من منهج أهل السنة عدم الخروج على الحكام حتى وإن ظلموا.لفضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
يتناول فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري في هذا المقطع أصلًا من أصول أهل السنة والجماعة التي دوّنها الأئمة في كتب العقائد، وهو عدم الخروج على ولاة الأمور المسلمين وإن وقع منهم ظلم أو جَور. وقد جعل السلف هذا الأصل علامةً تميّز أهل السنة عن أهل الأهواء من الخوارج ومن سلك سبيلهم، لأن الخروج يجرّ على الأمة الفتن وسفك الدماء وضياع الأمن والدين.
وتشتد الحاجة إلى هذا الموضوع في أزمنة المحن، حين تنتشر الشبهات وتغلب العاطفة على الدليل، فيظن بعض الناس أن الخروج طريقٌ لإصلاح الأوضاع. ويبيّن الشيخ أن منهج السلف في هذه المحن هو التمسك بالنصوص الشرعية والصبر وعدم الانسياق وراء الشبهة، كما فعل الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله في محنته الكبيرة.
ويهدف هذا الدرس إلى بيان الأدلة الشرعية على هذا الأصل، وتوضيح الحالة الوحيدة التي استثناها الشرع، والتفريق بين الطاعة في المعروف والطاعة في المعصية، وبيان الطريق الشرعي للنصح والإصلاح، حتى يكون المسلم على بصيرة من دينه.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: عدم الخروج أصلٌ من أصول عقيدة أهل السنة
لم يجعل أهل السنة هذه المسألة من المسائل الفرعية الاجتهادية، بل ذكروها في كتب العقيدة إلى جانب مسائل الإيمان والقدر والصحابة، لأنها تتعلق بحفظ الجماعة ووحدة الأمة. ومن ذلك ما قرره الإمام الطحاوي رحمه الله في عقيدته المشهورة التي تلقاها العلماء بالقبول.
قال الإمام الطحاوي: «وَلَا نَرَى الْخُرُوجَ عَلَى أَئِمَّتِنَا وَوُلَاةِ أُمُورِنَا وَإِنْ جَارُوا، وَلَا نَدْعُو عَلَيْهِمْ، وَلَا نَنْزِعُ يَدًا مِنْ طَاعَتِهِمْ، وَنَرَى طَاعَتَهُمْ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَرِيضَةً، مَا لَمْ يَأْمُرُوا بِمَعْصِيَةٍ، وَنَدْعُو لَهُمْ بِالصَّلَاحِ وَالْمُعَافَاةِ».
والأصل في ذلك قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ﴾ [النساء: 59]. فقد قرن الله طاعة ولاة الأمر بطاعته وطاعة رسوله ﷺ، ولم يُفرد لهم فعل «أطيعوا»، فدلّ ذلك على أن طاعتهم تابعة لطاعة الله ورسوله.
المحور الثاني: الأدلة النبوية على الصبر على جَور الولاة
تواترت الأحاديث عن النبي ﷺ في الأمر بالصبر على الولاة وإن ظلموا واستأثروا بالدنيا. فعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «مَنْ رَأَى مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلْيَصْبِرْ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ شِبْرًا فَمَاتَ، إِلَّا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً» [متفق عليه].
وفي حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال النبي ﷺ: «تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلْأَمِيرِ، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ، وَأُخِذَ مَالُكَ، فَاسْمَعْ وَأَطِعْ» [رواه مسلم]. وهذا نصٌّ صريح في أن ظلم الوالي في النفس والمال لا يبيح الخروج عليه.
وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «إِنَّهَا سَتَكُونُ بَعْدِي أَثَرَةٌ وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا»، قالوا: يا رسول الله، كيف تأمر من أدرك منا ذلك؟ قال: «تُؤَدُّونَ الْحَقَّ الَّذِي عَلَيْكُمْ، وَتَسْأَلُونَ اللَّهَ الَّذِي لَكُمْ» [متفق عليه]. فأرشد ﷺ إلى أداء الواجب وطلب الحق من الله، لا بالسيف والفتنة.
المحور الثالث: متى يجوز الخروج؟ ضوابط الاستثناء الشرعي
بيّن النبي ﷺ أن الحالة التي يُستثنى فيها هذا الأصل هي ظهور الكفر الصريح، لا مجرد الظلم أو الفسق. فعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: «دَعَانَا النَّبِيُّ ﷺ فَبَايَعْنَاهُ، فَقَالَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا: أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ، إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا، عِنْدَكُمْ مِنَ اللَّهِ فِيهِ بُرْهَانٌ» [متفق عليه].
وقد اشترط الحديث شروطًا دقيقة: أن تروا، أي رؤية يقينية لا ظنًّا ولا إشاعة. وأن يكون كفرًا، لا فسقًا أو معصية. وأن يكون بَواحًا، أي صريحًا ظاهرًا لا يحتمل التأويل. وأن يكون عندكم فيه من الله برهان، أي دليل واضح من الكتاب والسنة. ونبّه العلماء كذلك إلى اشتراط القدرة وألا يترتب على الخروج مفسدة أعظم من المفسدة القائمة، وأن تقدير ذلك مردّه إلى العلماء الراسخين لا إلى آحاد الناس.
وفي صحيح مسلم أن النبي ﷺ لما ذكر الأئمة الذين يُبغَضون ويُلعَنون قيل له: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلَا نُنَابِذُهُمْ بِالسَّيْفِ؟ فَقَالَ: لَا، مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلَاةَ». فجعل إقامة الصلاة مانعًا من منابذتهم مع ما فيهم من الشر.
المحور الرابع: الطاعة في المعروف لا في المعصية
لا يعني عدم الخروج طاعة الولاة في كل شيء، فالطاعة مقيدة بالمعروف. قال النبي ﷺ: «لَا طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةٍ، إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ» [متفق عليه]. فإذا أمر الوالي بمعصية لم يُطَع فيها، لكن لا يُنزع اليد من طاعته في غيرها، ولا يُخرج عليه.
وهذا هو التوازن الذي تميز به أهل السنة: فلا يقولون بطاعة مطلقة تُقدَّم فيها طاعة المخلوق على طاعة الخالق، ولا يقولون بالخروج الذي يفتح أبواب الدماء والفتن، بل يقفون موقفًا وسطًا مبنيًّا على النصوص.
المحور الخامس: موقف السلف في المحن ومنهج النصيحة
من أعظم الأمثلة على تطبيق هذا الأصل موقف الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله في محنة القول بخلق القرآن، فقد سُجن وضُرب وأُوذي، وكانت المحنة كبيرة، ومع ذلك لما اجتمع إليه فقهاء بغداد يشاورونه في الخروج نهاهم عن ذلك، وأمرهم بالصبر، وقال لهم ما معناه: عليكم بالنكرة في قلوبكم، ولا تخلعوا يدًا من طاعة، ولا تشقّوا عصا المسلمين، ولا تسفكوا دماءكم ودماء المسلمين معكم.
وعدم الخروج لا يعني السكوت عن الحق، بل الطريق الشرعي هو النصيحة بالحكمة والرفق، قال النبي ﷺ: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ» قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ: «لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ» [رواه مسلم]. ويكون ذلك بالطرق المشروعة التي تحقق المصلحة ولا تثير الفتنة، مع الدعاء لهم بالصلاح.
النقاط الرئيسية
- عدم الخروج على ولاة الأمور المسلمين وإن جاروا أصلٌ من أصول عقيدة أهل السنة والجماعة.
- طاعة ولاة الأمر تابعة لطاعة الله ورسوله ﷺ، وهي في المعروف لا في المعصية.
- الظلم والاستئثار بالدنيا لا يبيحان الخروج، والمأمور به هو الصبر وأداء الحق وسؤال الله الحق.
- لا يُستثنى من هذا الأصل إلا الكفر البواح الذي عليه برهان من الله، مع مراعاة القدرة والمصلحة والمفسدة.
- الحكم في هذه المسائل للعلماء الراسخين، لا لأصحاب العاطفة والشبهات.
- موقف الإمام أحمد في المحنة نموذجٌ عملي لتطبيق السلف لهذا الأصل.
- الطريق الشرعي للإصلاح هو النصيحة بالحكمة والدعاء لولاة الأمر بالصلاح.
الفوائد والعبر
- أن يجعل المسلم النصوص الشرعية حاكمةً على عاطفته ورأيه، لا العكس، خاصةً في أوقات الفتن والمحن.
- الحذر من الشبهات التي تزيّن الخروج والفوضى بدعوى الإصلاح، والرجوع فيها إلى أهل العلم الموثوقين.
- إدراك أن حفظ الدماء والأمن ووحدة الجماعة من أعظم مقاصد الشريعة، وأن الصبر على الظلم أخف من مفاسد الفتنة.
- الجمع بين لزوم الجماعة وعدم الطاعة في المعصية، فلا إفراط ولا تفريط.
- الإكثار من الدعاء لولاة الأمر بالهداية والصلاح، وبذل النصيحة بالطرق المشروعة التي تحقق المصلحة.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات