الحج والتطرف خطبة جمعة بعنوان :【 الحج والتطرف 】لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

3,765 مشاهدة
199 مشاركة
منذ 4 سنوات

المقدمة

في هذه الخطبة من سلسلة خطب الجمعة يتناول فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري موضوع «الحج والتطرف». يربط الشيخ بين شعيرة الحج العظيمة وبين منهج الوسطية الذي جاء به الإسلام. فالحج موسمٌ تتجه فيه قلوب المسلمين من كل بقاع الأرض نحو بيت الله الحرام، ويتجلّى فيه اتباع السنة والتجرد لله رب العالمين. ومع ذلك يرى الشيخ أن الأمة ما زالت تعاني من الفرقة والغلو والتفريط، وذلك على خلاف ما أمر الله به من الاعتصام بحبله وترك التفرق.

ويتخذ الشيخ من حديث فرض الحج منطلقاً لبيان يسر الشريعة ورحمتها. ثم يبيّن معنى التطرف بشقّيه: الإفراط والغلو من جهة، والتفريط والتساهل من جهة أخرى. ويؤكد أن الميزان الأعظم الذي يُعرف به الحق هو هدي النبي ﷺ، فبقدر اتباعنا له يكون قربنا من الصراط المستقيم.

أهداف التعلم: أن يدرك المشاهد معنى الوسطية في الإسلام، وأن يميّز بين صور الغلو والتفريط. وأن يستشعر معاني التوحيد والاتباع والزهد في الدنيا من خلال مناسك الحج، وأن يحذر من آفات اللسان والشماتة بالمسلمين ومن داء الوهن الذي أصاب الأمة.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: الحج موسم الوحدة ونبذ الفرقة

يبيّن الشيخ أن في أيام الحج تتجه القلوب نحو البيت الحرام، فيقف الناس بين يدي رب العالمين على صعيد واحد، بلباس واحد، يرددون نداءً واحداً. فهذا المشهد يغرس في النفوس معنى الأخوة والوحدة، ويُذكّر بأن الأمة جسد واحد.

ومع ذلك يتحسّر الشيخ على حال المسلمين وما هم فيه من الفرقة. ويشير إلى ما قد يقع من الاختلاف في الصيام والأعياد، مع أن الحاج لا يستطيع أن يقف بعرفة إلا في يوم واحد، فلا يقف أحد في الثامن ولا في العاشر رغم الزحام الشديد وكثرة الحجيج التي تبلغ الملايين. وهذا شاهد على أن الوحدة ممكنة إذا اجتمعت القلوب على الاتباع.

قال الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103].

وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ۝ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا ۖ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: 31-32].

المحور الثاني: يسر الشريعة ووسطيتها من خلال حديث فرض الحج

يستدل الشيخ بحديث أبي هريرة رضي الله عنه في صحيح مسلم، حين خطب النبي ﷺ الناس وأخبرهم بفرض الحج، فسأله رجل: أكلَّ عام؟ فسكت ﷺ حتى أعادها ثلاثاً. ثم بيّن ﷺ أنه لو قال: «نعم» لوجبت، ولما استطاعوا. وفي هذا رحمة عظيمة بالأمة، فقد وصف الله نبيه بأنه رحمة للعالمين.

ويؤكد الشيخ أن من تأمل أحكام الشريعة وجدها قائمة على اليسر ورفع الحرج، فهي شريعة سمحاء وسط. ويشير إلى واقع اليوم حيث لا يستطيع كثير من الناس الحج ولو مرة واحدة، فكيف لو فُرض في كل عام؟

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: «أَيُّهَا النَّاسُ، قَدْ فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ فَحُجُّوا»، فَقَالَ رَجُلٌ: أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَسَكَتَ حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ لَوَجَبَتْ، وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ»، ثُمَّ قَالَ: «ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ» [رواه مسلم].

قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185].

وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107].

المحور الثالث: حقيقة التطرف بين الإفراط والتفريط، والميزان هو النبي ﷺ

يوضح الشيخ أن التطرف ليس في جهة واحدة، فهو ميلٌ عن الصراط المستقيم إما بالغلو والإفراط وإما بالتساهل والتفريط. ويضرب أمثلة من الحج نفسه: فمن قال إن الحج واجب في كل عام فقد غلا، ومن قال إن الحج ليس بفريضة فقد فرّط. وكلاهما خارج عن الوسط.

ويضرب مثلاً آخر في الحكم على مرتكب الكبيرة: فمن قال إن الذنوب لا تضر صاحبها فقد فرّط، ومن كفّره فقد غلا. والحق أنه مرتكب لكبيرة ومعصية. ومن صور التطرف كذلك أن يُفرض على الناس ما لم يفرضه الله، أو أن يُحرَّم ما أحلّه الله.

ويقرر الشيخ أن رسول الله ﷺ هو الميزان الأكبر، فعليه تُعرض الأشياء في أخلاقه وسيرته وهديه. فما وافق هديه فهو الحق، وما خالفه فهو الباطل. وبقدر اتباعنا له ﷺ يكون قدر اتباعنا للحق.

المحور الرابع: آفات اللسان والتلبيس والشماتة في زمن الفتن

يحذّر الشيخ من صنف من الناس يُحسن الكلام، فيلبس الحق بالباطل ويضلّ الناس ببيانه، وهو ما خشيه النبي ﷺ على أمته. كما يحذّر من زمن تنقلب فيه الموازين، فيُصدَّق الكاذب ويُكذَّب الصادق، ويتكلم في أمور العامة من ليس أهلاً لذلك.

وينبّه الشيخ إلى خطورة الشماتة بالمسلمين فيما يصيبهم من بلاء، وإلى من يتعالى على الناس ويظن أنه فوقهم. فهذا من الكبر والطغيان، والعاقبة لا يعلمها إلا الله.

عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي كُلُّ مُنَافِقٍ عَلِيمِ اللِّسَانِ» [رواه أحمد].

وقال ﷺ: «سَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ سَنَوَاتٌ خَدَّاعَاتٌ، يُصَدَّقُ فِيهَا الْكَاذِبُ، وَيُكَذَّبُ فِيهَا الصَّادِقُ، وَيُؤْتَمَنُ فِيهَا الْخَائِنُ، وَيُخَوَّنُ فِيهَا الْأَمِينُ، وَيَنْطِقُ فِيهَا الرُّوَيْبِضَةُ»، قِيلَ: وَمَا الرُّوَيْبِضَةُ؟ قَالَ: «الرَّجُلُ التَّافِهُ يَتَكَلَّمُ فِي أَمْرِ الْعَامَّةِ» [رواه ابن ماجه وأحمد].

وعن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لَا تُظْهِرِ الشَّمَاتَةَ لِأَخِيكَ فَيَرْحَمَهُ اللَّهُ وَيَبْتَلِيَكَ» [رواه الترمذي، وفي إسناده كلام عند أهل العلم].

المحور الخامس: دروس الحج في الزهد والتوحيد والاتباع

يبيّن الشيخ أن الحاج يترك أهله وماله وبيته وأحبته، ويتجرد من الدنيا ويجعلها خلف ظهره متجهاً إلى ربه. ويقابل الشيخ بين هذا المشهد وبين داء الوهن الذي أصاب الأمة، وهو حب الدنيا وكراهية الموت. ثم يذكّر بأن الإنسان لا يأخذ معه إلى قبره إلا عمله، وأن الأموال تُترك للورثة.

ويتوقف الشيخ عند التلبية بوصفها إعلاناً للتوحيد ونفياً للشريك. ويذكّر بقول الله يوم القيامة: ﴿لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾، فلا يجوز أن يُعبد غير الله، ولا أن يُطاع أحد في معصيته. ويؤكد أن كيد الكافرين وإنفاقهم للصد عن سبيل الله عاقبته الحسرة والهزيمة.

ويضرب الشيخ مثلاً برمي الجمار: لو اجتمع الناس خارج المسجد يرمون الحصى لكان ذلك عبثاً، لكنه في منى شعيرة وطاعة لأنه اتباع لهدي النبي ﷺ. ويستشهد بموقف عمر رضي الله عنه عند الحجر الأسود، ليؤكد أن العبرة بالاتباع لا بالتبرك المبتدع. ثم يرد على من يعتقد أن الأحجار والأشجار تنفع أو تضر، وعلى من يغلو في التبرك بما لم يشرعه الله.

عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه جاء إلى الحجر الأسود فقبّله، وقال: «إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ» [متفق عليه].

وقال ﷺ: «مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» [متفق عليه].

وعن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «يُوشِكُ الْأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا»، فَقَالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: «بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وَلَيَنْزَعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ، وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهْنَ»، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الْوَهْنُ؟ قَالَ: «حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ» [رواه أبو داود وأحمد].

وقال ﷺ: «يَقُولُ ابْنُ آدَمَ: مَالِي، مَالِي، وَهَلْ لَكَ يَا ابْنَ آدَمَ مِنْ مَالِكَ إِلَّا مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ، أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ، أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ» [رواه مسلم].

وفي التلبية: «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ» [متفق عليه].

قال تعالى: ﴿لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ۖ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: 16].

وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ [الأنفال: 36].

وقال تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ۚ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: 83].

النقاط الرئيسية

  • الحج موسم تتوحد فيه قلوب المسلمين وأعمالهم، وهو دليل عملي على أن الأمة قادرة على الاجتماع إذا التزمت بالاتباع.
  • الشريعة الإسلامية شريعة يسر ووسطية، وحديث فرض الحج شاهد على رحمة النبي ﷺ بأمته.
  • التطرف له طرفان: الإفراط بالغلو، والتفريط بالتساهل، وكلاهما انحراف عن الصراط المستقيم.
  • رسول الله ﷺ هو الميزان الأكبر الذي تُعرض عليه الأقوال والأفعال، وبقدر اتباعه يكون القرب من الحق.
  • من أخطر ما يُخشى على الأمة المنافق العليم اللسان الذي يلبس الحق بالباطل، وكذلك انقلاب الموازين في السنوات الخداعات.
  • داء الوهن، وهو حب الدنيا وكراهية الموت، من أعظم أسباب ضعف الأمة، والحج يربي على التجرد من الدنيا.
  • العبادات توقيفية، فرمي الجمار وتقبيل الحجر طاعة لأنها اتباع للنبي ﷺ، لا لأن في الأحجار نفعاً أو ضراً.

الفوائد والعبر

  • أن يزن المسلم آراءه ومواقفه بميزان السنة النبوية، فيجتنب الغلو والتشدد كما يجتنب التساهل والتفريط.
  • أن يحرص على وحدة الصف ويبتعد عن أسباب الفرقة والتحزب، اعتصاماً بحبل الله.
  • أن يحفظ لسانه من الشماتة بإخوانه المسلمين، وأن يتواضع ولا يتعالى على الناس، وأن يتحرى الصدق ويحذر من المتكلمين بغير علم.
  • أن يجعل الدنيا في يده لا في قلبه، ويستعد للآخرة بالعمل الصالح، فهو وحده الذي يرافقه في قبره.
  • أن يجدد معاني التوحيد في قلبه بتدبر التلبية، فلا يعبد إلا الله ولا يطيع أحداً في معصيته، وأن يلتزم المشروع في العبادات ويحذر من البدع والتبرك الممنوع.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات