خطبة جمعة بعنوان --- :【الدعاء الذي غفل عنه الكثير】لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

3,067 مشاهدة
332 مشاركة
منذ 5 سنوات

المقدمة

في هذه الخطبة من «سلسلة خطب الجمعة 2» يتحدث فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري عن الدعاء، وهو صلة عظيمة بين العبد وربه يغفل عنها كثير من الناس. ويبيّن الشيخ أن الدعاء سلاح المؤمن في زمن الفتن والمحن، وأن المؤمن إذا نزلت به المصائب لم يجد ملجأً أصدق من الوقوف بين يدي الله تعالى، متذللًا إليه، مفتقرًا إلى رحمته.

ويقرر الشيخ أن حقيقة العبادة هي غاية الذل لله والافتقار إليه، وأن الدعاء من أوسع أبواب هذا الذل والانكسار. ولهذا كان الدعاء هو العبادة كما أخبر النبي ﷺ. ثم يذكر نصوصًا من الكتاب والسنة في فضل الدعاء وأثره في دفع البلاء، ويختم بآداب الدعاء وموانع الإجابة.

أهداف الخطبة: بيان منزلة الدعاء من الدين، وإحياء التعلق بالله وحده في الشدائد، ومعرفة أثر الدعاء في دفع القدر، والتوسل إلى الله بالأعمال الصالحة وبأسمائه الحسنى، وتعلّم آداب الدعاء وتجنّب الاعتداء فيه.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: الدعاء سلاح المؤمن في زمن الفتن

بدأ الشيخ بالتذكير بأن السعادة الحقيقية في السلامة من الفتن. فالله سبحانه يفعل ما يشاء متى شاء، لا يُسأل عمّا يفعل، وهو الملك الخالق ونحن عبيده المخلوقون. فإذا ابتُلي العبد بالفتن والمصائب والمحن فلا ملجأ له إلا إلى الله، وسلاحه في ذلك هو الدعاء.

ونبّه الشيخ إلى قاعدة مهمة: الشر لا يُواجَه بالشر بل بالخير، والبدعة لا تُواجَه ببدعة بل بالسنة، والانحراف لا يُواجَه بانحراف بل بالاستقامة على أمر الله. فالأمر كله بيد الله، والدعاء هو الطريق إليه.

قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ السَّعِيدَ لَمَنْ جُنِّبَ الْفِتَنَ، إِنَّ السَّعِيدَ لَمَنْ جُنِّبَ الْفِتَنَ، إِنَّ السَّعِيدَ لَمَنْ جُنِّبَ الْفِتَنَ، وَلَمَنِ ابْتُلِيَ فَصَبَرَ فَوَاهًا» (رواه أبو داود).

المحور الثاني: الدعاء هو العبادة، والله قريب يجيب

بيّن الشيخ أن الدعاء هو العبادة نفسها، لأنه يجمع الذل والافتقار والاستكانة لله. ولفت إلى معنى لطيف في القرآن: الأسئلة الموجهة إلى النبي ﷺ يأتي جوابها غالبًا بلفظ «قُلْ»، أما السؤال عن الله والدعاء فجاء جوابه مباشرًا دون واسطة. وفي ذلك دلالة على قرب الله من عباده.

وذكّر الشيخ بأن الله غني عنا ونحن الفقراء إليه. وأنه سبحانه يتودد إلى عباده ويدعوهم إلى سؤاله، وهو وحده الذي يجيب المضطر ويكشف السوء.

قال ﷺ: «الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ» (رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه).
قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: 186].
وقال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: 60].
وقال تعالى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ [الفرقان: 77].
وقال تعالى: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ ۚ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل: 62].

المحور الثالث: أوقات الإجابة وسعة عطاء الله

ذكر الشيخ حديث النزول الإلهي في الثلث الأخير من الليل. وقرر أن النزول يُثبَت لله على الوجه اللائق بجلاله، دون تكييف ولا تمثيل، لأنه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾. ثم تساءل: كيف يقضي كثير من الناس هذا الوقت الشريف؟ فمنهم اللاهي والعاصي والنائم. ودعا إلى اغتنامه ولو بدقائق يسيرة يدعو فيها العبد لنفسه وأهله وبلده وللمسلمين.

ثم ذكر الحديث القدسي العظيم الذي يبيّن غنى الله وسعة خزائنه، وأنها لا تنقص بعطاء الخلق جميعًا.

قال ﷺ: «يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ، يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟» (متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه).
وفي الحديث القدسي: «يَا عِبَادِي، إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا... يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ» (رواه مسلم من حديث أبي ذر رضي الله عنه).

المحور الرابع: الدعاء يرد القدر، والتوسل بالأعمال الصالحة

بيّن الشيخ أن الدعاء نفسه من قدر الله. فإذا دعا العبد بصدق وإخلاص وقوة يقين نفعه دعاؤه بإذن الله، فيتغير ما في صحف الملائكة، أما ما في علم الله الأزلي فلا يتغير. واستدل بقوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ۖ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: 39]. وأكد أن أعظم آداب الدعاء الإخلاص لقوله تعالى: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر: 14].

ثم ساق قصة الثلاثة الذين آواهم المبيت إلى غار، فانحدرت صخرة فسدّت عليهم بابه. فلم ينجهم إلا أن دعا كل واحد منهم الله بصالح عمله: الأول ببره بوالديه الكبيرين، والثاني بعفته عن الحرام مع القدرة عليه، والثالث بأمانته في حفظ أجر الأجير وتنميته حتى صار واديًا من الإبل والبقر والغنم. فانفرجت الصخرة بإذن الله.

قال ﷺ: «لَا يَرُدُّ الْقَدَرَ إِلَّا الدُّعَاءُ، وَلَا يَزِيدُ فِي الْعُمُرِ إِلَّا الْبِرُّ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ» (رواه أحمد وابن ماجه، وصححه الحاكم، من حديث ثوبان رضي الله عنه).
وقصة أصحاب الغار في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، وفيها: «إِنَّهُ لَا يُنْجِيكُمْ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ إِلَّا أَنْ تَدْعُوا اللَّهَ بِصَالِحِ أَعْمَالِكُمْ».

المحور الخامس: اسم الله الأعظم وآداب الدعاء

ذكّر الشيخ في الخطبة الثانية بكلمة التوكل العظيمة «حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ». قالها إبراهيم عليه السلام حين أُلقي في النار، وقالها محمد ﷺ حين قيل له: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: 173] (رواه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما). ثم بيّن أن القلوب لا تطمئن إلا بالتعلق بالله وحده، فهو العزيز الغني القوي، وما سواه ذليل فقير ضعيف. ودعا إلى سؤال الله بأسمائه الحسنى، كل حاجة بالاسم المناسب لها.

وأوضح أن اسم الله الأعظم ليس سرًّا خفيًّا، فليس في دين الله أسرار تُخَص بها طائفة دون أخرى، بل الدين بيّن للناس كافة. ثم ذكر الحديث الذي فيه الدعاء باسم الله الأعظم. ونبّه إلى آداب الدعاء: حضور القلب والتذلل، والدعاء خوفًا وطمعًا، ورغبًا ورهبًا، مع الخشوع وخفض الصوت. وحذّر من الدعاء بقلب غافل لاهٍ، ومن الاعتداء في الدعاء.

عن أنس رضي الله عنه أنه سمع النبيَّ ﷺ رجلًا يدعو: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّ لَكَ الْحَمْدَ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، الْمَنَّانُ، بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، أَسْأَلُكَ»، فقال ﷺ: «لَقَدْ دَعَا اللَّهَ بِاسْمِهِ الْعَظِيمِ الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ، وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى» (رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه، وصححه ابن حبان والحاكم).
قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ۝ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا ۚ إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: 55-56].
وقال تعالى: ﴿تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة: 16].
وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ۖ وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: 90].
وعن عبد الله بن مغفل رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إِنَّهُ سَيَكُونُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ قَوْمٌ يَعْتَدُونَ فِي الطَّهُورِ وَالدُّعَاءِ» (رواه أحمد وأبو داود).

النقاط الرئيسية

  • الدعاء هو العبادة، وحقيقته غاية الذل والافتقار إلى الله.
  • الله قريب من عباده، يجيب دعوة الداعي إذا دعاه، ويكشف السوء عن المضطر.
  • الشر يُواجَه بالخير، والبدعة بالسنة، والانحراف بالاستقامة، والفتن بالدعاء واللجوء إلى الله.
  • الثلث الأخير من الليل وقت نزول إلهي وإجابة، فلا يحسن أن يضيع في اللهو والغفلة.
  • خزائن الله لا تنقص بعطائه للخلق جميعًا، فليُكثر العبد من السؤال.
  • الدعاء يرد القدر بإذن الله، والتوسل بالأعمال الصالحة سبب للنجاة كما في قصة أصحاب الغار.
  • من آداب الدعاء: الإخلاص وحضور القلب والتضرع والخفية والخوف والرجاء، مع اجتناب الاعتداء فيه.

الفوائد والعبر

  • أن يجعل المسلم الدعاء ملجأه الأول في كل همّ وكرب، لا آخر ما يلجأ إليه.
  • أن يخصص دقائق من الثلث الأخير من الليل يدعو فيها لنفسه وأهله وبلده والمسلمين.
  • أن يكثر من الأعمال الصالحة الخالصة، كبر الوالدين والعفة والأمانة، ليتوسل بها إلى الله في الشدائد.
  • أن يحفظ دعاء الاسم الأعظم ويدعو به، ويسأل الله بأسمائه الحسنى المناسبة لحاجته.
  • أن يدعو بقلب حاضر خاشع، موقنًا بالإجابة، متجنبًا الغفلة والتكلف والاعتداء في الدعاء.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات