خطبة جمعة بعنوان:【الحياة مع القرآن الكريم من أعظم أسباب السعادة】 لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي.
المقدمة
في هذه الخطبة يتناول فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري -حفظه الله- موضوعًا يمسّ قلب كل مسلم، وهو أن الحياة مع القرآن الكريم من أعظم أسباب السعادة. فكل إنسان يطلب السعادة ويبحث عنها، ويظنها كثير من الناس في المال أو المنصب أو الجاه. والحقيقة أن السعادة الحقيقية في العيش مع كتاب الله تعالى: تلاوةً وتدبرًا وتعلمًا وتعليمًا وعملًا. فالقرآن هدى ونور وشفاء ورحمة وبركة، ومن عاش في ظلاله ذاق طعم الحياة الطيبة.
يفتتح الشيخ خطبته بتذكير العباد بالوقوف بين يدي الله تعالى والحساب على الأعمال صغيرها وكبيرها. ثم ينتقل إلى بيان منزلة القرآن وأوصافه، ويحث على تدبره. ويسوق الأحاديث الصحيحة في فضل تعلمه وتعليمه، وفضل مجالسه في بيوت الله، ورفعة أهله في الدنيا والآخرة، مع قصص من سير السلف تبين كيف رفع الله أقوامًا بالقرآن والعلم.
أهداف التعلم: أن يدرك المشاهد أن القرآن مصدر السعادة والطمأنينة، وأن يعرف فضائل تلاوته وتعلمه وتدبره، وأن يحرص على مجالس القرآن في المساجد، وأن يجعل لنفسه نصيبًا يوميًا من كتاب الله يرتقي به في الدنيا والآخرة.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: الاستعداد للقاء الله ومحاسبة النفس
يبدأ الشيخ بخطبة الحاجة، ثم يذكّر بأن كل إنسان سيقف بين يدي رب العالمين، فيقرره بأعماله ويحاسبه ويجازيه. فمن أحسن جوزي بالإحسان، ومن أساء جوزي بالإساءة، ولا تخفى على الله خافية، ويُحاسَب العبد على مثقال الذرة من خير أو شر.
ويدعو الشيخ إلى محاسبة النفس والنظر فيما قدمته لغدها، ويحذر من نسيان الله الذي يؤدي إلى نسيان النفس. ثم يبين عظمة القرآن الذي لو أنزل على جبل لرأيته خاشعًا متصدعًا من خشية الله، فكيف لا تخشع له القلوب؟
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۚ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ لَوْ أَنزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: 18-21].
وقال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة: 18]، وقال سبحانه: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7-8].
المحور الثاني: القرآن هدى وشفاء ورحمة وسبيل السعادة
يقرر الشيخ أن الحياة مع القرآن هي حياة السعادة والنعيم. فالقرآن كلام الله، وفضله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه. وهو كتاب الهداية والرحمة والبركة، والنور الذي يخرج الله به من اتبع رضوانه من الظلمات إلى النور، ويهدي للتي هي أقوم، ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات.
ويبين الشيخ أن القرآن شفاء لأمراض القلوب من الشبهات والشهوات، وشفاء للأبدان كذلك. فمن عاش معه وجد الطمأنينة وانشراح الصدر، ومن أعرض عنه لم يزدد إلا خسارًا.
قال تعالى: ﴿الم ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [البقرة: 1-3].
وقال سبحانه: ﴿قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ﴾ [المائدة: 15-16].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: 9].
وقال سبحانه: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ۙ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء: 82].
المحور الثالث: تدبر القرآن وأثره في القلوب
يؤكد الشيخ أن القرآن عجيب لمن تدبره، وأن الله أمرنا بالتدبر لا بمجرد التلاوة. فالتدبر هو الذي يفتح القلوب المغلقة، حتى إن الكافر إذا سمعه بقلب حاضر تأثر به وأسلم.
ويستشهد الشيخ بقصة جبير بن مطعم رضي الله عنه، وقد جاء إلى المدينة في فداء أسرى بدر وهو مشرك. فسمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في صلاة المغرب بسورة الطور، فلما بلغ قوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ قال: «كاد قلبي أن يطير»، وكان ذلك أول ما وقر الإيمان في قلبه. والحديث في الصحيحين.
ويدعو الشيخ إلى أن يقرأ المسلم القرآن بقلب حاضر وسمع مُلقًى، مستحضرًا أن المتكلم به هو رب العالمين.
قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 82].
وقال سبحانه: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: 24].
وقال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۚ بَل لَّا يُوقِنُونَ﴾ [الطور: 35-36].
وقال سبحانه: ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: 37].
المحور الرابع: فضل تعلم القرآن وتعليمه ومجالسه في بيوت الله
يبين الشيخ أن الخيرية الحقيقية في تعلم القرآن وتعليمه. ويشمل التعلم قراءته وتجويده وترتيله، ومعرفة أحكامه ومعانيه وتفسيره. وخير الناس من جمع بين الأمرين: تعلّمه في نفسه وعلّمه لغيره.
ويذكر الشيخ فضل مجالس القرآن في المساجد. فأهلها تنزل عليهم السكينة، وتغشاهم الرحمة، وتحفهم الملائكة، ويذكرهم الله فيمن عنده. ويحذر في المقابل من منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه.
ويبين أن أجر القارئ ثابت على كل حال: فالماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يتتعتع فيه ويشق عليه له أجران. وفي هذا تشجيع لكل مسلم على القراءة مهما كان مستواه.
ويضرب النبي صلى الله عليه وسلم المثل بالنوق العظام ليبين أن تعلم آيتين أو قراءتهما خير من متاع الدنيا الزائل.
عن عثمان بن عفان رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ» [رواه البخاري].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ، يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ، إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ، وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ» [رواه مسلم].
وعن عائشة رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الْمَاهِرُ بِالْقُرْآنِ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ، وَالَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَتَتَعْتَعُ فِيهِ وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ لَهُ أَجْرَانِ» [متفق عليه].
وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أَفَلَا يَغْدُو أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ فَيَعْلَمُ أَوْ يَقْرَأُ آيَتَيْنِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ خَيْرٌ لَهُ مِنْ نَاقَتَيْنِ، وَثَلَاثٌ خَيْرٌ لَهُ مِنْ ثَلَاثٍ، وَأَرْبَعٌ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَرْبَعٍ، وَمِنْ أَعْدَادِهِنَّ مِنَ الْإِبِلِ» [رواه مسلم].
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَا ۚ ... لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: 114].
المحور الخامس: القرآن رفعة لأهله في الدنيا وشفيع لهم في الآخرة
يبين الشيخ أن من أراد الرفعة في الدنيا والآخرة فعليه بالقرآن. ويستدل بقصة عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين لقي نافع بن عبد الحارث، وكان عامله على مكة. فسأله عمن استخلف على أهل الوادي، فقال: ابن أبزى، مولى من موالينا. فقال عمر: استخلفتَ عليهم مولى؟! فقال: إنه قارئ لكتاب الله، عالم بالفرائض. فقال عمر: أما إن نبيكم صلى الله عليه وسلم قد قال: «إِنَّ اللَّهَ يَرْفَعُ بِهَذَا الْكِتَابِ أَقْوَامًا وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ» [رواه مسلم].
ويذكر الشيخ من أخبار السلف قصة الإمام الأعمش رحمه الله مع الأمير عيسى بن موسى العباسي، ولي عهد المنصور. وفيها أن الأمير طلب من الأعمش أن يكتب له شيئًا من الحديث، فرد عليه الأعمش بعزة العالم. وفي القصة بيان أن الله أعزّ أهل العلم والقرآن، فخضع لهم الملوك والأمراء مع فقرهم وضعف حالهم.
ويختم الشيخ ببيان أن القرآن يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه. وأن صاحب القرآن يقال له: اقرأ وارتق، فمنزلته في الجنة عند آخر آية يقرؤها. وأن سورتي البقرة وآل عمران تحاجّان عن أصحابهما يوم القيامة. ثم يذكّر بأن الملك بيد الله، يعز من يشاء ويذل من يشاء.
عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يُقَالُ لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ: اقْرَأْ وَارْتَقِ، وَرَتِّلْ كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّ مَنْزِلَكَ عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَقْرَؤُهَا» [رواه أبو داود والترمذي].
وعن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اقْرَءُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لِأَصْحَابِهِ، اقْرَءُوا الزَّهْرَاوَيْنِ: الْبَقَرَةَ وَسُورَةَ آلِ عِمْرَانَ، فَإِنَّهُمَا تَأْتِيَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ، أَوْ كَأَنَّهُمَا غَيَايَتَانِ، أَوْ كَأَنَّهُمَا فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ، تُحَاجَّانِ عَنْ أَصْحَابِهِمَا، اقْرَءُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ، فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ، وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ، وَلَا تَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ» [رواه مسلم].
وقال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ ۖ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: 26].
النقاط الرئيسية
- كل إنسان سيقف بين يدي الله ويحاسب على مثقال الذرة، فليحاسب نفسه ولينظر ما قدّم لغد.
- السعادة الحقيقية في الحياة مع القرآن: تلاوةً وتدبرًا وعملًا، فهو هدى ونور وشفاء ورحمة.
- التدبر مفتاح القلوب، وقد أسلم جبير بن مطعم رضي الله عنه حين سمع سورة الطور بقلب حاضر.
- خير الناس من تعلم القرآن وعلّمه، والتعلم يشمل القراءة والتجويد والأحكام والتفسير.
- مجالس القرآن في المساجد تنزل فيها السكينة وتغشاها الرحمة وتحفها الملائكة ويذكر الله أهلها فيمن عنده.
- الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران.
- القرآن يرفع أقوامًا ويضع آخرين، وهو شفيع لأصحابه يوم القيامة، ومنزلة صاحبه في الجنة عند آخر آية يقرؤها.
الفوائد والعبر
- اجعل لنفسك وِردًا يوميًا ثابتًا من القرآن ولو كان قليلًا، فقراءة آيات منه خير من متاع الدنيا كله.
- احرص على حضور حلقات القرآن ومجالس التفسير في المساجد لتنال السكينة والرحمة وصحبة الملائكة.
- لا تمنعك صعوبة القراءة من التلاوة، فلك بمشقتك أجران، واستعن بمعلم يصحح لك تلاوتك.
- اقرأ بتدبر وحضور قلب، واجعل القرآن علاجًا لهمومك وأمراض قلبك قبل أن تطلب الشفاء في غيره.
- اطلب العزة والرفعة بالقرآن والعلم لا بالمال والنسب، وحافظ على سورتي البقرة وآل عمران لتكونا حجة لك يوم القيامة.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات