شرح مذكرة أصول الفقه للإمام الشنقيطي رَحِـمَـهُ الله الدرس《66》لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري

1,614 مشاهدة
34 مشاركة
منذ سنة
```html

شرح مذكرة أصول الفقه للإمام الشنقيطي: الدرس السادس والستون - باب العموم

المتحدث: فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري
التصنيف: مذكرة أصول الفقه للشنقيطي

المقدمة: أهمية الموضوع وأهداف التعلم

يُعدُّ علم أصول الفقه من أجلّ العلوم الشرعية وأساسها المتين الذي لا غنى لطالب العلم عنه، فهو الميزان الذي تُفهم به نصوص الشريعة ويُستنبط منه الأحكام. وفي هذا الدرس السادس والستين من شرح "مذكرة أصول الفقه" للإمام الشنقيطي رحمه الله، يتناول فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري بابًا عظيمًا من أبواب هذا العلم الجليل، ألا وهو "باب العموم"، الذي يُعنى بفهم الألفاظ التي تدل على الشمول والاستغراق.

يهدف هذا الدرس إلى تزويد المشاهد بفهم عميق لمفهوم العموم في اللغة والشرع، وكيفية التفريق بينه وبين الخصوص، وبيان الألفاظ والصيغ اللغوية التي تدل على العموم بوضوح. كما يسعى إلى توضيح أقسام العموم والخصوص، وتقديم الأدلة الشرعية واللغوية على دلالة هذه الصيغ على الشمول والاستغراق، مما يعين طالب العلم على التعامل الصحيح مع النصوص الشرعية واستنباط الأحكام منها بدقة.

إنَّ إتقان هذا الباب يُعدُّ مفتاحًا لفهم كثير من آيات القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة، ويُسهم في بناء ملكة فقهية راسخة، مما يحمي من الزلل في الفهم والاستنباط، ويُعين على تحقيق المقاصد الشرعية على الوجه الأكمل.

المحاور الرئيسية للدرس

1. تعريف العموم وبيان أقسامه

يبدأ الدرس بتوضيح مفهوم العموم، حيث يُبيّن الشيخ أن العموم يُعدُّ من عوارض الألفاظ حقيقة، أي من صفاتها التي تُوصف بها الكلمات، وإن كان بعض العلماء قد ذهب إلى أنه يوصف به المعاني أيضًا. ثم ينتقل إلى تعريف "العام" الاصطلاحي، حيث يختار التعريف الأقوى الذي يصف العام بأنه "الكلام المستغرق لجميع ما يصلح له بحسب وضع واحد دفعة بلا حصر". هذا التعريف الدقيق يخرج به ما ليس عامًا كالنكرة في سياق الإثبات، والمشترك، والألفاظ المحصورة بعدد.

كما يشرح الشيخ تقسيم العموم والخصوص إلى ثلاثة أقسام رئيسية:

  • طرف لا أعمَّ منه: وهو ما يشمل كل شيء، مثل كلمتي "المعلوم" و"المذكور"؛ فكل موجود ومعدوم يدخل تحت هذين اللفظين.
  • طرف لا أخصَّ منه: وهو الذي يدل على فرد معين بذاته ولا يحتمل غيره، مثل أسماء الأعلام كـ "محمد" و"إبراهيم".
  • الواسطة: وهي الألفاظ التي تكون أعمَّ مما تحتها وأخصَّ مما فوقها. يضرب الشيخ أمثلة لذلك بكلمة "الحيوان" التي هي أعم من "الإنسان" وأخص من "النامي"، وكلمة "النامي" التي هي أعم من "الحيوان" وأخص من "الجسم".

2. صيغ العموم الخمسة في اللغة العربية

يُفصِّل الشيخ في هذا المحور أهم خمس صيغ تدل على العموم في اللغة العربية، وهي:

  • الاسم المعرف بـ "ال" لغير المعهود: يشمل هذا ثلاثة أنواع: ألفاظ الجموع (مثل: المسلمون، الذين آمنوا)، أسماء الأجناس (مثل: الناس، الحيوان، الماء)، ولفظ الواحد المعرف بـ "ال" (مثل: السارق، الزانية، الإنسان).
    مثال قرآني: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (العصر: 1-3)، حيث "الإنسان" هنا عام يشمل كل البشر.
  • أدوات الشرط: مثل "مَن" للعاقل، "ما" لغير العاقل، "أي" للجميع، "أين" و"أيّان" للمكان والزمان، "متى" للزمان.
    مثال قرآني: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (الطلاق: 3).
  • ما أضيف من هذه الأنواع الثلاثة إلى معرفة: أي الاسم النكرة الذي يُضاف إلى معرفة فيفيد العموم.
    مثال قرآني: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ (إبراهيم: 34)، فـ "نعمة" مفردة لكن إضافتها للفظ الجلالة أفادت العموم. ومثال آخر: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (النور: 63)، فـ "أمر" هنا يعم كل أوامر الرسول ﷺ.
  • "كل" و "جميع": وهما من أوضح صيغ العموم.
    مثال قرآني: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ (آل عمران: 185)، وقوله: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (الرعد: 16).
  • النكرة في سياق النفي: وهي تفيد العموم نصًا في ثلاث حالات (المركبة مع "لا" النافية للجنس، التي زيد قبلها "مِن"، الملازمة للنفي كـ "عارٍ" و"صفر") وظاهرًا فيما عدا ذلك.
    مثال قرآني: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ (البقرة: 163)، ﴿وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ﴾ (الأنعام: 101)، ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ (البقرة: 255).

3. سياقات أخرى تفيد فيها النكرة العموم وأدلة دلالة صيغ العموم

يُضيف الشيخ إلى صيغ العموم السابقة سياقات أخرى تفيد فيها النكرة العموم، وهي:

  • النكرة في سياق الشرط: مثال: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ﴾ (التوبة: 6)، فـ "أحد" هنا عام يشمل أي فرد من المشركين.
  • النكرة في سياق الامتنان: مثال: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ (الفرقان: 48)، فـ "ماءً" هنا عام يشمل كل ماء نزل من السماء.
  • النكرة في سياق النهي: مثال: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ (الإنسان: 24)، فـ "آثما" و"كفورًا" هنا عامان يشملان كل آثم أو كفور.
  • النكرة في سياق الإثبات: تفيد العموم أحيانًا بدلالة السياق، مثال: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ﴾ (التكوير: 14)، فـ "نفس" هنا عامة تشمل كل نفس.

ثم يختتم الشيخ هذا المحور ببيان الأدلة على أن هذه الصيغ تفيد العموم، وهي دليلان أساسيان:

  • إجماع الصحابة: فقد كانوا يأخذون بعمومات الكتاب والسنة ولا يطلبون دليلاً للعموم، بل يطلبون دليلاً للخصوص.
  • لغة العرب: ففي لغة العرب، إذا قال السيد لعبده إحدى هذه الصيغ، كـ "كل داخل فأعطه درهمًا"، فإنه يفهم منه التعميم ووجوب إعطاء كل داخل.
ويرد الشيخ على من خالف في عموم المفرد المعرف بـ "ال" بآية: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، فلو لم يكن "الإنسان" عامًا لما استُثني منه "الذين آمنوا".

النقاط الرئيسية المستخلصة

  • العموم من عوارض الألفاظ حقيقة، أي من صفاتها، وبعضهم يرى أنه من صفات المعاني.
  • تعريف العام المختار هو: "الكلام المستغرق لجميع ما يصلح له بحسب وضع واحد دفعة بلا حصر".
  • ينقسم العموم والخصوص إلى ثلاثة أقسام: طرف لا أعمَّ منه (كالمعلوم)، وطرف لا أخصَّ منه (كأسماء الأعلام)، وواسطة (كالنامي والحيوان).
  • صيغ العموم الرئيسية خمسة: الاسم المعرف بـ "ال" لغير المعهود، أدوات الشرط، المضاف إلى معرفة، "كل" و"جميع"، والنكرة في سياق النفي.
  • النكرة قد تفيد العموم في سياقات أخرى كالشرط والامتنان والنهي، وحتى في الإثبات بدلالة السياق.
  • الدليل على إفادة هذه الصيغ للعموم هو إجماع الصحابة ولغة العرب.
  • المفرد المعرف بـ "ال" يفيد العموم، والدليل عليه الاستثناء كما في قوله تعالى: ﴿إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا﴾.

الفوائد والعبر المستفادة

  • تعزيز الفهم الدقيق للنصوص الشرعية: إتقان باب العموم يُعين على فهم مراد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم من الآيات والأحاديث التي جاءت بصيغ عامة، مما يقلل من احتمالات الخطأ في الاستنباط.
  • التمييز بين الأحكام العامة والخاصة: يُمكن هذا الدرس المشاهد من التفريق بين ما هو عام وشامل لجميع الأفراد أو الحالات، وما هو خاص ومقيد بشروط معينة، وهذا ضروري في الفقه والعقيدة.
  • تجنب التسرع في التكفير أو التبديع: فهم العموم والخصوص يقي من إطلاق الأحكام العامة على أفراد معينين دون النظر في شروط وموانع التخصيص، كما في مسألة كفر النوع وكفر العين التي ذكرها ابن تيمية.
  • تقدير بلاغة اللغة العربية: يُظهر الدرس ثراء اللغة العربية ودقتها في التعبير عن المعاني المختلفة، وكيف أن مجرد تغيير في صيغة اللفظ يمكن أن يغير دلالته من الإطلاق إلى العموم أو الخصوص.
  • بناء الأساس للاجتهاد والإفتاء: يُعتبر هذا الباب حجر الزاوية للمجتهد والمفتي، فمن لم يفهم العموم والخصوص لم يستطع استنباط الأحكام الشرعية على وجهها الصحيح.
```
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات