قراءة وتعليق على كتاب"الموطأ للإمام مالك بن أنس / الدرس ( 19 ) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري

522 مشاهدة
163 مشاركة
منذ 3 سنوات
```html

مقدمة

نقدم لكم هذا الدرس القيم ضمن سلسلة قراءة وتعليق على كتاب "الموطأ للإمام مالك بن أنس"، وهو الدرس التاسع عشر لفضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري حفظه الله. يتناول هذا المجلس المبارك جانباً بالغ الأهمية من فقه المعاملات المالية والبيوع، مستعرضاً أحكاماً دقيقة ومسائل مفصلة من هذا السفر الجليل للإمام مالك.

يهدف هذا الدرس إلى تسليط الضوء على أنواع البيوع المشروعة والممنوعة في الشريعة الإسلامية، مع التركيز على الأصول والقواعد التي تحكمها، مثل النهي عن الربا والغرر والجهالة. سيكتسب المشاهد فهماً عميقاً للضوابط الشرعية التي تضمن العدل والإنصاف في المعاملات المالية، وكيفية تجنب الوقوع في المحظورات الشرعية التي تفسد العقود.

إن فهم هذه الأحكام ليس مجرد معرفة نظرية، بل هو ضرورة عملية لكل مسلم يسعى لتصحيح معاملاته المالية وجعلها مطابقة لمنهج الله ورسوله، مما يحقق البركة في الرزق والطمأنينة في الحياة.

المحاور الرئيسية

1. أحكام السلف والبيوع المتعلقة به

يناقش هذا المحور أحكام السلف (الدفع المسبق أو القرض) في العروض والبضائع، ويوضح الإمام مالك رحمه الله تعالى أنه إذا سلف شخص في سلعة إلى أجل، فإنه لا يجوز له أن يبيعها من نفس البائع الذي اشترى منه بأكثر من الثمن الذي سلف فيه، وذلك سداً لذريعة الربا. أما إذا باعها لغير البائع الأصلي، فلا بأس بذلك بعد استيفاء السلعة وقبضها.

ويُشدد على أن هذا المنع يأتي خشية أن يكون البيع الثاني تحايلاً على الربا، حيث يستفيد البائع الأصلي من فارق السعر بعد أن يكون قد انتفع بالمال الذي سُلف له. وتُعتبر هذه المسائل من الأهمية بمكان في فقه المعاملات المالية لتجنب الشبهات وضمان صحة العقود.

قال مالك: "وذلك فيه منورة والله علم انه أرادة أي بيعها من صاحبها الذي اشتراه منه بأكثر من الثمن الذي اتعها به ولو انه بعها من غير الذي اشتراه منه لم يكن بذلك بأس."

2. الربا والتحايل عليه (بيوع العينة)

يتناول هذا المحور بيوعاً قد تؤول إلى الربا أو تكون تحايلاً عليه، مثل "الورق بالورق" (تبادل العملات) إذا لم يتم يداً بيد، و"بيعتين في بيعة" المنهي عنها شرعاً. ويُفصّل الشيخ في بيع العينة، شارحاً تفسيري شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. التفسير الأول هو أن يتم البيع بسعرين مختلفين: سعر نقدي وسعر آجل، ويقع العقد على أحدهما دون تحديد مسبق، مما يؤدي إلى الجهالة.

أما التفسير الثاني للعينة فهو التحايل على الربا، بأن يبيع شخص سلعة بثمن مؤجل، ثم يشتريها من المشتري نفسه بثمن أقل حال، فيحصل بذلك على مال نقدي مع زيادة مؤجلة، وهذا محرم لأنه وسيلة للربا الصريح.

قال مالك: "تلك الوارق بالوارق وكري هذا تلك الوارق بالوارق وكري هذالك الكراهة هنا تفيد التحريم."
عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه "نهى عن بيعتين في بيعة."

3. الغرر والجهالة في البيوع

يُعد بيع الغرر من البيوع المنهي عنها شرعاً، والغرر هو الجهالة والمخاطرة في البيع. يُقدم الدرس أمثلة عديدة للغرر، منها بيع السمك في الماء والطير في الهواء، وبيع ما في بطون الأناثي من الدواب لعدم اليقين بوجوده أو صفته أو جنسه أو عيوبه.

كما يشمل الغرر بيع المجهول الذي لا يُدرى أيزيد أم ينقص، أو ما به من عيوب خفية، مؤكداً على ضرورة أن تكون السلعة معلومة ومحددة لتجنب النزاع والظلم. ويوضح أن أي بيع يشتمل على جهالة كبيرة في المبيع أو الثمن أو الأجل فهو باطل.

عن أبي حازم سلمة بن دينار عن سعيد بن المسيب أن رسول الله صلى الله عليه وعلى وسلم "نهى عن بيع الغرر."
قال مالك: "ومن بيع الغرر الغرر الجهالة والمخاطرة أن يعمد رجل قضل الدبته الدبته أو أبقى قلامه وثمان الشئ من ذلك خمسون دينارا فقل رجل أنا أخذه منك بإشين دينارا فإن وجبه المبتع وإن وجده المبتع زهبا من البعي سلاثون دينارا وإن لم يجده زهب البعي ومن زهب البعي ومن المبتعي بإشين دينارا."

4. البيوع المنهي عنها (الملامسة والمناباذة)

يشرح الشيخ بيوع الملامسة والمناباذة المنهي عنها في السنة النبوية الشريفة. فالملامسة هي أن يلمس الرجل الثوب أو السلعة فيتم البيع بمجرد اللمس دون رؤية أو فحص محدد، والمناباذة هي أن يرمي الرجل السلعة إلى الآخر فيتم البيع بمجرد الرمي.

هذه البيوع محرمة لاشتمالها على الغرر والجهالة وعدم تمكين المشتري من معاينة السلعة والتأكد من جودتها ومواصفاتها قبل إتمام العقد، مما يؤدي إلى النزاع وأكل أموال الناس بالباطل.

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم "نهى عن الملامسة والمناباذة."
قال مالك: "ولملامسة أني المسر رجل السوبة ولا ينشرو لا يفتحمى فيه ولا يتبين ما فيه أو يبتاعه ليلا ولا يعلم ما فيه يعني ممجرد أن تلمس وقع البي خلاص قضي الأم والجرد الملامسة والمناباثة أن ينبذر رجل إلى رجل سوبة وينبذر رجل الآخر لي سوبة على غير تأمل منهما ويقول كل واحد منه هذا بهذا فهذا الذي نهي عنه من الملامسة والمناباثة."

5. أحكام بيع المرابحة

يُوضح الدرس أحكام بيع المرابحة، وهو بيع السلعة بثمنها الأصلي مضافاً إليه ربح معلوم. يبيّن الإمام مالك رحمه الله أن في بيع المرابحة، لا تُحسب أجرة السماسرة (الوسطاء)، ولا أجرة الصبغ أو الشد أو غيرها من النفقات الثانوية ضمن رأس المال الذي يُربح عليه.

أما أجرة نقل البضاعة (كراء البز) فإنها تُحسب في أصل الثمن الذي يُبنى عليه الربح، وهذا يضمن الشفافية والعدل في تحديد الربح، ويمنع الخداع أو الغرر في احتساب التكاليف.

قال مالك: "أن الأمر المدتمعني عندنا في البزي يشتريه رجل ببلد ثم يقبب به بلد آخر فيبيوه مرابحة إنه لا يحسب فيه أجرة السماسرة ولا أجرة طيب ولا الشد ولا نفق ولا كرة أبي فأما كرة البزي في حملاني فإنه يحسب في أصل الثمن ولا يحسب فيه رب إلا أن يؤلم البائع ومن يساومه بذ."

أبرز النقاط

  • تحريم بيع السلف إذا أدى إلى بيع السلعة للبائع الأصلي بأكثر من ثمنها الأصلي، سداً لذريعة الربا.
  • النهي عن بيوع العينة التي تتضمن التحايل على الربا، سواء كانت بسعرين مختلفين أو ببيع السلعة ثم إعادة شرائها بثمن أقل.
  • ضرورة تحديد الثمن بوضوح في البيع النقدي والآجل لتجنب الجهالة و"بيعتين في بيعة".
  • تحريم بيع الغرر والجهالة في السلع، كبيع المجهول أو ما لا يُرى أو ما فيه مخاطرة كبيرة.
  • النهي عن بيوع الملامسة والمناباذة التي تتم دون رؤية أو فحص للسلعة، لاشتمالها على الغرر.
  • ضوابط بيع المرابحة وحساب التكاليف التي تدخل في رأس المال، مع استثناء أجرة السماسرة وغيرها من النفقات.
  • الكراهة في الفقه المالكي قد تفيد التحريم في بعض السياقات، خاصة إذا قُرنت بعبارة "لا يحل".

الفوائد والعبر

  • اكتساب فهم عميق لأحكام البيوع والمعاملات المالية في الإسلام، مما يعين على تصحيح المعاملات اليومية.
  • القدرة على التمييز بين المعاملات المشروعة والمحرمة، وتجنب الوقوع في الربا والغرر والشبهات.
  • التحلي بالورع والاحتياط في كسب المال، مما يحقق البركة والطمأنينة في الرزق.
  • إدراك الحكمة التشريعية في تحريم بعض البيوع لحماية حقوق الناس ومنع الظلم والنزاع.
  • بناء أساس قوي للمعاملات المالية الإسلامية السليمة التي تتفق مع مقاصد الشريعة.
```
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات