خطبة جمعة بعنوان --- : " من أسباب المغفرة " لفضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري.

4,453 مشاهدة
224 مشاركة
منذ 6 سنوات

المقدمة

هذه خطبة جمعة بعنوان «من أسباب المغفرة» لفضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري، وهي من «سلسلة خطب الجمعة 2». يتناول فيها الشيخ أمرًا يحتاجه كل مسلم، وهو مغفرة الذنوب. فالعبد يخطئ في ليله ونهاره، ولا غنى له عن عفو ربه ومغفرته. لذلك كان من المهم أن يعرف الأسباب التي يُغفر بها الذنب، والأسباب التي تمنع المغفرة.

يبدأ الشيخ بالأمر بتقوى الله ومحاسبة النفس. ثم يذكّر المصلين بكثرة الذنوب التي يقع فيها الإنسان كل يوم من غير أن يشعر. بعد ذلك يبيّن سعة رحمة الله تعالى وأن باب الاستغفار مفتوح. ثم يقف عند أعظم أسباب المغفرة، وهو توحيد الله تعالى وإخلاص العبادة له، ويحذّر من الشرك لأنه الذنب الذي لا يغفره الله لمن مات عليه.

والهدف من الخطبة أن يعرف المسلم قدر حاجته إلى المغفرة، وأن يعرف أن التوحيد أصل كل خير وسبب للنجاة. ويتعلم كذلك أن التوحيد ليس كلمة تقال باللسان فقط، بل يدخل فيه عمل القلب من خوف وتوكل ورجاء، ويدخل فيه أن يكون التحليل والتحريم لله وحده.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: تقوى الله ومحاسبة النفس

افتتح الشيخ خطبته بالأمر بتقوى الله، فهي وصية الله للأولين والآخرين. وبيّن أن التقوى تقتضي أن يحاسب العبد نفسه، فينظر فيما قدّمه ليوم القيامة قبل أن يقف بين يدي ربه.

وحذّر من الغفلة عن الله، فمن نسي ربه عاقبه الله بأن أنساه نفسه، فلا يعمل لنجاتها ولا يسعى في إصلاحها. وذكّر بأن أصحاب الجنة وأصحاب النار لا يستوون أبدًا.

قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ۝ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ۝ لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [الحشر: 18-20].

المحور الثاني: كثرة ذنوب العبد وحاجته الدائمة إلى المغفرة

ذكر الشيخ قصة الصحابة رضي الله عنهم لما نزل قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: 284]. اشتد ذلك عليهم، فجاؤوا إلى رسول الله ﷺ وقالوا: إن هذه الآية لا نطيقها. فقال لهم النبي ﷺ: «أَتُرِيدُونَ أَنْ تَقُولُوا كَمَا قَالَ أَهْلُ الْكِتَابَيْنِ مِنْ قَبْلِكُمْ: سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا؟ بَلْ قُولُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ» [رواه مسلم].

فلما قالوها وذلّت بها ألسنتهم، أنزل الله التخفيف: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: 286]. وجاء في صحيح مسلم أن الله تعالى قال عند كل دعوة منها: «نَعَمْ».

ثم دعا الشيخ المصلين إلى أن يتأملوا عدد ذنوبهم. فلو أخطأ الإنسان كل يوم بضع خطايا، من نظرة إلى حرام، أو سماع لما لا يرضي الله، أو كلمة تؤذي المسلمين، أو سكوت عن حق، ثم ضُرب ذلك في أيام السنة وفي سنوات العمر، لبلغت ذنوبه الآلاف. وهذا يبيّن شدة حاجة العبد إلى ستر الله وعفوه.

وفي الحديث القدسي يقول الله تعالى: «يَا عِبَادِي، إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا... يَا عِبَادِي، إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ» [رواه مسلم].

المحور الثالث: سعة رحمة الله وفتحه أبواب المغفرة

بيّن الشيخ أن الله تعالى رحيم بعباده، وأنه يدعوهم كل ليلة إلى سؤاله واستغفاره والتوبة إليه. وهذا من كرمه سبحانه، إذ لم يجعل للمغفرة وقتًا واحدًا محدودًا، بل فتح أبوابها في كل ليلة.

قال رسول الله ﷺ: «يَنْزِلُ اللَّهُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا كُلَّ لَيْلَةٍ حِينَ يَمْضِي ثُلُثُ اللَّيْلِ الْأَوَّلُ فَيَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَنَا الْمَلِكُ، مَنْ ذَا الَّذِي يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ ذَا الَّذِي يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟ فَلَا يَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يُضِيءَ الْفَجْرُ» [رواه مسلم].

ثم ذكر الشيخ أن لهذه المغفرة أسبابًا من أخذ بها نالها، وأن من الذنوب ما لا يغفره الله إن لم يتب منه صاحبه. لذلك ينبغي للمسلم أن يعرف هذه الأسباب ويحرص عليها.

المحور الرابع: التوحيد أعظم أسباب المغفرة، والشرك مانع منها

قرّر الشيخ أن أول أسباب المغفرة وأعظمها هو توحيد الله تعالى. فهو حق الله على العباد، وهو أول ما يُدعى إليه الناس. فعن معاذ بن جبل رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «يَا مُعَاذُ، أَتَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ؟... حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَحَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَلَّا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا» [متفق عليه].

ولما بعث النبي ﷺ معاذًا إلى اليمن قال له: «إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» [متفق عليه]. فالتوحيد يأتي قبل الصلاة والزكاة وسائر الشرائع، ولا يُقبل عمل بدونه.

وحذّر الشيخ من الشرك لأنه الذنب الذي لا يُغفر لمن مات عليه. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: 48]. وقال سبحانه: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [المائدة: 72].

وبيّن أن الشرك يُحبط العمل الذي يدخله. ففي الحديث القدسي: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» [رواه مسلم].

المحور الخامس: من صور التوحيد: تعلّق القلب بالله، وإفراده بالتحليل والتحريم

نبّه الشيخ إلى أن التوحيد يدخل فيه عمل القلب. فمن أعظم أسباب المغفرة أن يتعلّق القلب بالخالق لا بالمخلوق، وأن يكون الخوف والرجاء والتوكل على الله الحي الذي لا يموت. ولا يصح أن يخاف العبد من المخلوق خوفًا يقدّمه على خوفه من الله، فيترك لأجله طاعة أو يرتكب معصية. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ إلى قوله: ﴿لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال: 2-4].

ومن التوحيد أيضًا أن يكون التحليل والتحريم لله وحده. فقد قال الله عن أهل الكتاب: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 31]. وقد فسّر النبي ﷺ هذه الآية لعدي بن حاتم رضي الله عنه، فقال: «أَلَيْسَ يُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فَتُحَرِّمُونَهُ، وَيُحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَتَسْتَحِلُّونَهُ؟» قال: بلى. قال: «فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ» [رواه الترمذي وحسّنه بعض أهل العلم].

وضرب الشيخ لذلك مثلًا: لو جاء أحد اليوم فأباح الزنا أو الرشوة، أو أسقط الصلوات الخمس، لعرف المسلم بفطرته أن هذا باطل، ولم يجز له أن يتبعه. ومن أطاع أحدًا في تحليل ما حرّم الله أو تحريم ما أحلّ الله فقد اتخذه ربًّا من دون الله.

النقاط الرئيسية

  • تقوى الله ومحاسبة النفس أول طريق النجاة، والغفلة عن الله تجعل العبد ينسى مصلحة نفسه.
  • ذنوب العبد كثيرة، ولو أحصاها لبلغت الآلاف، فهو محتاج إلى المغفرة في كل وقت.
  • قال الصحابة: «سمعنا وأطعنا»، فخفّف الله عنهم، وهذا يبيّن أن التسليم لأمر الله سبب للرحمة والتخفيف.
  • رحمة الله واسعة، وهو ينزل كل ليلة فيقول: هل من مستغفر فأغفر له؟
  • التوحيد أعظم أسباب المغفرة، وهو حق الله على العباد وأول ما يُدعى إليه الناس.
  • الشرك لا يُغفر لمن مات عليه، ويُحبط العمل الذي يدخله.
  • التوحيد يشمل عمل القلب من خوف وتوكل ورجاء، ويشمل إفراد الله بالتحليل والتحريم.

الفوائد والعبر

  • أن يحاسب المسلم نفسه كل يوم على ما يقع فيه من نظر أو سماع أو كلام، ثم يتبع ذلك بالاستغفار والتوبة.
  • أن يغتنم الثلث الأخير من الليل في الدعاء والاستغفار، فهو وقت نزول الرب سبحانه ووعده بالمغفرة.
  • أن يتعلّم التوحيد ويتعاهد إخلاصه، ويخلّص أعماله من الرياء، لأن الله لا يقبل عملًا أُشرك فيه معه غيره.
  • أن يعلّق قلبه بالله وحده خوفًا ورجاءً وتوكلًا، ولا يقدّم خوف الناس على خوف الله.
  • أن يعظّم شرع الله، ولا يطيع أحدًا في تحليل حرام أو تحريم حلال، وأن يقابل أوامر الله بقول: «سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا».
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات