خطبة جمعة بعنوان:【عام مر من عمرك ماذا قدمت فيه ؟ 】 لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

4,642 مشاهدة
480 مشاركة
منذ 5 سنوات

المقدمة

في خطبة الجمعة هذه، ضمن «سلسلة خطب الجمعة 2»، يقف فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري -حفظه الله- مع المسلم وقفة صادقة لمحاسبة النفس عند انقضاء عام من عمره. فمرور الأيام والشهور والأعوام ليس مجرد تبدّل في التقويم، وإنما هو نقص من أعمارنا ودنوّ من آجالنا واقتراب من لقاء الله تعالى. والعاقل من يسأل نفسه: ماذا قدّمتُ في هذا العام؟ وماذا أعددتُ لغدي بين يدي ربي؟

وتنطلق الخطبة من آيات سورة الحشر التي تأمر المؤمنين بتقوى الله والنظر فيما قدّموا لغدهم. ثم تتناول أثر القرآن في القلوب، وتعرّض القلوب للفتن، وخطر العبادة على حرف. وتؤكد أن اتباع النبي صلى الله عليه وسلم هو الميزان الذي توزن به الأقوال والأعمال، وتحذّر من النفاق وأهله، وتطمئن المؤمنين إلى أن الله حافظ دينه.

وتهدف الخطبة إلى إحياء خُلق المحاسبة في نفس المسلم، وربط قلبه بالله وحده، وترسيخ منهج الاتباع للسنة، وتحصين القلب من الفتن ومن صفات المنافقين، حتى يستقبل ما بقي من عمره بعزيمة صادقة وعمل صالح.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: محاسبة النفس على ما مضى من العمر

يبيّن الشيخ أن انقضاء عام من عمر الإنسان يستدعي وقفة صادقة مع النفس. فكل يوم يمضي يقرّب العبد من لقاء ربه، وكل عمل صغيرًا كان أو كبيرًا مسجّل عليه، سيراه يوم القيامة خيرًا كان أو شرًا. وفي ذلك دافع للاستكثار من الحسنات والحذر من السيئات مهما صغرت.

والمحاسبة ليست جلدًا للذات، بل هي وقوف على التقصير لتداركه بالتوبة، وعلى الإحسان لشكر الله عليه والثبات عليه. والمؤمن الحق ينظر فيما قدّم لغده، ولا يكون كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم، فضاعت أعمارهم في الغفلة.

قال الله تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ۝ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7-8].

وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ۝ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ۝ لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۚ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [الحشر: 18-20].

المحور الثاني: أثر القرآن والتقوى في حياة المؤمن

يلفت الشيخ النظر إلى عظمة القرآن الكريم، فلو أُنزل على جبل أصمّ لخشع وتصدّع من خشية الله. فكيف بقلب المؤمن الذي يسمعه ويتلوه؟ إن قسوة القلوب وغفلتها عن القرآن من أعظم أسباب ضياع الأعمار دون زاد.

والتقوى هي الزاد الحقيقي ليوم المعاد. وثمرتها العلم بالله والخوف منه ومراقبته في السر والعلن. ومن عرف ربه بأسمائه وصفاته عظّمه وأطاعه، وأحبّ ما يحبّه الله، وأقبل على ما يقرّبه إلى جنته.

قال الله تعالى: ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ۚ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر: 21].

المحور الثالث: القلوب بين الفتن والثبات

يحذّر الشيخ من الفتن التي تُعرض على القلوب عرضًا متتابعًا. فالقلب الذي يتشرّبها يسودّ شيئًا فشيئًا حتى لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا. أما القلب الذي ينكرها فيبيضّ ويثبت، فلا تضرّه فتنة. ولذا يجب على المسلم أن يتعاهد قلبه ويحرسه.

ومن صور ضعف القلب أن يعبد الإنسان ربه على حرف: إن أصابه خير اطمأنّ، وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه. والواجب أن يتعلّق القلب بالله وحده، في السرّاء والضرّاء، وأن يكون الرضا والصبر والشكر ديدن المؤمن في كل حال.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ، حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ: عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَالْآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا، لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ» [رواه مسلم].

وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ ۖ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ ۖ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج: 11].

المحور الرابع: اتباع النبي صلى الله عليه وسلم هو الميزان

يؤكد الشيخ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الميزان الأكبر الذي توزن عليه الأشياء: أقواله وأفعاله وأخلاقه وهديه. فما وافق سنته فهو الحق، وما خالفها فهو مردود مهما زيّنه أصحابه. ولا يجوز للمسلم أن يقفو ما ليس له به علم أو أن يقدّم رأيه وهواه على هدي النبي صلى الله عليه وسلم.

ويبيّن أن الناس في هذا الباب طرفان ووسط. فمنهم من غلا وتشدّد، ومنهم من فرّط وتساهل، والحق هو ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه. فعلى المسلم أن يجعل الاتباع منهج حياته كلها، في عقيدته وعبادته ومعاملته وأخلاقه.

قال الله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65].

المحور الخامس: التحذير من النفاق وبيان حفظ الله لدينه

يتناول الشيخ صفات المنافقين كما وصفهم القرآن. فهم يُظهرون الإيمان بألسنتهم ويُبطنون الكفر في قلوبهم، وتعجب الناظرَ أجسامُهم ويُصغي السامع إلى فصاحة أقوالهم، لكنهم في الحقيقة كالخشب المسنّدة، لا حياة فيها ولا نفع. وقد شهد الله عليهم بالكذب، وأخبر أنهم العدو فاحذروهم.

ويبيّن الشيخ أن خطر المنافقين وأهل الأهواء قائم في كل زمان، وأنهم يكيدون لدين الله. لكن الله تعالى تكفّل بحفظ دينه وكتابه، فلن يضرّه كيد الكائدين. وعلى المؤمن أن يثبت على الحق ويثق بوعد الله، ويحذر أن يتسلّل إلى قلبه شيء من صفات النفاق.

قال الله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: 1].

وقال سبحانه: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ ۖ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ ۖ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ ۖ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ ۚ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ ۚ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ ۖ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ﴾ [المنافقون: 4].

وقال عز وجل: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9].

النقاط الرئيسية

  • مرور العام نقص من عمر الإنسان واقتراب من لقاء الله، فيستوجب المحاسبة والاستعداد.
  • كل عمل يعمله العبد، ولو كان مثقال ذرة من خير أو شر، سيراه يوم القيامة.
  • التقوى والنظر فيما قُدّم للغد أمر إلهي، ونسيان الله سبب لنسيان العبد نفسه وضياعه.
  • القلوب تُعرض عليها الفتن تباعًا، فمن أنكرها ثبت، ومن تشرّبها أظلم قلبه.
  • العبادة على حرف علامة ضعف الإيمان، والواجب تعلّق القلب بالله وحده في كل حال.
  • النبي صلى الله عليه وسلم هو الميزان الأكبر، واتباع سنته هو طريق الحق بين الغلو والتفريط.
  • المنافقون عدوٌّ يجب الحذر منهم ومن صفاتهم، والله حافظ دينه مهما اشتدّ كيد الكائدين.

الفوائد والعبر

  • اجعل لنفسك وقفة دورية للمحاسبة، تراجع فيها أعمالك وتجدّد التوبة، وتضع أهدافًا إيمانية لما بقي من عمرك.
  • أقبِل على القرآن تلاوةً وتدبرًا، فهو أعظم ما يُليّن القلب ويوقظه من الغفلة.
  • احرس قلبك من الفتن بالابتعاد عن مواطنها، وبإنكار المنكر ولو بقلبك، وبالدعاء بالثبات.
  • زِن أقوالك وأعمالك بميزان السنة النبوية، واحذر من الغلو ومن التفريط، والزم طريق الوسط الذي كان عليه السلف الصالح.
  • فتّش في نفسك عن صفات النفاق كمخالفة الظاهر للباطن، وثِق بوعد الله بحفظ دينه، واثبت على الحق مهما قلّ السالكون.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات