قراءة وتعليق على كتاب" الموطأ "للإمام مالك بن أنس / الدرس (1) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

4,830 مشاهدة
239 مشاركة
منذ 5 سنوات

المقدمة

هذا هو الدرس الأول من سلسلة قراءة كتاب «الموطأ» للإمام مالك بن أنس رحمه الله والتعليق عليه، ويلقيه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. والدرس بداية لمشروع علمي كبير، وهو قراءة الكتب الثمانية في السنة النبوية بالأسانيد المتصلة إلى رسول الله ﷺ. وتبدأ السلسلة بالموطأ، وهو من أقدم ما دُوِّن في السنة، ومن أعلى كتب الحديث إسنادًا.

افتتح الشيخ الدرس بخطبة الحاجة، ثم بيّن خطة المشروع. وقدّم نصائح لطالب العلم في الإخلاص والعمل بما يتعلم، ثم روى الحديث المسلسل بالأولية. وبعد ذلك عرّف بالإمام مالك وبكتابه وأقسام مروياته، وذكر رواياته المشهورة، وساق إسناده المتصل إلى الإمام مالك، ثم بدأ قراءة أول أبواب «كتاب وقوت الصلاة».

ويخرج المشاهد من هذا الدرس بمعرفة منزلة الموطأ ومنهج الإمام مالك في ترتيب مروياته، وبفهم معنى الإسناد والرواية وقيمة علو السند. ويتعلم كذلك الآداب التي ينبغي أن يتحلى بها من يسمع حديث رسول الله ﷺ.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: الافتتاح وبيان مشروع قراءة الكتب الثمانية

افتتح الشيخ الدرس بخطبة الحاجة التي كان النبي ﷺ يعلّمها أصحابه، وتلا فيها الآيات المعروفة في الأمر بالتقوى. ثم ذكر أن الدرس يُعقد يوم الاثنين السادس من جمادى الآخرة في مسجد الشهداء، وأنه بداية مشروع لقراءة الكتب الثمانية بالترتيب: موطأ الإمام مالك، ثم صحيح البخاري، ثم صحيح مسلم، ثم سنن أبي داود، ثم سنن النسائي، ثم جامع الترمذي، ثم سنن ابن ماجه، ثم المسند العظيم لإمام أهل السنة أحمد بن حنبل رحمهم الله جميعًا.

وأظهر الشيخ تواضعه، فقال إن هذا المقام كان أولى به كبار الشيوخ والعلماء، غير أن سنة رسول الله ﷺ تحتاج إلى من يدرسها ويدرّسها ويبلّغها. ورأى أن تبليغ حديث سيد الخلق ﷺ شرف عظيم وابتلاء، وأن أطيب الحياة أن يعيش المرء مع رسول الله ﷺ، يتلقى عنه ويتأدب بأدبه.

ومما تلاه في خطبة الحاجة قوله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ۝ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 70-71]

واستشهد الشيخ في حديثه عن الابتلاء بقوله تعالى:

﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: 35]

المحور الثاني: وصايا لطالب العلم قبل سماع الحديث

نبّه الشيخ أولًا على أن يكون الطالب مخلصًا لله سبحانه. فالغاية من سماع الحديث أن نتعبد الله بسماع كلام النبي ﷺ، وأن تطيب أفواهنا وآذاننا بأسانيده، لا أن يكون الهمّ تحصيل إجازة في كتاب أو في مئة كتاب. وبيّن أن الإجازة تبع، ولا ينبغي أن تكون هي الأصل ولا الغاية.

ثم نبّه على وجوب العمل بما نتعلمه من سنة النبي ﷺ. ولم يرد الشيخ أن يطيل في هذا الباب، فأحال على كتاب «حلية طالب العلم» للشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد رحمه الله، لما فيه من آداب الطلب.

المحور الثالث: الحديث المسلسل بالأولية

جرت عادة المحدثين أن يكون أول ما يسمعه الطالب من شيخه الحديثَ المسلسل بالأولية، فيقول كل راوٍ: «وهو أول حديث سمعته منه». وقد رواه الشيخ سماعًا من طريقين، وإجازة من طرق كثيرة. وساق الطريق اليمنية عن شيخه القاضي المعمّر محمد بن إسماعيل العمراني، عن عبد الواسع بن يحيى الواسعي، عن ابن عابدين، عن الكزبري، عن ابن عقيلة المكي، عن البنا الدمياطي.

ويمر الإسناد بعد ذلك بشيخ الإسلام زكريا الأنصاري، ثم بالحافظ ابن حجر العسقلاني، ثم بالحافظ العراقي، ثم بابن الجوزي، ثم بغيرهم. وينتهي التسلسل عند سفيان بن عيينة إمام أهل مكة، ثم يرويه سفيان عن عمرو بن دينار، عن أبي قابوس، عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما. ووجّه الشيخ بتصوير ورقة الحديث وتوقيعها لكل الحاضرين، إثباتًا لسماعهم إياه.

ونص الحديث أن النبي ﷺ قال:

«الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ» (أخرجه الإمام أحمد في مسنده، والترمذي في جامعه، وغيرهما)

المحور الرابع: ترجمة الإمام مالك ومنهجه في الموطأ

الإمام مالك هو مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي الحميري، إمام دار الهجرة، وكان حليفًا لبني تيم من قريش. وُلد سنة ثلاث وتسعين، وهي السنة التي توفي فيها الصحابي الجليل أنس بن مالك رضي الله عنه، ولا قرابة بينهما، فأنس أنصاري خزرجي. وتوفي الإمام مالك سنة تسع وسبعين ومئة عن ست وثمانين سنة، رحمه الله.

وقسّم الشيخ مرويات مالك في الموطأ سبعة أقسام:

  1. الأحاديث المسندة المتصلة إلى رسول الله ﷺ.
  2. الأحاديث المرسلة، وهي ما يقول فيه التابعي، كسعيد بن المسيب ومحمد بن سيرين وعلقمة ومسروق: «قال رسول الله ﷺ».
  3. الأحاديث المرفوعة التي في إسنادها انقطاع.
  4. البلاغات، كقوله: «بلغني أن النبي ﷺ قال...».
  5. الأحاديث الموقوفة على الصحابة، ومنها ما له حكم الرفع، كقولهم: «كانوا يقولون كذا» و«كنا نعزل والقرآن ينزل».
  6. أقوال الصحابة وفقهاء التابعين التي يرويها مالك بأسانيده.
  7. استنباطات الإمام مالك وفقهه.

والموطأ من أعلى كتب الدنيا إسنادًا إلى النبي ﷺ. ففي أحاديث كثيرة لا يكون بين مالك والنبي ﷺ إلا راويان، كروايته عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ. ومن قرأ الموطأ جمع بين علو الإسناد وفقه الإمام مالك، وعاش مع إمام دار الهجرة بلا واسطة. ووعد الشيخ بأن يذكر في بعض الدروس فوائد عن أسانيد البخاري ومسلم إلى مالك.

المحور الخامس: روايات الموطأ وإسناد الشيخ وبداية كتاب وقوت الصلاة

ذكر الشيخ أن للموطأ روايات كثيرة، منها: رواية أبي مصعب الزهري، وسويد بن سعيد، وسليمان بن برد، وعبد الرحمن بن القاسم، وعبد الله بن مسلمة القعنبي، وعبد الله بن وهب، وعبد الله بن يوسف التنيسي، ومحمد بن المبارك الصوري، ومصعب بن عبد الله الزبيري، ومطرف بن عبد الله، ومعن بن عيسى القزاز، ويحيى بن بكير. ومنها رواية يحيى بن يحيى النيسابوري، وهو من أكثر شيوخ مسلم رواية عنده. والرواية المعتمدة في هذه الدروس هي رواية يحيى بن يحيى الليثي الأندلسي، وهي أشهر الروايات.

ثم ذكر الشيخ أنه يروي الموطأ عن جمع من شيوخه، منهم: رفعت بن فوزي عبد المطلب، ومحمد بن إسماعيل العمراني، ومقبل بن هادي الوادعي، وعبد الوكيل بن عبد الحق الهاشمي، وزهير الشاويش، ومحمد تقي العثماني، وعبد الملك بن دهيش. وساق أعلى أسانيده إلى عبيد الله بن يحيى عن أبيه يحيى بن يحيى عن مالك. ونبّه على أن يحيى سمع الموطأ من مالك إلا أبوابًا من آخر كتاب الاعتكاف، شكّ في سماعها فرواها عن زياد بن عبد الرحمن عن مالك. وبيّن أن بين الشيخ والإمام مالك في هذه الرواية ثمانية عشر راويًا، وأنهم ثلاثة عشر في رواية أبي مصعب الزهري، وهذا غاية في العلو.

ثم بدأ الشيخ قراءة «كتاب وقوت الصلاة» من نسخة من نسخ الغرب الإسلامي، وقال إنها من أدق النسخ. وأول ما قرأه حديث ابن شهاب الزهري أن الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز أخّر الصلاة يومًا. وعرّف الشيخ بعمر بن عبد العزيز، فذكر أنه توفي سنة إحدى ومئة عن أربعين سنة، وأنه معدود في مجددي الدين. وبيّن أن التأخير المقصود كان تأخيرًا عن أول الوقت، لا إخراجًا للصلاة عن وقتها، وكان ذلك من عادة بني أمية. وعرّف كذلك بعروة بن الزبير، وأمه أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما، وبالمغيرة بن شعبة، أحد دهاة العرب رضي الله عنه.

«أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَخَّرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا، فَدَخَلَ عَلَيْهِ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ أَخَّرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا...» (الموطأ، كتاب وقوت الصلاة)

النقاط الرئيسية

  • الدرس بداية لمشروع قراءة الكتب الثمانية بالأسانيد المتصلة، أولها الموطأ وآخرها مسند الإمام أحمد.
  • الإخلاص أساس طلب الحديث، والإجازة تبع لا غاية، والمقصود العمل بالسنة.
  • جرت عادة المحدثين أن يُفتتح السماع بالحديث المسلسل بالأولية: «الراحمون يرحمهم الرحمن».
  • الإمام مالك إمام دار الهجرة، وُلد سنة 93هـ وتوفي سنة 179هـ، ولا قرابة بينه وبين الصحابي أنس بن مالك.
  • تنقسم مرويات الموطأ سبعة أقسام، من المسند المتصل إلى استنباطات الإمام مالك الفقهية.
  • للموطأ روايات كثيرة، أشهرها رواية يحيى بن يحيى الليثي الأندلسي، وهي المعتمدة في هذه الدروس.
  • الموطأ من أعلى الكتب إسنادًا، فكثيرًا ما لا يكون بين مالك والنبي ﷺ إلا راويان.

الفوائد والعبر

  • أن يجدد طالب العلم نيته قبل كل مجلس، فيكون مقصده التعبد لله وخدمة سنة نبيه ﷺ، لا تحصيل الإجازات والألقاب.
  • أن تكون الرحمة بالخلق خلقًا عمليًا يرجو به المسلم رحمة الله، كما في أول حديث يسمعه الطالب.
  • أن يُعرف قدر الإسناد، فهو من خصائص هذه الأمة، وبه حُفظت السنة النبوية من التحريف.
  • أن يتأدب الطالب بأدب التواضع الذي ظهر في كلام الشيخ، وأن يرى تبليغ العلم شرفًا وابتلاءً معًا.
  • أن يحرص المسلم على أداء الصلاة في أول وقتها، اقتداءً بالسنة التي ذكّر بها عروة بن الزبير عمر بن عبد العزيز.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات