خطبة جمعة بعنوان --- :【ذكر الله من أسباب سعادة العبد】لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
في هذه الخطبة يتكلم فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري عن ذكر الله تعالى، وهو من أعظم أسباب سعادة العبد في الدنيا والآخرة. والخطبة جزء من سلسلة يشرح فيها الشيخ أسباب السعادة الحقيقية. بدأها بالوصية بتقوى الله، وذكّر بأن الدنيا دار فناء وأن الآخرة دار بقاء، ثم بيّن أن الذكر هو ما تطمئن به القلوب وتنشرح به الصدور، في زمن كثرت فيه الهموم والأحزان والنكبات.
وتعرض الخطبة الموضوع من جهتين: جهة الذاكرين وما أعدّ الله لهم من مغفرة وأجر عظيم وطمأنينة وسبق، وجهة المعرضين عن ذكر الله وما ينتظرهم من معيشة ضنك وتسلّط للشياطين وخسارة في الدنيا والآخرة. ثم تبيّن الخطبة أن الذكر يصحب المسلم في كل أحواله، حتى في أدق تفاصيل حياته اليومية.
وأهداف هذا الدرس أن يعرف المشاهد أثر الذكر في انشراح الصدر وطمأنينة القلب، وأن يدرك عِظم أجر الأذكار مع خفّتها على اللسان، وأن يحذر من الغفلة وأسبابها، وأن يتعلّم كيف يجمع بين السعي في الدنيا وعدم الانشغال بها عن ذكر الله.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: الذكر سبب لطمأنينة القلب وانشراح الصدر
يقرر الشيخ أن ذكر الله من أعظم أسباب السعادة، ويستشهد بقوله تعالى:
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]
وينقل كلام الإمام ابن القيم رحمه الله: «وللذِّكر تأثيرٌ عجيبٌ في انشراح الصدر ونعيم القلب، وللغفلة تأثيرٌ عجيبٌ في ضيقه وحبسه وعذابه». ويبيّن أن العبد إذا جلس يسبّح ربه ويذكره وجد انشراحًا في صدره وطمأنينة في قلبه وراحة في بدنه، لأنه مع الله. أما من انحرفوا عن منهج الله من أهل الدنيا، فهم في ضيق وذلّ وحيرة وهمّ، وإن ظنّ الناس أنهم في نعيم.
ومن أوضح الأدلة على أثر الذكر في تفريج الهموم دعاء الكرب، وهو في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ كان يقول عند الكرب:
«لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَرَبُّ الْأَرْضِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ»
المحور الثاني: كثرة الذكر صفة المؤمنين في كل أحوالهم
يبيّن الشيخ أن الله أمر المؤمنين بذكره في كل المواطن، حتى في أشدها، وهو مواجهة الأعداء في القتال:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: 45]
ومن أحبّ شيئًا أكثر من ذكره. ويضرب الشيخ مثلًا بالشاعر الجاهلي عنترة، الذي كان يذكر محبوبته وهو في وسط المعركة والرماح والسيوف حوله. فإذا كان هذا حال المخلوق مع محبوبه، فالمؤمن أولى بأن يذكر ربّه رب العالمين في كل حال.
ثم يقارن بين المؤمنين وبين المشركين الذين لا يذكرون الله إلا في الشدائد:
﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: 65]
ويذكر فرعون الذي قال لما أدركه الغرق: ﴿آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ [يونس: 90]، فلم ينفعه إيمانه حين عاين الهلاك. ويصف الله تعالى أهل الإيمان الذين تلين قلوبهم لذكره بقوله:
﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: 23]
المحور الثالث: الأجر العظيم للذاكرين وسبقهم لغيرهم
وعد الله الذاكرين بالمغفرة والأجر العظيم:
﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 35]
ويبيّن الشيخ أن الذكر والاستغفار سبب لسعة الرزق في الدنيا أيضًا، ويستدل بقول نوح عليه السلام:
﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح: 10-12]
ثم يبيّن أن من علامات الحديث الموضوع عند أهل العلم أن يُذكر فيه أجر عظيم على عمل قليل، إلا في الأذكار، فإن الأحاديث الصحيحة جاءت فيها بأجور عظيمة على أعمال يسيرة. ومن ذلك قوله ﷺ في الحديث المتفق عليه من رواية أبي هريرة رضي الله عنه:
«مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ، كَانَتْ لَهُ عَدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ، وَكُتِبَتْ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ، وَكَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنَ الشَّيْطَانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُمْسِيَ، وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ إِلَّا أَحَدٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ»
والذاكرون يسبقون غيرهم، كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ مرّ بجبل يقال له جُمْدان فقال:
«سِيرُوا، هَذَا جُمْدَانُ، سَبَقَ الْمُفَرِّدُونَ». قَالُوا: وَمَا الْمُفَرِّدُونَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «الذَّاكِرُونَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتُ»
المحور الرابع: عاقبة الإعراض عن ذكر الله والصدّ عنه
يحذّر الشيخ من الغفلة، ويبيّن أن من أعرض عن ذكر الرحمن سلّط الله عليه شيطانًا يلازمه:
﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: 36]
ويبيّن أن الصدّ عن ذكر الله من عمل الشيطان، وأن من يصدّ الناس عن ذكر الله وعن بيوته فهو من إخوان الشياطين:
﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ ۖ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ﴾ [المائدة: 91]
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَا ۚ أُولَٰئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ ۚ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: 114]
ويبيّن أن الهمّ والضيق في القلوب سببهما الإعراض عن ذكر الله، ومن صوره الإعراض عن تلاوة كتابه وتعلّمه وعن سنّة نبيه ﷺ:
﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا ۖ وَكَذَٰلِكَ الْيَوْمَ تُنسَىٰ﴾ [طه: 124-126]
ومن صفات المنافقين قلة الذكر، قال تعالى: ﴿وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: 142]. وقال في الذين غفلوا عن ربهم: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ﴾ [الحشر: 19].
المحور الخامس: لا تلهكم الدنيا عن ذكر الله، والذكر يصحب المسلم في كل شيء
يحذّر الشيخ من أن تشغل الأموال والأولاد والوظائف العبدَ عن ذكر ربه:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المنافقون: 9]
وينبّه إلى أن الإسلام لا يحرّم طلب الرزق، فلم يحرّم الله التجارة ولا الصناعة ولا الزراعة ولا شيئًا مما أحلّه. وقد كان في الصحابة الغني صاحب المال الكثير، وكان فيهم الفقير الذي لا يملك إلا قوت يومه. والمذموم أن تطغى الدنيا على القلب حتى تصرفه عن ربه. فالمطلوب أن يقوم المسلم بأمر دنياه مع ذكر الله عز وجل.
ويبيّن أن السنة النبوية جعلت الذكر يصحب المسلم في كل أحواله، حتى في أضيق الأماكن. فعند دخول الخلاء يقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ»، وعند الخروج يقول: «غُفْرَانَكَ». وعند إتيان الرجل أهله يقول: «بِسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ، وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا». وإذا دخلت عليه زوجته أول مرة أخذ بناصيتها وقال: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا وَخَيْرَ مَا جَبَلْتَهَا عَلَيْهِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَمِنْ شَرِّ مَا جَبَلْتَهَا عَلَيْهِ».
ثم يختم بفضل مجالس الذكر والعلم وتلاوة القرآن، ففي صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال:
«لَا يَقْعُدُ قَوْمٌ يَذْكُرُونَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا حَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ»
«وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ»
ويذكر الشيخ أن الله تعالى يباهي بأهل هذه المجالس ملائكته، وهذا من أعظم الشرف للذاكرين.
النقاط الرئيسية
- ذكر الله من أعظم أسباب السعادة، وبه تطمئن القلوب وتنشرح الصدور، والغفلة سبب للضيق والهمّ.
- أمر الله المؤمنين بكثرة ذكره في كل المواطن، حتى عند لقاء العدو، ومن أحبّ شيئًا أكثر من ذكره.
- المؤمن يذكر ربه في الرخاء والشدة، أما المشركون فلا يذكرونه إلا عند الكرب ثم ينسونه.
- الأذكار أعمال يسيرة أجورها عظيمة، وقد سبق المفرِّدون، وهم الذاكرون الله كثيرًا والذاكرات.
- الإعراض عن ذكر الله يورث المعيشة الضنك، ويسلّط الشيطان على العبد، وقلّة الذكر من صفات المنافقين.
- طلب الدنيا مباح ما لم يُلهِ عن ذكر الله، ومن ألهته أمواله وأولاده عن ذكر ربه فهو من الخاسرين.
- مجالس الذكر وتلاوة القرآن تحفّها الملائكة وتغشاها الرحمة وتنزل عليها السكينة، ويذكر الله أهلها فيمن عنده.
الفوائد والعبر
- عند الهمّ والحزن الجأ إلى ذكر الله ودعاء الكرب، فهو علاج لضيق الصدر وثقل الهموم.
- خصّص وردًا يوميًا من الأذكار، مثل قول «لا إله إلا الله وحده لا شريك له...» مئة مرة، لتنال أجرًا عظيمًا بعمل يسير.
- أكثر من الاستغفار، فهو سبب للمغفرة ولسعة الرزق ونزول البركة في المال والولد.
- احرص على أذكار الأحوال اليومية من دخول وخروج وزواج وغيرها، حتى لا تخلو لحظة من حياتك من ذكر الله.
- احضر مجالس العلم وتلاوة القرآن في بيوت الله، وزن انشغالك بالدنيا بميزان الشرع حتى لا يصرفك عن ربك.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات