قراءة وتعليق على كتاب"الموطأ للإمام مالك بن أنس /الدرس ( 26) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
مقدمة الدرس
نقدم لكم الدرس السادس والعشرين من سلسلة "قراءة وتعليق على كتاب الموطأ للإمام مالك بن أنس"، يلقيه فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري. هذا الدرس يغوص في أحد أهم أركان الإيمان وأعمقها: مسألة القدر، التي طالما أثارت الجدل واللبس عبر العصور.
يهدف هذا الدرس إلى تبديد الشبهات حول مفهوم القدر، وتقديم الفهم الصحيح له من منظور أهل السنة والجماعة، مع تسليط الضوء على آثاره العملية والنفسية على حياة المسلم. كما يسعى إلى تعزيز اليقين بالله وقضائه وقدره، وبيان كيف أن الإيمان بالقدر يورث الطمأنينة والرضا في كل أحوال العبد.
سنتناول في هذا الشرح تعريف القدر، ومذاهب الفرق الضالة فيه، وموقف أهل السنة والجماعة الوسطي، بالإضافة إلى الفوائد الجليلة المترتبة على الإيمان به، وكيفية التعامل مع الابتلاءات والمعاصي في ضوء هذا الركن العظيم من أركان الإيمان.
المحاور الرئيسية
1. تعريف القدر ومكانته في الإسلام
يُعرف القدر بأنه سر الله في خلقه، وهو أحد أركان الإيمان الستة التي لا يصح إيمان العبد إلا بها. يؤكد الشيخ أن القدر هو علم الله الأزلي بكل ما سيقع في الكون قبل وقوعه، وتدبيره سبحانه لكل الأمور بحكمته وعلمه.
الإيمان بالقدر يعني الإيمان بأن الله تعالى علم كل شيء قبل كونه، وكتبه في اللوح المحفوظ، وشاءه، وخلقه. هذا الركن يغرس في نفس المؤمن اليقين بأن كل ما يصيبه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، فيورثه طمأنينة وسكينة لا تتزعزع.
2. مذاهب الفرق الضالة في القدر وموقف أهل السنة
يتناول الدرس المذاهب المنحرفة في فهم القدر، وهما:
- القدرية: الذين ينفون علم الله السابق للأشياء، ويرون أن الأمر أنُف (مستأنف)، أي أن الله لا يعلم الأشياء إلا بعد وقوعها.
- الجبرية: الذين يرون أن العبد مجبور على أفعاله، لا اختيار له ولا إرادة، فكأن الإنسان آلة تتحرك بلا وعي.
ويوضح الشيخ أن موقف أهل السنة والجماعة هو المنهج الوسطي الحق، فهم يؤمنون بأن العبد له إرادة واختيار في أفعاله، ويُحاسب عليها، ولكن هذه الإرادة والاختيار لا يخرجان عن علم الله وإرادته الشاملة. فالإنسان يفعل باختياره، وهذا الاختيار يقع ضمن علم الله وقدره.
يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد: 11).
3. الآثار العملية للإيمان الصحيح بالقدر
يبين الشيخ أن الإيمان بالقدر يمنح المسلم قوة الإيمان، وقوة الصبر، وقوة الرضا. فالمؤمن الحقيقي لا يبالي بأحد سوى الله، لأنه يعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن تنفعه بشيء لم ينفعوه إلا بشيء قد كتبه الله له، ولو اجتمعت على أن تضره بشيء لم يضروه إلا بشيء قد كتبه الله عليه.
هذا الإيمان يورث السكينة والطمأنينة، فلا يجزع عند الضر ولا يبطر عند السراء، بل يشكر في السراء ويصبر في الضراء. وهو ما يجعل المؤمن يعيش في غاية الرضا بقضاء الله وقدره، مستسلمًا لأمره ونهيه.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عَجَبًا لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إِلاَّ لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ» (صحيح مسلم).
4. الفرق بين الاحتجاج بالقدر على المصائب والذنوب
يشرح الشيخ نقطة مهمة جدًا وهي متى يجوز الاحتجاج بالقدر ومتى لا يجوز. يستشهد بحديث محاجة آدم وموسى عليهما السلام:
«احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى، فَقَالَ مُوسَى لآدَمَ: أَنْتَ آدَمُ الَّذِي أَغْوَيْتَ النَّاسَ وَأَخْرَجْتَهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ. فَقَالَ لَهُ آدَمُ: أَنْتَ مُوسَى الَّذِي اصْطَفَاهُ اللَّهُ بِكَلاَمِهِ وَاصْطَفَاهُ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِهِ، أَفَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدْ قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي؟» (متفق عليه).
الاستدلال بالقدر يكون على المصائب والابتلاءات التي لا دخل للعبد فيها، أو على الذنوب بعد التوبة منها والندم عليها. أما الاحتجاج بالقدر لتبرير المعاصي والذنوب قبل فعلها أو دون توبة، فهو أمر باطل، لأن العبد له اختيار في فعل الطاعة والمعصية.
ويذكر الشيخ حديث خلق الذرية من ظهر آدم:
«إنَّ اللهَ تباركَ وتعالى خَلَقَ آدمَ ثمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ بِيَمِينِهِ فاستَخْرَجَ منه ذُرِّيَّةً فقال : خلَقْتُ هؤلاءِ للجَنَّةِ وبِعَمَلِ أهلِ الجَنَّةِ يَعمَلُونَ ، ثمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ فاستَخْرَجَ منه ذُرِّيَّةً فقال : خلَقْتُ هؤلاءِ للنَّارِ وبِعَمَلِ أهلِ النَّارِ يَعمَلُونَ» (صحيح الجامع).
وهذا لا يمنع من العمل الصالح والأخذ بالأسباب الشرعية، لأن الله أمرنا بالعمل ولا نعلم ما قدر لنا.
أبرز النقاط الرئيسية
- القدر ركن أساسي من أركان الإيمان، وهو سر الله في خلقه.
- أهل السنة والجماعة يتبعون المنهج الوسطي في القدر، بين القدرية والجبرية.
- الإيمان بالقدر يورث الطمأنينة والرضا بقضاء الله في السراء والضراء.
- لا يجوز الاحتجاج بالقدر لتبرير المعاصي والذنوب، بل على المصائب بعد وقوعها أو الذنوب بعد التوبة منها.
- العمل بالأسباب الشرعية واتخاذها واجب على المسلم مع التوكل على الله.
- كتب العلماء الكبار كابن تيمية وابن القيم ضرورية لفهم عمق مسائل القدر.
- اليقين بأن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، يزيل الحزن والجزع.
الفوائد والعبر المستخلصة
- تعزيز اليقين بالله: الفهم الصحيح للقدر يقوي الإيمان بالله عز وجل، ويزيد من التوكل عليه والاعتماد عليه وحده.
- تحقيق السكينة النفسية: الإيمان بأن كل شيء بقدر الله يمنح المسلم طمأنينة ورضا، ويخلصه من القلق والجزع على ما فات أو ما هو آت.
- الصبر والشكر: يعلم المؤمن أن السراء من فضل الله فيشكر، وأن الضراء من قضائه فيصبر، فيكون دائمًا في خير.
- الالتزام بالأسباب الشرعية: مع الإيمان بالقدر، يدرك المسلم أهمية الأخذ بالأسباب الشرعية والطاعة، لأن الله أمر بالعمل وربط النتائج بالأسباب.
- تجنب الانحرافات العقدية: يساعد هذا الدرس على فهم الموقف الصحيح لأهل السنة والجماعة في القدر، ويحمي من الوقوع في شبهات الفرق الضالة.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات