شرح " رسالة المنهج السلفي " بمدينة إدفو بمحافظة أسوان (1) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

2,012 مشاهدة
398 مشاركة
منذ 5 سنوات

المقدمة

هذا هو الدرس الأول من شرح «رسالة المنهج السلفي: حقيقته ووجوب الأخذ به» لفضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري، وقد أُلقي في مسجد أنصار السنة بمدينة إدفو بمحافظة أسوان. افتتح الشيخ الدرس بخطبة الحاجة، ثم ذكّر بأن نعمة الهداية إلى الإسلام من أعظم النعم التي تستوجب الشكر. وبيّن أن الأمة تفرّقت أحزابًا وشيعًا، وأن الله هدى أهل السنة لما اختُلف فيه من الحق بإذنه، وأن السلف الصالح ومن تبعهم إلى قيام الساعة هم الفرقة الناجية والطائفة المنصورة.

وتنبع أهمية الموضوع من حاجة كل مسلم إلى معرفة المنهج الذي يسير عليه في فهم دينه والعمل به. فالمنهج السلفي، كما قرر الشيخ، ليس مدرسة من المدارس ولا اجتهادًا لشيخ من الشيوخ، وإنما هو منهج ربّاني ارتضاه الله لسلف هذه الأمة. وبقدر استقامة العبد عليه يكون نصيبه من الحق، وبقدر بُعده عنه يكون نصيبه من الباطل والبدعة.

أهداف التعلم: يسعى هذا الدرس إلى تحقيق ثلاثة أهداف:

  • تصحيح التصور الخاطئ عن السلفية بأنها حزب أو طائفة.
  • تقرير أن الأصل في المسلمين أنهم على منهج السلف، وبيان ما يُخرج المرء عنه.
  • التأصيل اللغوي والشرعي لمصطلحي «المنهج» و«السلف» من خلال اللغة والقرآن الكريم والسنة النبوية.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: نعمة الهداية وافتراق الأمة وظهور الفرقة الناجية

بدأ الشيخ بالتذكير بأن الهداية إلى الإسلام والسنة من أعظم نعم الله على العبد، وأن هذه النعمة تحتاج إلى شكر يحفظها ويزيدها. واستدل بقوله تعالى:

﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: 7]

ثم أشار إلى أن أهل الإسلام تفرّقوا شيعًا وأحزابًا، فقال تعالى: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: 53]. وفي وسط هذا الافتراق هدى الله أهل السنة إلى الحق، كما قال سبحانه:

﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ ۗ وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: 213]

وخلص الشيخ من ذلك إلى أن سلف الأمة وأتباعهم إلى قيام الساعة هم الفرقة الناجية والطائفة المنصورة التي نصرت دين الله، ولذلك كان لزامًا على كل مسلم أن يعرف حقيقة هذا المنهج.

المحور الثاني: حقيقة المنهج السلفي وأن الأصل في المسلمين أنهم سلفيون

نبّه الشيخ على تصور خاطئ يرى السلفية حزبًا من الأحزاب أو طائفة من الناس. وقرر أن الأصل في المسلمين جميعًا أنهم سلفيون، فكل من رضي بالكتاب والسنة وفهم الصحابة رضي الله عنهم فهو سلفي، سواء كان عالمًا أو طالب علم، أو كان نجّارًا أو حدّادًا أو خبّازًا أو صاحب أي مهنة.

ثم بيّن أن المرء يخرج عن هذا الأصل بقدر مخالفته للمنهج، وضرب لذلك أمثلة:

  • الرافضي: من طعن في أصحاب رسول الله ﷺ وسبّ الشيخين أبا بكر وعمر رضي الله عنهما، وقد يتمادى حتى يكفّر الصحابة.
  • الخارجي: من كفّر المسلمين بالكبيرة.
  • المعتزلي: من قدّم العقل على الكتاب والسنة وجعله الميزان الذي يُحكم به.
  • الأشعري أو الماتريدي: من وافق أهل السنة في مسائل ووافق المعتزلة في مسائل أخرى، مع تحريف أدلة الكتاب والسنة في باب الصفات.

وأكد الشيخ أن هذه الدعوى، أي أن المسلمين جميعًا سلفيون في الأصل، تحتاج إلى دليل من الكتاب والسنة، وإلا كانت باطلة. ولذلك شرع في التأصيل العلمي، مقررًا أنه لا عذر لأحد في أن ينضوي تحت أي منهج يخالف منهج الحق الذي جاء به النبي ﷺ ورضيه الله لأصحابه.

المحور الثالث: معنى «المنهج» في اللغة والقرآن والسنة

في اللغة: المنهج والمنهاج والنهج هو الطريق الواضح البيّن. يقال: أنهج الطريق، إذا وضح واستبان. واستشهد الشيخ بأن أهل تونس ما زالوا يسمّون الشوارع «نهجًا». فالكلمة تُطلق على الطريق والسبيل المتصف بالبيان والوضوح الذي لا غموض فيه ولا خفاء.

في القرآن الكريم: لم ترد لفظة «منهاج» إلا مرة واحدة، وذلك في سورة المائدة:

﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: 48]

وقد فسّرها ابن عباس رضي الله عنهما بقوله: «شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا: سَبِيلًا وَسُنَّةً».

في السنة النبوية: وردت لفظتا «منهج» و«منهاج». فمن ورود لفظة «منهج» حديث رؤيا عبد الله بن سلام رضي الله عنه في الصحيحين، وفيه قوله: «فَسَلَكَ بِي فِي مَنْهَجٍ عَظِيمٍ»، أي طريق عظيم. وقد أوّل النبي ﷺ رؤياه بقوله:

«أَمَّا الْمَنْهَجُ الْعَظِيمُ فَالْمَحْشَرُ ... وَأَمَّا الْعُرْوَةُ الَّتِي اسْتَمْسَكْتَ بِهَا فَعُرْوَةُ الْإِسْلَامِ، فَاسْتَمْسِكْ بِهَا حَتَّى تَمُوتَ»

ومن ورود لفظة «منهاج» حديث حذيفة رضي الله عنه عند الإمام أحمد:

«تَكُونُ النُّبُوَّةُ فِيكُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ، فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا عَاضًّا، فَيَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا جَبْرِيَّةً، فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ» ثُمَّ سَكَتَ.

ونبّه الشيخ على فائدة منهجية مهمة: الخلافة على منهاج النبوة لا تُنال إلا إذا سُعي لإقامتها عن طريق منهاج النبوة نفسه. فلا يُتوصّل إلى منهاج النبوة بوسائل تخالف شرع الله عز وجل.

المحور الرابع: وقفات مع حديث الرؤيا ومكانة الصحابة وضوابط تعبير الرؤى

أورد الشيخ حديث ابن عباس رضي الله عنهما في الصحيحين عن الرجل الذي رأى ظُلّة تنطف السمن والعسل، والناس يأخذون منها بين مستكثر ومستقل، وسببًا موصولًا من الأرض إلى السماء. فاستأذن أبو بكر الصديق رضي الله عنه في تعبيرها فعبّرها، فقال له النبي ﷺ: «أَصَبْتَ بَعْضًا وَأَخْطَأْتَ بَعْضًا». فلما أقسم عليه أبو بكر أن يخبره، قال ﷺ: «لَا تُقْسِمْ».

وتوقف الشيخ عند ما وقع في زمن عثمان رضي الله عنه من الفتنة والخروج عليه. وبيّن أن قتله كان من أعظم ما حدث في الأمة، إذ وُضع السيف فيها ولم يُرفع بعد ذلك. وحذّر من الطعن في عثمان وفي سائر الصحابة، وقرر أن الطعن في الصحابة طعن في الدين، مهما بلغ الطاعن من العلم والفضل، وأن ذلك لا يصدر إلا عن جهل بقدر أصحاب رسول الله ﷺ.

ثم نبّه على خطأ من يتصدّرون لتعبير الرؤى في الفضائيات بالساعات، فيعبّرون عشرات الرؤى يوميًّا بلا علم. فإذا كان الصديق، وهو أفضل الناس بعد الأنبياء، قد أصاب في رؤيا واحدة وأخطأ فيها، فكيف بمن دونه؟ فالتعبير علم من العلوم لا يُتجرّأ عليه.

المحور الخامس: معنى «السلف» في اللغة والقرآن والسنة

في اللغة: سلف يسلف سلفًا وسلوفًا، أي تقدّم. والسلف هم الجماعة المتقدمون، وسلف الرجل آباؤه المتقدمون. وتُطلق الكلمة أيضًا على العمل الصالح الذي يقدّمه العبد، وعلى الولد الذي يموت قبل والده، وعلى القرض، وعلى «بيع السَّلَم» الذي يُقدَّم فيه الثمن. وتدور معاني الكلمة حول التقدم والمضي والسبق الزمني.

في القرآن الكريم: وردت الكلمة بمشتقاتها في ثمانية مواضع، كلها بمعنى المضي والتقدم:

  • ﴿فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىٰ فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ [البقرة: 275]
  • ﴿وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: 22]
  • ﴿وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: 23]
  • ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ ۚ وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ [المائدة: 95]
  • ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: 38]
  • ﴿هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَّا أَسْلَفَتْ﴾ [يونس: 30]
  • ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِّلْآخِرِينَ﴾ [الزخرف: 56]
  • ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة: 24]

في السنة النبوية: وردت الكلمة بمعنى المضي والتقدم في أحاديث، منها:

  • حديث عائشة رضي الله عنها في الصحيحين في قصة مُسارّة النبي ﷺ لفاطمة رضي الله عنها في مرض موته، وفيه قوله ﷺ: «فَإِنَّهُ نِعْمَ السَّلَفُ أَنَا لَكِ»، ثم بشّرها بأنها سيدة نساء المؤمنين أو سيدة نساء هذه الأمة.
  • حديث ابن عمر رضي الله عنهما عند البخاري: «إِنَّمَا بَقَاؤُكُمْ فِيمَا سَلَفَ قَبْلَكُمْ مِنَ الْأُمَمِ كَمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ».
  • حديث حكيم بن حزام رضي الله عنه في الصحيحين: «أَسْلَمْتَ عَلَى مَا سَلَفَ مِنْ خَيْرٍ».

واستطرد الشيخ في بيان القرابة والمصاهرة التي تجمع بين عائشة وفاطمة رضي الله عنهما، ورد على الرافضة الذين افتعلوا خصومة بينهما، فجعلوا محبة فاطمة لا تتم إلا ببغض عائشة وتكفيرها والطعن في عرضها. كما قرر أن النبي ﷺ هو نعم السلف لنا جميعًا إذا استقمنا على سنته وجعلناها الحكم والميزان في أوقات الخلاف والفتن.

النقاط الرئيسية

  • المنهج السلفي هو دين الله الحق والصراط المستقيم، وليس مدرسة أو حزبًا أو اجتهاد شيخ.
  • الأصل في كل مسلم رضي بالكتاب والسنة وفهم الصحابة أنه سلفي، ويخرج عن ذلك بقدر مخالفته كالرافضة والخوارج والمعتزلة والأشاعرة.
  • المنهج والمنهاج لغةً: الطريق الواضح البيّن الذي لا غموض فيه، ولم ترد كلمة «منهاج» في القرآن إلا مرة واحدة في سورة المائدة.
  • الخلافة على منهاج النبوة لا تُنال إلا بسلوك منهاج النبوة، ولا تُقام بوسائل تخالف الشرع.
  • الطعن في الصحابة طعن في الدين، وتعبير الرؤى علم لا يُتجرّأ عليه بلا علم.
  • السلف لغةً: المتقدمون، وتدور معاني الكلمة حول التقدم والمضي والسبق الزمني، وقد وردت في القرآن في ثمانية مواضع.
  • النبي ﷺ هو نعم السلف لأمته، كما قال لفاطمة رضي الله عنها: «فَإِنَّهُ نِعْمَ السَّلَفُ أَنَا لَكِ».

الفوائد والعبر

  • شكر نعمة الهداية: أن يستشعر المسلم عظمة نعمة الإسلام والسنة، فيشكرها بالثبات عليها والدعوة إليها؛ لأن الشكر سبب لحفظ النعمة وزيادتها.
  • اتخاذ الكتاب والسنة ميزانًا: أن يزن المسلم أقواله وأفعاله بالكتاب والسنة وفهم الصحابة، لا بالعقل المجرد ولا بالأهواء والانتماءات الحزبية.
  • حفظ مكانة الصحابة: أن يصون لسانه عن الطعن في أصحاب رسول الله ﷺ، وأن يحذر ممن يطعن فيهم مهما بلغت شهرته أو علمه.
  • التثبت قبل الخوض في العلم: ألا يتصدّر لتعبير الرؤى أو الفتوى بلا علم، وأن يحذر المتسرعين في ذلك عبر الفضائيات، اقتداءً بتحرّز الصديق رضي الله عنه.
  • سلامة الغاية والوسيلة معًا: أن يعلم أن الغايات الشرعية كإقامة الدين لا تتحقق إلا بوسائل شرعية موافقة لمنهاج النبوة، وأن التمسك بسنة النبي ﷺ هو العروة الوثقى في أزمنة الفتن.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات