قراءة وتعليق على كتاب"الموطأ للإمام مالك بن أنس /الدرس ( 27) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

4,983 مشاهدة
257 مشاركة
منذ 4 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس السابع والعشرون من مجالس قراءة كتاب «الموطأ» للإمام مالك بن أنس رحمه الله تعالى، والتعليق عليه، ويلقيه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. يتناول الدرس جملة من الأبواب الجامعة في الآداب النبوية، ومنها: ما جاء في المساكين، وما جاء في مِعى الكافر، والنهي عن الشرب في آنية الفضة وعن النفخ في الشراب، وما جاء في شرب الرجل وهو قائم، والسُّنة في الشرب ومناولته عن اليمين، وجامع ما جاء في الطعام والشراب.

وتظهر أهمية هذه الأبواب في أنها تتصل بحياة المسلم اليومية في طعامه وشرابه وضيافته وتعامله مع المحتاجين. وقد جاءت بأصح الأسانيد، ومنها سلسلة: مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه. وتبيّن هذه الأبواب أن الإسلام منهج كامل يربط أدق تفاصيل السلوك بالإيمان بالله واليوم الآخر.

ويهدف الدرس إلى أن يعرف المشاهد المعنى الشرعي للمسكين وأحقّ الناس بالصدقة والزكاة، وأن يتعلّم آداب الطعام والشراب وأحكامها، ويفهم معنى البركة وأسبابها، ويقف على شيء من معجزات النبي ﷺ الحسية وأخلاقه في الضيافة والاستئذان والإكرام.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: حقيقة المسكين في عُرف الشرع وأحق الناس بالصدقة

بدأ الشيخ بحديث أبي هريرة رضي الله عنه، ونبّه إلى أن إسناده من أصح الأسانيد. وفيه أن النبي ﷺ صحّح المفهوم الشائع عن المسكين، فبيّن أن المسكين الحقيقي ليس من يطوف على الناس ويسألهم، فذلك سائل. المسكين هو المتعفف الذي لا يجد ما يكفيه، ولا يعرف الناس حاله، ولا يمدّ يده إليهم.

واستدل الشيخ بهذا الحديث على القول الراجح في الفرق بين الفقير والمسكين: فالفقير لا يجد شيئًا، والمسكين يجد ما لا يكفيه. ثم بيّن أن طلبة العلم من أولى الناس بالزكاة والصدقة لكي يتفرغوا لنصرة دين الله. وذكر أن طالب العلم قد يُضطر إلى ترك الطلب أو بيع كتبه لينفق على نفسه، وأن كثيرًا من البلاد الإسلامية تعتني بطلبة العلم وتكفيهم.

ثم ذكر حديث الأمر بعدم ردّ المسكين خائبًا ولو بشيء يسير جدًا، وهو الظِّلف المحرق، أي حافر الشاة المشوي. وفيه حثّ على العطاء ولو كان قليلًا.

قال رسول الله ﷺ: «لَيْسَ الْمِسْكِينُ بِهَذَا الطَّوَّافِ الَّذِي يَطُوفُ عَلَى النَّاسِ، فَتَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ، وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ»، قَالُوا: فَمَا الْمِسْكِينُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «الَّذِي لَا يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ، وَلَا يَفْطُنُ النَّاسُ لَهُ فَيُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ، وَلَا يَقُومُ فَيَسْأَلَ النَّاسَ».

وقال ﷺ: «رُدُّوا الْمِسْكِينَ وَلَوْ بِظِلْفٍ مُحْرَقٍ».

قال تعالى: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ [البقرة: 273].

المحور الثاني: البركة في الطعام ومِعى المؤمن ومِعى الكافر

شرح الشيخ حديث «المؤمن يأكل في مِعى واحد»، وبيّن أن معناه ليس أن كل مسلم يأكل أقل من كل كافر، فقد يوجد من المسلمين من يأكل أكثر من بعض الكفار. المقصود أن البركة تحلّ على المسلم إذا استقام على السنة وسمّى الله على طعامه، فيكفيه القليل. أما من لا يسمّي الله فتُنزع البركة من طعامه، فيأكل ولا يشبع.

واستشهد بقصة الضيف الكافر الذي نزل على النبي ﷺ، فأمر له بشاة فحُلبت فشرب حلابها، ثم بأخرى ثم بأخرى حتى شرب حلاب سبع شياه. فلما أسلم شرب حلاب شاة واحدة، ثم أُمر له بأخرى فلم يستتمها. فقد نفعه الله ببركة الإسلام والتسمية.

قال رسول الله ﷺ: «يَأْكُلُ الْمُسْلِمُ فِي مِعًى وَاحِدٍ، وَالْكَافِرُ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ».

وقال ﷺ: «الْمُؤْمِنُ يَشْرَبُ فِي مِعًى وَاحِدٍ، وَالْكَافِرُ يَشْرَبُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ».

المحور الثالث: آداب الشرب وأحكامه

تناول الشيخ عددًا من أحكام الشرب. فذكر أولًا النهي عن الشرب في آنية الفضة، والنهيُ عن آنية الذهب من باب أولى، وما في ذلك من الوعيد الشديد. ثم ذكر النهي عن النفخ في الشراب، وأن السنة لمن احتاج إلى التنفس أن يُبعد الإناء عن فمه ثم يتنفس. فإن رأى في الماء قذاة أراقها. وإن كان الشراب أو الطعام حارًا فلا ينفخ فيه، بل يصبّه بين إناءين أو يفرده حتى يبرد. وذكر أن في هذا ردًا على من يصف هذه السنن بأنها «قشور».

ثم عرض مسألة الشرب قائمًا، وأورد آثار الموطأ عن عمر وعلي وعثمان وابن عمر وابن الزبير وغيرهم في الترخيص فيه. وبيّن أن المسألة خلافية بين الصحابة رضي الله عنهم، وأن الإمام مالكًا اكتفى بإيراد ما يدل على الجواز. أما الشيخ فرجّح القول بالتحريم إلا لحاجة أو في ماء زمزم، واستدل بحديث أبي هريرة رضي الله عنه في مسند الإمام أحمد. وذكر أن حديث مسلم في الأمر بالاستقاءة نصٌّ في المسألة لو صحّ، لكن إسناده عنده ضعيف لأن فيه عمر بن حمزة العمري، وإنما يشهد له حديث المسند. وأشار إلى أن من أهل العلم من قال بالكراهة دون التحريم، كالإمام النووي.

ومن آداب الشرب أن يُناوَل الشراب عن اليمين ولو كان على اليمين أعرابي وعلى اليسار أبو بكر الصديق رضي الله عنه. ومن أخلاقه ﷺ أنه استأذن الغلام الجالس عن يمينه في أن يعطي الأشياخ قبله، فأبى الغلام أن يؤثر بنصيبه من رسول الله ﷺ أحدًا، فوضعه ﷺ في يده. واستفاد الشيخ من ذلك قاعدة: الإيثار يكون في أمور الدنيا لا في الطاعات والقُرَب.

قال رسول الله ﷺ: «الَّذِي يَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الْفِضَّةِ إِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ».

وقال ﷺ للرجل الذي قال: إني لا أَرْوَى من نَفَسٍ واحد: «فَأَبِنِ الْقَدَحَ عَنْ فِيكَ ثُمَّ تَنَفَّسْ»، قال: فإني أرى القذاة فيه، قال: «فَأَهْرِقْهَا».

وقال ﷺ لمن شرب قائمًا: «أَيَسُرُّكَ أَنْ يَشْرَبَ مَعَكَ الْهِرُّ؟» قال: لا، قال: «فَإِنَّهُ قَدْ شَرِبَ مَعَكَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مِنْهُ، الشَّيْطَانُ».

وقال ﷺ: «الْأَيْمَنَ فَالْأَيْمَنَ».

وقال ﷺ للغلام: «أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَ هَؤُلَاءِ؟» فقال: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَا أُوثِرُ بِنَصِيبِي مِنْكَ أَحَدًا.

المحور الرابع: قصة طعام أبي طلحة ومعجزة تكثير الطعام

أورد الشيخ حديث أنس بن مالك رضي الله عنه. وفيه أن أبا طلحة رضي الله عنه سمع صوت النبي ﷺ ضعيفًا يُعرف فيه الجوع، فأخرجت أم سليم رضي الله عنها أقراصًا من شعير، ولفّتها في خمار وأرسلت بها أنسًا. فلما رآه النبي ﷺ قال لمن معه: «قوموا». فانطلق بالناس إلى بيت أبي طلحة، فقال أبو طلحة: يا أم سليم، قد جاء رسول الله ﷺ بالناس وليس عندنا ما نطعمهم. فقالت: «الله ورسوله أعلم».

وأثنى الشيخ على أم سليم رضي الله عنها لرجاحة عقلها وانقيادها لأمر الله ورسوله، ووصفها بأنها من «جبال النساء»، وأنها مثال للمرأة الصالحة التي تعين زوجها ولا تثقل عليه. وأشار إلى أن تكلف الطعام للضيف يكون في حال القرب والتبسط، وأن النبي ﷺ لما تبعه رجل لم يُدْعَ استأذن له صاحبَ الطعام. ومن آداب الضيافة كذلك أن يخرج المضيف لاستقبال ضيفه الكبير، كما خرج أبو طلحة مسرعًا.

ثم أمر النبي ﷺ بالخبز ففُتّ، وعصرت عليه أم سليم عُكّة سمن فأدمته، ودعا فيه بالبركة. ثم جعل يأذن لعشرة بعد عشرة، فيأكلون حتى يشبعوا، حتى أكل القوم كلهم وشبعوا، وكانوا سبعين أو ثمانين رجلًا. وهذه معجزة حسية من معجزاته ﷺ. وبيّن الشيخ أن البركة سنة يجريها الله لمن أطاعه واتقاه، وأن سبب حصولها الطاعة لا المعصية.

قال رسول الله ﷺ: «طَعَامُ الِاثْنَيْنِ كَافِي الثَّلَاثَةِ، وَطَعَامُ الثَّلَاثَةِ كَافِي الْأَرْبَعَةِ».

المحور الخامس: آداب البيت وإكرام الضيف والرحمة بالحيوان

شرح الشيخ حديث جابر رضي الله عنه في آداب الليل: إغلاق الأبواب، وربط أفواه القِرَب، وتغطية الآنية أو قلبها، وإطفاء المصابيح. وبيّن أن علّة الأمر بإطفاء المصباح أن الفأرة قد تجرّ فتيله المشتعل فتُحرق البيت على أهله. ولذلك لا حرج في المصابيح الكهربائية الصغيرة التي تُترك للأطفال الذين يقومون ليلًا، لأن علّة النار فيها غير موجودة، ونبّه إلى أن من حرّمها لم يفهم أصول الفتوى.

ثم شرح حديث أبي شريح الكعبي رضي الله عنه في حفظ اللسان وإكرام الجار والضيف. فالجائزة يوم وليلة، والضيافة ثلاثة أيام، وما بعدها صدقة. ولا يحلّ للضيف أن يطيل المقام حتى يُحرج مضيفه، وذكر الشيخ أن هذا مشاهد في واقع الناس، وأنه أَوْلى في زماننا الذي ظهر فيه الشُّحّ.

وختم الدرس بحديث الرجل الذي اشتد عليه العطش، فنزل بئرًا فشرب. فلما خرج رأى كلبًا يلهث ويأكل الثرى من العطش، فنزل البئر وملأ خُفّه ماءً وأمسكه بفمه حتى صعد، فسقى الكلب، فشكر الله له فغفر له.

قال رسول الله ﷺ: «أَغْلِقُوا الْبَابَ، وَأَوْكُوا السِّقَاءَ، وَأَكْفِئُوا الْإِنَاءَ أَوْ خَمِّرُوا الْإِنَاءَ، وَأَطْفِئُوا الْمِصْبَاحَ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَفْتَحُ غَلَقًا، وَلَا يَحُلُّ وِكَاءً، وَلَا يَكْشِفُ إِنَاءً، وَإِنَّ الْفُوَيْسِقَةَ تُضْرِمُ عَلَى النَّاسِ بَيْتَهُمْ».

وقال ﷺ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، جَائِزَتُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، وَضِيَافَتُهُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، فَمَا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَثْوِيَ عِنْدَهُ حَتَّى يُحْرِجَهُ».

وقال ﷺ في الرجل الذي سقى الكلب: «فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ».

النقاط الرئيسية

  • المسكين في الشرع هو المتعفف الذي لا يجد ما يكفيه ولا يسأل الناس، والراجح أن الفقير أشد حاجة من المسكين.
  • طلبة العلم من أولى الناس بالزكاة والصدقة لكي يتفرغوا لنصرة الدين.
  • البركة في الطعام ثمرة الإيمان والاستقامة على السنة والتسمية، وتُنزع بتركها.
  • يحرم الشرب في آنية الفضة والذهب، ويُنهى عن النفخ في الشراب، والسنة أن يُبعد الإناء عن الفم عند التنفس.
  • الشرب قائمًا مسألة خلافية بين الصحابة، والشيخ يرجّح المنع إلا لحاجة أو في ماء زمزم.
  • السنة مناولة الشراب عن اليمين، ولا إيثار في القُرَب والطاعات.
  • تكثير طعام أبي طلحة حتى أشبع سبعين أو ثمانين رجلًا معجزة حسية للنبي ﷺ، وأمّ سليم مثال للمرأة الصالحة العاقلة.

الفوائد والعبر

  • ابحث عن المتعففين من أقاربك وجيرانك وطلبة العلم وأعطهم زكاتك وصدقتك، ولا تردّ سائلًا ولو بشيء يسير.
  • سمِّ الله على طعامك وشرابك والتزم آدابهما، فلا تنفخ في الإناء ولا تتنفس فيه، وابدأ باليمين، لتحلّ البركة في رزقك.
  • لا تتحرج إذا زاد عدد ضيوفك على ما أعددت من طعام، فطعام الاثنين يكفي الثلاثة، فادعُ فيه بالبركة. وإذا كنت ضيفًا فلا تُطل المقام حتى تُحرج مضيفك.
  • احرص على آداب الليل من إغلاق الأبواب وتغطية الآنية وإطفاء ما قد يسبب الحريق، فهي حماية من الشيطان ومن الأخطار.
  • لا تستصغر شيئًا من المعروف ولو كان سقي حيوان، فقد يغفر الله لعبده بعمل يسير يخلص فيه.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات