قراءة وتعليق على كتاب" الموطأ "للإمام مالك بن أنس / الدرس (4) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

3,760 مشاهدة
102 مشاركة
منذ 5 سنوات

المقدمة

هذا هو الدرس الرابع من سلسلة قراءة كتاب «الموطأ» للإمام أبي عبد الله مالك بن أنس الأصبحي المدني رحمه الله والتعليق عليه، ويقدّمه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. والموطأ من أجلّ دواوين السنة وأقدمها، جمع فيه إمام دار الهجرة الأحاديث المرفوعة والآثار الموقوفة عن الصحابة والتابعين، وضمّ إليها ما عليه عمل أهل المدينة. وقد افتُتح الدرس بخطبة الحاجة والدعاء بالعلم النافع والعمل الصالح والثبات على السنة.

ويتناول الدرس جملة من أبواب الصلاة: باب إتمام المصلي ما ذكر إذا شك في صلاته، وباب من قام بعد الإتمام أو في الركعتين، وباب النظر في الصلاة إلى ما يشغلك عنها، وباب العمل في السهو. ثم ينتقل إلى أحكام يوم الجمعة، فيشرح باب العمل في غسل يوم الجمعة، وباب ما جاء في الإنصات يوم الجمعة والإمام يخطب.

ويهدف الدرس إلى تعريف المسلم بأحكام سجود السهو ومواضعه، وبطريقة التعامل مع الشك والوسوسة في الصلاة، وبأهمية الخشوع والبعد عن الشواغل. كما يبيّن حكم غسل الجمعة بدليله، وفضل التبكير إليها، ووجوب الإنصات للخطبة، مع وقفات منهجية في فهم الخلاف الفقهي والترجيح بين الأقوال.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: الشك في الصلاة وأحكام سجود السهو

أورد الإمام مالك حديث عطاء بن يسار مرسلًا، وقد وصله غيره من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. ويبيّن الحديث أن من شك في عدد ما صلّى بنى على اليقين وهو الأقل، ثم أتمّ صلاته وسجد للسهو. وأورد كذلك أثر عبد الله بن عمر رضي الله عنهما في التوخي، أي التحري، فيصلي المصلي ما يغلب على ظنه أنه فاته، ثم يسجد سجدتي السهو وهو جالس. وهو ما أفتى به عبد الله بن عمرو بن العاص وكعب الأحبار أيضًا.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى أَثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا، فَلْيُصَلِّ رَكْعَةً، وَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ قَبْلَ التَّسْلِيمِ، فَإِنْ كَانَتِ الرَّكْعَةُ الَّتِي صَلَّى خَامِسَةً شَفَعَهَا بِهَاتَيْنِ السَّجْدَتَيْنِ، وَإِنْ كَانَتْ رَابِعَةً فَالسَّجْدَتَانِ تَرْغِيمٌ لِلشَّيْطَانِ».

وفي حديث عبد الله ابن بُحَينة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قام من ركعتين ولم يجلس للتشهد الأول، فقام الناس معه، ثم سجد للسهو قبل التسليم: «صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَامَ فَلَمْ يَجْلِسْ، فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ وَنَظَرْنَا تَسْلِيمَهُ كَبَّرَ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ قَبْلَ التَّسْلِيمِ، ثُمَّ سَلَّمَ». ومعنى «نظرنا» انتظرنا.

ونقل الشيخ قول الإمام مالك فيمن قام إلى خامسة ثم تذكّر بعد الركوع أنه قد أتمّ: يرجع فيجلس، لأن الزيادة المتعمدة تبطل الصلاة، ولو سجد إحدى السجدتين فلا يأتي بالأخرى، ثم يسجد للسهو بعد التسليم. وقرّر الشيخ القاعدة في ذلك: إن كان السهو بالنقص فالأفضل أن يكون السجود قبل التسليم، وإن كان بالزيادة فالأفضل بعده، والكل جائز، وإنما الكلام في الأفضل.

المحور الثاني: النظر في الصلاة إلى ما يشغل عنها

بيّن الشيخ أن انشغال القلب في الصلاة بزخرفة المسجد أو بثوب مزركش أمام المصلي، أو بالتفكير في أمور الدنيا، لا يبطل الصلاة ما لم يخرج المصلي منها بالكلية، لكنه ينقص من أجرها. ثم أورد حديث عائشة رضي الله عنها في الخميصة الشامية ذات الأعلام، أي الخطوط، التي أهداها أبو جَهْم بن حذيفة للنبي صلى الله عليه وسلم. وأبو جهم بالميم صحابي، ولا يُخلط بأبي جهل عدو الله.

قال صلى الله عليه وسلم: «رُدُّوا هَذِهِ الْخَمِيصَةَ إِلَى أَبِي جَهْمٍ، فَإِنِّي نَظَرْتُ إِلَى عَلَمِهَا فِي الصَّلَاةِ فَكَادَ يَفْتِنُنِي». وأخذ النبي صلى الله عليه وسلم بدلها أنبجانية، وهي ثوب غير معلَّم. وفي الحديث جواز استبدال الهدية بغيرها مع مُهديها.

وأورد قصة أبي طلحة الأنصاري رضي الله عنه حين كان يصلي في بستانه، فطار طائر يشبه اليمام يلتمس مخرجًا، فتبعه ببصره ساعة، فلم يدرِ كم صلّى. فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، هُوَ صَدَقَةٌ لِلَّهِ، فَضَعْهُ حَيْثُ شِئْتَ». ووقع مثل ذلك لرجل من الأنصار في زمن عثمان رضي الله عنه في حائط له بالقُفّ، فتصدّق به، فباعه عثمان بخمسين ألفًا، فسُمّي ذلك المال «الخمسين».

ونبّه الشيخ إلى أن الفتنة هنا ليست فتنة في الدين، وضرب لذلك مثلًا: الثوب الأبيض تظهر فيه الشعرة السوداء إذا سقطت عليه، فقد كانت قلوب الصحابة في غاية النقاء والصفاء. وفي القصة دليل على أن كبار الصالحين قد يقع منهم الخطأ، وأن المعصوم هو النبي صلى الله عليه وسلم وحده. لكن الشيخ فرّق بين الأخطاء العارضة والأخطاء المنهجية المخالفة للسنة ومنهج السلف، فالرجل الذي كان يُجلد في الخمر قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم إنه يحب الله ورسوله، أما الخوارج مع مبالغتهم في العبادة فهم كلاب أهل النار.

المحور الثالث: وسوسة الشيطان في الصلاة وعلاجها

أورد الإمام مالك في باب العمل في السهو حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ يُصَلِّي جَاءَهُ الشَّيْطَانُ فَلَبَسَ عَلَيْهِ حَتَّى لَا يَدْرِيَ كَمْ صَلَّى، فَإِذَا وَجَدَ ذَلِكَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ». وأشار الشيخ إلى بلاغات الموطأ الأربعة التي لم توصل، وذكر رسالة الشيخ عبد الله بن الصديق الغماري في وصلها.

ثم ذكر جواب القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق لرجل شكا إليه كثرة الوهم في صلاته: «امْضِ فِي صَلَاتِكَ، فَإِنَّهُ لَنْ يَذْهَبَ عَنْكَ حَتَّى تَنْصَرِفَ وَأَنْتَ تَقُولُ: مَا أَتْمَمْتُ صَلَاتِي». وبيّن الشيخ أن المصلي في جهاد وصراع مع الشيطان، فلا يجعل نفسه ألعوبة بيده، ولا يلتفت إلى وساوسه، وهذا علاج من يشعر بعد خروجه من الصلاة أنه لم يصلِّ.

المحور الرابع: غسل يوم الجمعة وفضل التبكير إليها

شرح الشيخ حديث أبي هريرة رضي الله عنه في فضل التبكير: «مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ ثُمَّ رَاحَ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ حَضَرَتِ الْمَلَائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ». ومعنى «غسل الجنابة» أن يكون كغسل الجنابة في صفته، فلا يُحرم من هذا الأجر الشاب غير المتزوج. وذكر الشيخ تقسيم اليوم إلى أربع وعشرين ساعة متساوية، وقرّب مواقيت هذه الساعات إلى أذهان الحاضرين.

ورجّح الشيخ وجوب غسل الجمعة على من يشهدها من الرجال والنساء، استدلالًا بقوله صلى الله عليه وسلم: «غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ»، وقوله: «إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ». واستند كذلك إلى أن الأصل في الأمر الوجوب ما لم تصرفه قرينة، وإلى إنكار عمر رضي الله عنه على عثمان رضي الله عنه وهو على المنبر حين اقتصر على الوضوء: «وَالْوُضُوءَ أَيْضًا! وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَأْمُرُ بِالْغُسْلِ»، إذ لم يكن عمر لينكر على عثمان في أمر مستحب.

وأجاب الشيخ عن الاستدلال بحديث «مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ، وَمَنِ اغْتَسَلَ فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ» بأن النافلة لا تكون أفضل من الفرض. ونبّه إلى أن الغسل واجب وليس شرطًا في صحة الصلاة، فلا تبطل الجمعة بتركه. ونقل مذهب الإمام مالك في أن الغسل يكون متصلًا بالرواح إلى الجمعة، فلا يجزئ غسل أول النهار عنده، ومن اغتسل ثم انتقض وضوؤه فليس عليه إلا الوضوء.

وفي وقفة منهجية بيّن الشيخ أن قول العالم «الصحيح كذا» إقرار بوجود خلاف في المسألة، وأن الترجيح يكون باتباع الأدلة الشرعية والقواعد المرعية لا بالهوى. وذكر أنه قد يتمنى أحيانًا لو كان يرى الاستحباب، لكن الدليل هو الحاكم.

المحور الخامس: الإنصات يوم الجمعة والإمام يخطب

أورد الإمام مالك بإسناد من أصح الأسانيد، أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ: أَنْصِتْ، وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَقَدْ لَغَوْتَ». فوقت الخطبة وقت عبودية لله، لا يُلتفت فيه إلى شيء سوى الاستماع.

وفي أثر ثعلبة بن أبي مالك القرظي أنهم كانوا في زمن عمر رضي الله عنه يصلّون النوافل حتى يخرج عمر، فإذا جلس على المنبر وأذّن المؤذنون جلسوا يتحدثون، فإذا سكت المؤذنون وقام عمر يخطب أنصتوا فلم يتكلم منهم أحد. قال ابن شهاب: «فَخُرُوجُ الْإِمَامِ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ، وَكَلَامُهُ يَقْطَعُ الْكَلَامَ». فلا حرج في الكلام وقت الأذان قبل الخطبة، فإذا بدأ الإمام يخطب وجب الإنصات.

النقاط الرئيسية

  • من شك في عدد ركعات صلاته بنى على اليقين أو تحرّى، ثم أتمّ صلاته وسجد سجدتي السهو، وهما ترغيم للشيطان.
  • سجود السهو للنقص الأفضل أن يكون قبل التسليم، وللزيادة بعده، والأمران جائزان.
  • من قام إلى ركعة زائدة ثم تذكّر رجع فورًا وجلس، ثم سجد للسهو بعد التسليم.
  • الانشغال في الصلاة بالمناظر والأفكار لا يبطلها، لكنه ينقص أجرها، وقد أزال النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة كل ما يشغلهم عنها.
  • علاج الوسوسة في الصلاة الإعراض عنها وعدم الاسترسال معها، كما أرشد القاسم بن محمد.
  • رجّح الشيخ وجوب غسل الجمعة على من يشهدها، دون أن يكون شرطًا لصحة الصلاة، مع فضل التبكير إليها.
  • يجب الإنصات أثناء خطبة الجمعة، ومن قال لصاحبه «أنصت» فقد لغا، أما الكلام قبل الخطبة وقت الأذان فلا حرج فيه.

الفوائد والعبر

  • أن يحرص المصلي على تعلّم أحكام السهو ليصحّح صلاته بنفسه عند الخطأ دون حرج أو تردد.
  • أن يُبعد المصلي عن موضع صلاته كل ما يشغله من زخارف وألوان وأجهزة، اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم في رد الخميصة.
  • أن يواجه وساوس الشيطان بالحزم وعدم الالتفات، فلا يعيد صلاته استجابة لها ولا يجعل نفسه ألعوبة بيده.
  • أن يبادر إلى الغسل والتبكير إلى صلاة الجمعة ليحوز أعلى درجات الأجر، ويُنصت للخطبة إنصات المتعبّد.
  • أن يتأدّب طالب العلم بأدب الخلاف، فيتبع الدليل في الترجيح، ويفرّق بين الخطأ العارض والانحراف المنهجي عن السنة.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات