت التوحيد في القلوب. ونبّه كذلك على حرص السلف في طلب العلو في الإسناد، كما في قصة حبيب بن أبي ثابت حين تتبّع الحديث حتى لقي إبراهيم بن سعد.

ثم شرع الشيخ في قصة عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين خرج إلى الشام، فلقيه بِسَرْغ أمراء الأجناد: أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه، فأخبروه بوقوع الوباء. فاستشار رضي الله عنه على النحو الآتي:

  • المهاجرين الأولين، فاختلفوا عليه.
  • ثم الأنصار، فاختلفوا كاختلاف المهاجرين.
  • ثم مشيخة قريش من مهاجرة الفتح، فلم يختلف عليه منهم رجلان، وأشاروا بالرجوع بالناس.

فنادى عمر في الناس بالرحيل. فقال أبو عبيدة رضي الله عنه: أفرارًا من قدر الله؟ فأجابه عمر رضي الله عنه:

«لَوْ غَيْرُكَ قَالَهَا يَا أَبَا عُبَيْدَةَ! نَعَمْ، نَفِرُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ إِلَى قَدَرِ اللَّهِ».

وضرب له مثلًا: رجل له إبل هبط بها واديًا له عُدوتان، إحداهما خصبة والأخرى جدبة؛ فإن رعاها في الخصبة رعاها بقدر الله، وإن رعاها في الجدبة رعاها بقدر الله. ثم جاء عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، وكان متغيّبًا في بعض حاجته، فقال: إن عندي من هذا علمًا، وذكر الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوافق ما انتهى إليه اجتهاد عمر رضي الله عنه.

النقاط الرئيسية

  • العود الهندي (القسط) فيه سبعة أشفية، منها ذات الجنب والعذرة، ويُستعمل سعوطًا ولدودًا بدلًا من غمز حلق الطفل المؤذي.
  • بول الصبي الذي لم يأكل الطعام يُنضح بالماء ولا يُشترط غسله.
  • الحبة السوداء شفاء من كل داء إلا الموت، وتخلّف الشفاء يرجع غالبًا إلى عدم معرفة النسب والكيفيات والأوقات المناسبة.
  • التلبينة مُجِمّة لفؤاد المريض، تريح القلب وتذهب بعض الحزن، ويُسنّ صنعها لأهل المصاب.
  • العسل دواء أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم، وقوله: «صدق الله وكذب بطن أخيك» دليل على صدق الوحي وأهمية تكرار الدواء.
  • حديث الطاعون أصل في الحجر الصحي: لا دخول إلى أرض الوباء ولا خروج منها فرارًا.
  • الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل، فالمسلم يفرّ من قدر الله إلى قدر الله، كما قرّر عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

الفوائد والعبر

  • العناية بالطب النبوي: يحرص المسلم على ما صحّ من الأدوية النبوية كالحبة السوداء والعسل والقسط والتلبينة، مع الرجوع إلى أهل الاختصاص في المقادير وطرق الاستعمال.
  • مواساة أهل المصيبة: يُستحب إعداد التلبينة لأهل الميت والمحزونين، اقتداءً بفعل أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، تخفيفًا عن قلوبهم.
  • الالتزام بالإجراءات الوقائية: يلتزم المسلم بالحجر الصحي زمن الأوبئة امتثالًا لأمر النبي صلى الله عليه وسلم، وحفظًا للنفس والمجتمع، مع سلامة الاعتقاد في أن الأمر كله بيد الله.
  • الشورى والرجوع إلى السنة: في قصة عمر رضي الله عنه درس في استشارة أهل الرأي والخبرة عند النوازل، ثم الرجوع إلى السنة متى ظهرت، فهي الفيصل في كل خلاف.
  • تشجيع البحث العلمي: على الأطباء والصيادلة المسلمين أن يخدموا الطب النبوي بالدراسات والتجارب المنضبطة، لينتفع بها الناس وتخفّ أعباء العلاج عن الفقراء.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات