شرح مذكرة أصول الفقه للإمام الشنقيطي رَحِـمَـهُ الله الدرس《48》لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

265 مشاهدة
94 مشاركة
منذ سنتين
```html

المقدمة

يُعد علم أصول الفقه من أجلّ العلوم الشرعية وأعظمها نفعًا، فهو السراج الذي يُضيء للفقيه والمجتهد طريق استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية. وفي هذا الدرس الثمين، الدرس الثامن والأربعون من سلسلة شرح مذكرة أصول الفقه للإمام الشنقيطي رحمه الله، يأخذنا فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري في رحلة ماتعة لاستكشاف أحد أهم هذه الأصول: "الإجماع".

يهدف هذا الدرس إلى تعميق فهمنا لمفهوم الإجماع، لغةً واصطلاحًا، وبيان حجيته في التشريع الإسلامي، مع مناقشة مستفيضة لإمكانية وقوعه والرد على الشبهات المثارة حوله. ستتعرف على الفروقات الدقيقة بين أنواع الإجماع المختلفة، وكيف يُشكل هذا الأصل ركيزة أساسية في بناء الفقه الإسلامي، محافظًا على وحدة الأمة وتماسكها.

من خلال هذا الشرح الوافي، سيكتسب المشاهد القدرة على تقدير المنهجية الأصولية الرصينة، ويتعلم كيفية التعامل مع القضايا الفقهية التي تتطلب فهمًا عميقًا لمصادر التشريع. إنه دعوة للتأمل في عظمة هذا الدين وشمولية أحكامه، وكيف أن اتفاق العلماء يُعد صمام أمان للأمة من الانحراف والضلال، في ضوء الكتاب والسنة.

المحاور الرئيسية

1. تعريف الإجماع وأركانه

يبدأ الدرس بتوضيح المعنى اللغوي للإجماع، حيث يُطلق على معنيين أساسيين: الأول هو الاتفاق، والثاني هو العزم المصمم على أمر ما. ويُستدل على المعنى الثاني بقوله تعالى: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ﴾ [يونس: 71]، أي اعزموا وصمموا على أمركم.

أما التعريف الاصطلاحي للإجماع عند الأصوليين، فقد ذكره المؤلف ابن قدامة رحمه الله بأنه: "اتفاق علماء العصر من أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم على أمر من أمور الدين". وقد أضاف الشيخ الأثري قيودًا مهمة لهذا التعريف ليكون جامعًا مانعًا، وهي: أن يكون الاتفاق بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، لأن وجوده عليه الصلاة والسلام يلغي الحاجة إلى قول غيره، وأن يكون الاتفاق على أمر من أمور الدين، لا من أمور الدنيا البحتة.

ويُشدد الدرس على أن هذا الاتفاق يجب أن يكون من "العلماء"، وليس من الجهال أو العوام. فالعبرة بقول أهل العلم والاختصاص في الشريعة، فهم الذين يستنبطون الأحكام، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: 83].

2. إمكانية تحقق الإجماع والرد على المنكرين

يتناول الدرس مسألة هامة وهي هل يتصور وجود الإجماع؟ وقد اختار المؤلف ابن قدامة والجمهور أن وجود الإجماع ممكن ومتصور، وهو القول الصحيح الذي لا غبار عليه. ويأتي هذا الرأي خلافًا لمن قال باستحالة وقوع الإجماع بعد عصر الصحابة، بحجة انتشار العلماء في أقطار الدنيا وصعوبة الإحاطة بأقوالهم جميعًا.

يقدم الشيخ الأثري ردودًا قوية على هذه الشبهة، مستدلاً برحلات العلماء الأوائل كابن حبان وأبي حاتم الرازي، الذين جابوا الدنيا لجمع الأحاديث وتتبع الرواة، حتى من كان منهم عاميًا غير فقيه. فكيف يعقل أن يتمكنوا من حصر هؤلاء ولا يتمكنوا من حصر فقهاء وعلماء الأمة المعروفين؟

كما يُشير إلى أن الغالب على أهل العلم هو الحج أو العمرة ولو مرة في العمر، وهي مناسبة عظيمة لالتقاء العلماء ومناظرتهم وعرض علومهم. ويُعزز الشيخ هذا الرأي بواقعنا المعاصر، حيث أصبحت وسائل الاتصال الحديثة (الإنترنت، الهاتف) تجعل العالم كقرية صغيرة، مما يُسهّل معرفة أقوال العلماء، وإن كان التحدي الأكبر يكمن في تحديد من هو العالم الرباني حقًا.

3. حجية الإجماع وأنواعه

يؤكد الدرس أن الإجماع حجة قاطعة عند جمهور العلماء، وهو الأصل الثالث من أصول الاستنباط بعد الكتاب والسنة. ويُستثنى من ذلك رأي النظام، وهو من شياطين المتكلمين والمعتزلة، الذي خالف الجمهور وأنكر حجية الإجماع.

ويُفرق الشيخ بين نوعين من الإجماع: الإجماع القطعي والإجماع الظني. فالقطعي هو "القولي المشاهد أو المنقول بعدد التواتر"، أي الذي يُصرح به العلماء ويتفقون عليه، أو يُشاهد منهم فعلًا، أو يُنقل إلينا نقلًا متواترًا لا يدخله شك، كالإجماع على وجوب الصلاة وحرمة تركها. هذا النوع هو الذي يُفيد اليقين ويكون حجة قاطعة.

أما الإجماع الظني، فهو "السكوتي والمنقول بالآحاد". فالإجماع السكوتي هو أن يُفتي بعض العلماء في مسألة ويسكت الباقون دون إنكار، وهذا محل خلاف في حجيته. والإجماع المنقول بالآحاد هو ما يُنقل عن طريق آحاد الرواة، وهذا يُفيد الظن لا اليقين في أصله، إلا إذا احتفت به القرائن التي ترفعه إلى درجة اليقين، كما هو الحال في خبر الآحاد الذي يُفيد الظن في أصله، لكن القرائن قد تُعززه ليُفيد اليقين.

النقاط الرئيسية

  • الإجماع هو الأصل الثالث من أصول الفقه بعد الكتاب والسنة.
  • لغويًا، الإجماع يعني الاتفاق والعزم المصمم.
  • اصطلاحًا، هو اتفاق علماء الأمة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم على أمر من أمور الدين.
  • وجود الإجماع ممكن ومتصور عند جمهور العلماء، خلافًا لبعض المنكرين.
  • الإجماع حجة قاطعة عند جمهور الأصوليين، وليس مجرد رأي.
  • يُفرق بين الإجماع القطعي (المتواتر أو المشاهد) الذي يُفيد اليقين، والإجماع الظني (السكوتي أو المنقول بالآحاد) الذي يُفيد الظن في أصله.
  • خبر الآحاد يُفيد الظن في أصله، وقد يرتفع لليقين بوجود القرائن القوية.

الفوائد والعبر

  • تقدير المنهجية الأصولية: فهم عمق ودقة المنهج الذي اتبعه العلماء في استنباط الأحكام الشرعية.
  • التمييز بين مصادر التشريع: القدرة على التفريق بين الإجماع كدليل قطعي أو ظني، وفهم مراتب الأدلة.
  • أهمية العلماء الربانيين: إدراك الدور المحوري للعلماء في حفظ الشريعة وبيان أحكامها، وضرورة الرجوع إليهم.
  • وحدة الأمة: الإجماع يُعد عاملًا مهمًا في توحيد كلمة المسلمين وتجنب الفرقة في المسائل الشرعية.
  • التفكير النقدي: تعلم كيفية تقييم الأدلة والآراء المختلفة، وفهم أسباب الخلاف والاتفاق بين العلماء.
```
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات