خطبة جمعة بعنوان:【من أسباب السعادة / الكرم 】 لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
في هذه الخطبة من «سلسلة خطب الجمعة 2» يتحدث فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري عن سببٍ من أسباب السعادة في الدنيا والآخرة، وهو الكرم والسخاء. يبيّن الشيخ أن السعادة لا تأتي من جمع المال وحبسه. فهي تأتي من سخاء النفس وبذل المعروف للناس، وأن الكريم قريب من الله قريب من الناس، وأن البخيل بعيد عنهما.
يعرض الشيخ معنى الكرم ومراتبه، ويذكر من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وسير الصحابة الكرام رضي الله عنهم أمثلةً عملية على البذل والعطاء، ويحذّر من الشح والبخل وما يجرّانه على صاحبهما من شقاء وحرمان.
يهدف هذا الدرس إلى أن يعرف المسلم فضل الكرم ومكانته في الشريعة، وأن يقتدي بالنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في الجود، وأن يدرك أن الإنفاق لا ينقص المال، فهو سبب للبركة وانشراح الصدر وطمأنينة القلب.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: حقيقة الكرم والسخاء ومنزلتهما
الكرم خلق عظيم يحبه الله تعالى، فهو سبحانه الكريم ويحب الكرماء من عباده. والسخاء هو أن تجود نفسك بما عندك دون تكلّف، وأن تعطي عن طيب خاطر. والكرم لا يقتصر على المال، فهو يشمل بذل الجاه والوقت والعلم والنصح، والعفو عن الناس وكفّ الأذى عنهم.
ويبيّن الشيخ أن الكرم من أسباب سعادة القلب وراحة النفس، فالكريم يفرح بالعطاء أكثر مما يفرح الآخذ بالأخذ، ويجد في البذل لذةً لا يعرفها البخيل.
قال الله تعالى: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: 9].
المحور الثاني: كرم النبي صلى الله عليه وسلم
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس وأكرمهم، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل عليه السلام فيدارسه القرآن. وكان لا يُسأل شيئًا على الإسلام إلا أعطاه، ولا يردّ سائلًا، ويعطي عطاء من لا يخشى الفقر.
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ... فَلَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ» [متفق عليه].
وعن أنس رضي الله عنه قال: «مَا سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْإِسْلَامِ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ، فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَأَعْطَاهُ غَنَمًا بَيْنَ جَبَلَيْنِ، فَرَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ: يَا قَوْمِ أَسْلِمُوا، فَإِنَّ مُحَمَّدًا يُعْطِي عَطَاءً لَا يَخْشَى الْفَاقَةَ» [رواه مسلم].
المحور الثالث: نماذج من كرم الصحابة رضي الله عنهم
سار الصحابة على هدي نبيهم في الجود. ومن ذلك أن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بعث إليها عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما بمال عظيم، فقسمته كله على الناس في يومها وهي صائمة. فلما أمسَت قالت لها جاريتها: لو أبقيتِ لنا درهمًا نشتري به لحمًا نفطر عليه! فقالت: لو ذكّرتِني لفعلت. لقد نسيت نفسها في سبيل إسعاد غيرها.
ومن ذلك أيضًا كرم أبي بكر الصديق رضي الله عنه وعفوه، فقد كان ينفق على قريبه مسطح بن أثاثة، فلما خاض مسطح في حادثة الإفك حلف ألّا ينفق عليه، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: 22]. فقال أبو بكر: بلى والله، إني أحب أن يغفر الله لي، وأعاد النفقة على مسطح.
المحور الرابع: الإنفاق لا ينقص المال، فهو سبب للبركة والخلف
يؤكد الشيخ أن الشيطان يخوّف الإنسان من الفقر إذا أراد أن ينفق، مع أن الله تعالى وعد المنفقين بالخلف والبركة. فالمال الذي يُنفق في سبيل الله هو الباقي لصاحبه، والمال الذي يُحبس قد يذهب ويفنى.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ۖ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ: 39].
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ» [رواه مسلم]. وقال صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ الْعِبَادُ فِيهِ إِلَّا مَلَكَانِ يَنْزِلَانِ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الْآخَرُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا» [متفق عليه].
المحور الخامس: ذمّ البخل والشح وعواقبهما
البخل خلق مذموم يورث صاحبه الضيق والهمّ، ويبعده عن محبة الله ومحبة الناس. والبخيل يعيش فقيرًا وإن كثر ماله، لأنه لا ينتفع بماله في دنياه ولا يقدّمه لآخرته.
ويحذّر الشيخ من أن يمنع الإنسان فضل ما عنده عن المحتاجين من الأقارب والجيران والمساكين، ومن أن يقطع المعروف بسبب خلاف أو إساءة. والكريم يعفو ويصفح ويواصل إحسانه طلبًا لمغفرة الله تعالى.
النقاط الرئيسية
- الكرم والسخاء من أعظم أسباب السعادة وانشراح الصدر في الدنيا والآخرة.
- الله تعالى كريم يحب الكرماء، والكرم يشمل المال والجاه والعلم والعفو وكفّ الأذى.
- كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان، وما سُئل شيئًا على الإسلام إلا أعطاه.
- الصحابة رضي الله عنهم ضربوا أروع الأمثلة في البذل، ومنهم عائشة وأبو بكر رضي الله عنهما.
- الإنفاق لا ينقص المال، فالله يخلفه على صاحبه ويبارك فيه.
- العفو والصفح ومواصلة الإحسان إلى المسيء من أعلى مراتب الكرم.
- البخل والشح سبب للشقاء والحرمان، ومن وُقي شحّ نفسه فقد أفلح.
الفوائد والعبر
- عوّد نفسك على العطاء ولو بالقليل، فالصدقة اليسيرة الدائمة تزكّي النفس وتطهّر القلب من الشح.
- ابدأ بالأقربين من أهلك وأرحامك وجيرانك، فالنفقة عليهم صدقة وصلة.
- لا تقطع معروفك عمّن أساء إليك، واجعل العفو والصفح طريقًا إلى مغفرة الله.
- ثق بوعد الله بالخلف، ولا تستمع لتخويف الشيطان من الفقر عند الإنفاق.
- اقتدِ بالنبي صلى الله عليه وسلم في جوده، واجعل مواسم الطاعات كرمضان فرصة لمضاعفة البذل والعطاء.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات