شرح مذكرة أصول الفقه للإمام الشنقيطي رَحِـمَـهُ الله الدرس《50》لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
مقدمة
نقدم لكم هذا الشرح القيم والمفصل للدرس الخمسين من سلسلة "شرح مذكرة أصول الفقه للإمام الشنقيطي"، والذي يقدمه فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري. تُعد أصول الفقه من أهم العلوم الشرعية التي تضبط فهم النصوص واستنباط الأحكام، وهي الأساس المتين الذي يقوم عليه بناء الفقه الإسلامي.
يتناول هذا الدرس مسائل دقيقة وعميقة في علم أصول الفقه، ترتبط بمنهجية استنباط الأحكام والتعامل مع الخلافات الفقهية بين العلماء. يهدف هذا الشرح إلى إيضاح هذه القضايا المعقدة وتبسيطها للمشاهدين، مما يعمق فهمهم لمصادر التشريع وكيفية بناء المسائل الفقهية على أسس علمية رصينة.
ستتعرفون في هذا الدرس على ضوابط الإجماع، وأنواعه، وكيفية التعامل مع الأقوال المستجدة في المسائل التي اختلف فيها الصحابة، بالإضافة إلى فهم مستند الإجماع وما إذا كان يجوز أن يبنى على الاجتهاد والقياس. نسأل الله أن يرزقنا وإياكم الفهم السديد والعمل الصالح.
المحاور الرئيسية
1. حكم إحداث قول ثالث بعد اختلاف الصحابة على قولين
يناقش الشيخ مسألة في غاية الأهمية الأصولية، وهي ما إذا اختلف الصحابة الكرام -رضوان الله عليهم- على قولين في مسألة معينة، فهل يجوز لأحد بعدهم أن يحدث قولاً ثالثًا مخالفًا لهذين القولين؟ يرى جمهور العلماء أنه لا يجوز إحداث قول ثالث، مستندين إلى أن اختلافهم على قولين يُعد بمثابة الإجماع على بطلان ما سواهما، بمعنى أن الأمة اتفقت ضمنًا على حصر الأقوال المشروعة في هذين القولين.
بينما ذهب بعض الحنفية والظاهرية إلى جواز ذلك، إذا كان القائل بلغ مرتبة الاجتهاد، فله أن يجتهد ويصل اجتهاده إلى قول ثالث. ويضرب الشيخ أمثلة لذلك، كمسألة النقاب التي اختلف فيها على كونه فرضًا أو مستحبًا، فهل يجوز لأحد أن يأتي بقول ثالث كونه مباحًا أو محرمًا؟ وكذلك مسألة ميراث الجد مع الإخوة، حيث اختلف الصحابة هل الجد يحجب الإخوة كالأب، أو يرث معهم، فلو أحدث قول بأن الأخ يحجب الجد، فهذا يعد خرقًا للإجماع.
ويفرق الشيخ بين القول الثالث الذي يكون "خارقًا للإجماع" المستقر، وبين القول الذي قد يكون فيه "تفصيل" لا يخرق الإجماع الكلي، بل يوافق بعض المذاهب في جوانب ويخالفها في أخرى دون أن ينقض أصل الإجماع. ومثال ذلك التفصيل في حكم الذبيحة التي تُركت التسمية عليها نسيانًا أو عمدًا. والصحيح الذي يرجحه الشيخ أنه لا يجوز إحداث قول ثالث إذا استقرت الأقوال عن الصحابة.
2. الإجماع السكوتي وأقوال العلماء فيه
يتناول الدرس أيضًا مسألة الإجماع السكوتي، وهو أن يقول بعض الصحابة قولاً في مسألة تكليفية، ثم ينتشر هذا القول بين بقية الصحابة فيسكتون عنه دون إنكار. وقد اختلف العلماء في حجية هذا النوع من الإجماع على ثلاثة أقوال رئيسية: أولها أنه إجماع وحجة، وهو ما ذهب إليه الإمام أحمد وأكثر الشافعية والمالكية، مع اشتراط شروط لذلك، مثل علم الساكت بالقول، ومضي مهلة كافية للنظر، وأمنه على نفسه في حال الكلام.
القول الثاني يرى أنه حجة وليس إجماعًا، لأنه لم يُنسب إلى الساكت قول صريح. أما القول الثالث، فيرى أنه ليس بحجة ولا إجماع، لأن السكوت قد يكون لأسباب متعددة غير الرضا، كاعتقاد أن كل مجتهد مصيب، أو عدم جواز الإنكار في مسائل الاجتهاد.
ويُحرر الشيخ المسألة ببيان ثلاث حالات: إن عُلم من قرينة حال الساكت أنه راضٍ بالقول فهو إجماع قولاً واحدًا، وإن عُلم أنه غير راضٍ فليس بإجماع قولاً واحدًا، وإن لم يُعلم منه رضا ولا سخط ففيه الأقوال الثلاثة المتقدمة، ومذهب الجمهور أنه إجماع ظني.
3. مستند الإجماع وهل يجوز أن يكون عن اجتهاد وقياس؟
المحور الثالث يدور حول مستند الإجماع، أي هل يجب أن يكون الإجماع مبنيًا على نص شرعي صريح من القرآن أو السنة، أم يجوز أن يكون عن اجتهاد وقياس؟ وفي هذه المسألة أيضًا ثلاثة أقوال بين الأصوليين. القول الأول يرى أنه لا يتصور أن يكون الإجماع عن اجتهاد وقياس. والقول الثاني يرى أنه يتصور لكنه ليس بحجة.
أما القول الثالث، والذي عليه الأكثرون وهو اختيار المؤلف، أنه جائز وواقع، بشرط أن يكون الاجتهاد أو القياس صحيحًا ومعتبرًا. ويضرب الشيخ أمثلة لذلك، كالإجماع على تحريم شحم الخنزير بالقياس على لحمه، والإجماع على تحريم القضاء في حال الجوع والعطش الشديدين، أو الحَقْن (احتباس البول) والحَقَب (احتباس الغائط) لما تسببه هذه الحالات من تشويش الفكر.
ويُستدل على ذلك بالقياس على الغضب المنصوص عليه في الحديث المتفق عليه عن أبي بكرة -رضي الله عنه- أن النبي ﷺ قال:
«لَا يَقْضِيَنَّ حَكَمٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ»
مما يدل على أن أي مشوش للفكر يؤثر على صحة الحكم والقضاء.
4. الأخذ بأقل ما قيل ومسألة انقسام الأمة
كما يتعرض الشيخ لمسألة الأخذ بأقل ما قيل في مسألة خلافية، ويوضح أن هذا لا يُعد تمسكًا بالإجماع. فمثلاً، إذا اختلف العلماء في دية الكتابي بين من قال كدية المسلم، ومن قال نصفها، ومن قال ثلثها، فإن التمسك بالثلث لا يعني أنه إجماع، بل هو مجرد أخذ بأحد الأقوال.
وفي سياق متصل، يتطرق الشيخ إلى مسألة انقسام الأمة إلى قسمين وكلاهما مخطئ. ويُحرر هذا المقام بثلاث حالات: أولاً، لا يجوز أن تجتمع الأمة على الخطأ في مسألة واحدة من وجه واحد، وهذا من دلائل عصمة الأمة من الضلالة. ثانيًا، يجوز أن يخطئ بعض الأمة في مسألة، ويخطئ بعضها الآخر في مسألة أخرى متباينة، وهذا واقع في اختلاف المذاهب. وثالثًا، الخلاف في المسألة الواحدة ذات الوجهين مع المنع من المراءاة، وهي مسألة اختلف فيها العلماء.
النقاط الرئيسية
- لا يجوز إحداث قول ثالث في المسائل التي استقر فيها إجماع الصحابة على قولين، لما في ذلك من خرق للإجماع الضمني.
- يُفرق بين القول الثالث الخارق للإجماع الكلي والمخالف له، وبين التفصيل الذي لا يخرق أصل الإجماع.
- الإجماع السكوتي يُعد حجة ظنية عند الجمهور بشروط محددة، منها علم الساكت بالقول، ومضي مهلة كافية، وأمنه من الضرر.
- يجوز أن يكون مستند الإجماع اجتهادًا أو قياسًا صحيحًا، وليس بالضرورة نصًا صريحًا من الكتاب والسنة.
- يُستدل على تحريم القضاء في حال التشويش الذهني (كالجوع والعطش الشديدين) قياسًا على الغضب المنصوص عليه في الحديث الشريف.
- الأمة الإسلامية لا تجتمع على ضلالة في مسألة واحدة من وجه واحد، وهذا من خصائصها المعصومة.
- الأخذ بأقل ما قيل في مسألة خلافية لا يُعد إجماعًا، ولا يمنع من الأخذ بالقول الآخر إذا كان له دليله.
الفوائد والعبر
- تعميق الفهم الفقهي: يكتسب المشاهد فهمًا أعمق لكيفية بناء الأحكام الشرعية والتعامل مع المسائل الخلافية في أصول الفقه.
- احترام الإجماع والاجتهاد: يتعلم المشاهد تقدير الإجماعات الشرعية وحدود الاجتهاد المعتبر، مما يرسخ لديه منهجية أهل السنة والجماعة.
- الوعي بضوابط الإفتاء والقضاء: يدرك أهمية صفاء الذهن وعدم وجود ما يشوش على القاضي أو المفتي عند استنباط الأحكام أو إصدار الفتاوى.
- التعامل مع الأقوال المستجدة: يكتسب المشاهد القدرة على تقييم الأقوال المستحدثة في المسائل الشرعية وتمييز ما يوافق الأصول عما يخالفها.
- الحرص على الوحدة المنهجية: يؤكد الدرس على أهمية التمسك بالأصول المجمع عليها وتجنب الشذوذ الفكري الذي قد يؤدي إلى الفرقة والاختلاف المذموم.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات