شرح مذكرة أصول الفقه للإمام الشنقيطي رَحِـمَـهُ الله الدرس《27》لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

1,295 مشاهدة
316 مشاركة
منذ 3 سنوات
```html

شرح مذكرة أصول الفقه للإمام الشنقيطي رَحِـمَـهُ الله
الدرس 《28》لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري

المقدمة

يُعد علم أصول الفقه من أجلّ العلوم الشرعية وأساسها المتين، فبدونه لا يمكن للمسلم أن يستوعب أحكام الدين بصورة صحيحة ومستقيمة، ولا أن يفهم مراد الشارع الحكيم من نصوصه. إنه المنهج الذي يضبط عملية الاستنباط والاجتهاد، ويُحصّن الفهم من الزلل والانحراف.

وفي سياق هذا العلم الجليل، يُعد مبحث "النسخ" من أهم المباحث وأكثرها دقة وحساسية، إذ يتوقف عليه فهم تطور التشريع وحكمة الله في التدرج بالأحكام بما يتناسب مع أحوال الناس ومصالحهم. إن إدراك حقيقة النسخ وشروطه يقي من الوقوع في اللبس والخلط بين الأحكام، ويُمكن طالب العلم من التعامل السليم مع النصوص الشرعية التي قد تبدو متعارضة للوهلة الأولى.

في هذا الدرس الثمين، وهو الدرس الثامن والعشرون من شرح مذكرة أصول الفقه للإمام الشنقيطي رحمه الله، يقدم فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري شرحًا وافيًا لمبحث "النسخ"، مبرزًا معانيه اللغوية والشرعية، وموضحًا شروطه وأركانه، ومجيبًا عن الشبهات المثارة حوله، ليرسخ بذلك فهمًا عميقًا لهذا الأصل العظيم من أصول التشريع.

المحاور الرئيسية

1. مفهوم النسخ ودلالاته في القرآن الكريم

يبدأ الشيخ بتوضيح المعنى اللغوي للنسخ، حيث يطلق على الرفع والإزالة، كقولهم: "نسخت الشمس الظل" بمعنى أزالته، وعلى النقل والكتابة، كقولهم: "نسخت الكتاب" بمعنى نقلت ما فيه. هذه الدلالات اللغوية تمهد لفهم المعنى الشرعي الأعمق.

ثم ينتقل إلى بيان استخدامات لفظ "النسخ" في القرآن الكريم، حيث جاء على ثلاثة معانٍ رئيسية:

  • **الرفع والإزالة:** كما في قوله تعالى: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ [الحج: 52].
  • **النسخ الشرعي (رفع حكم بخطاب جديد):** كما في قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: 106].
  • **الكتابة والتدوين:** كما في قوله تعالى: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: 29]، وقوله: ﴿وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ﴾ [الأعراف: 154].

2. حقيقة النسخ الشرعي وشروطه

يعرف الشيخ النسخ الشرعي بأنه "رفع الحكم الثابت بخطاب متقدم بخطاب متراخٍ عنه". ويشرح هذا التعريف بكونه إزالة لحكم شرعي كان ثابتًا بدليل شرعي سابق، ليحل محله حكم شرعي آخر بدليل متأخر عنه. هذا يعني أن الحكم المنسوخ يجب أن يكون قد ثبت بدليل شرعي لا بالبراءة الأصلية، وأن الناسخ يجب أن يكون دليلاً شرعيًا متأخرًا عن المنسوخ.

يوضح الشيخ أن هذا التعريف يخرج ما ليس نسخًا، مثل رفع الحكم الثابت بالبراءة الأصلية (كإباحة الربا قبل تحريمه، ثم تحريمه)، أو تخصيص العام (كآية الحج التي خصصت العموم بـ "من استطاع إليه سبيلا")، أو بيان مدة الحكم، أو زوال التكليف عن غير المكلفين (كالجنون). هذه الفروقات الدقيقة ضرورية لتمييز النسخ عن غيره من الأحكام.

من الأمثلة الواضحة على النسخ الشرعي ما ورد في سورة الأنفال حول قتال المسلمين لأعدائهم، حيث كانت الآية الأولى توجب على العشرين الصابرين أن يغلبوا مائتين، ثم خفف الله الحكم في الآية اللاحقة ليصبح على المائة الصابرة أن تغلب مائتين.

**الآية:** ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [الأنفال: 65]

**الآية الناسخة:** ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: 66]

3. النسخ لا يستلزم البداء في حق الله تعالى

يُشدد الشيخ على نقطة عقدية مهمة وهي أن النسخ لا يلزم منه "البداء" في حق الله تعالى. والبداء هو ظهور شيء بعد خفائه، أو علم شيء بعد جهل، وهذا محال في حق الله تعالى الذي يعلم كل شيء أزلاً وأبدًا. إن نسبة البداء إلى الله تعالى هي عقيدة باطلة تنسب الجهل إلى الله، وهو سبحانه منزه عن كل نقص.

يوضح الشيخ أن الله سبحانه وتعالى يشرع الحكم الأول وهو يعلم أزلاً أنه سينسخه في وقت لاحق لانتهاء مصلحته، أو لتحقيق مصلحة أخرى أتم وأكمل. فالتدرج في التشريع والنقل من حكم إلى آخر إنما هو مظهر من مظاهر حكمته وعلمه المطلق، وليس دليلاً على تغير علمه أو ظهور شيء لم يكن يعلمه.

يستدل الشيخ بعدة أمثلة تاريخية وشرعية لتدعيم هذا المفهوم، منها تخفيف الصلوات من خمسين إلى خمس بعد أن أمر بها الله رسوله صلى الله عليه وسلم، وكذلك آية المحاسبة على ما في النفس التي نسخت بقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]، وأيضًا أمر الله لنبيه إبراهيم بذبح ابنه إسماعيل عليهما السلام، فكل هذه الأحكام صدرت من الله تعالى بعلم مسبق بما سيؤول إليه الأمر، وهذا يدل على كمال علمه وحكمته.

**الآية:** ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ * لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 285-286]

النقاط الرئيسية

  • النسخ لغةً هو الرفع والإزالة، وقد يأتي بمعنى النقل والكتابة.
  • للنسخ في القرآن الكريم ثلاثة معانٍ: الرفع والإزالة، رفع الحكم الشرعي بخطاب جديد، والكتابة.
  • النسخ الشرعي هو رفع حكم ثابت بدليل شرعي متقدم، بدليل شرعي متأخر عنه.
  • يختلف النسخ عن التخصيص (تضييق العام) وعن إثبات الأحكام الثابتة بالبراءة الأصلية.
  • النسخ لا يعني أن الله تعالى بدا له شيء لم يكن يعلمه (البداء)، بل هو مظهر من مظاهر علمه وحكمته المطلقة في تدرج التشريع.
  • من الأمثلة العملية للنسخ في الشريعة: تخفيف وجوب قتال الأعداء، وتخفيف عدد الصلوات، ورفع حكم المحاسبة على وساوس النفس.
  • فهم النسخ ضروري لتمييز الأحكام الشرعية العاملة من المنسوخة، وتجنب الخلط والخطأ في الاستدلال.

الفوائد والعبر

  • **فهم أعمق للشريعة:** يساعد هذا الدرس في استيعاب حكمة التدرج في التشريع ومرونة الإسلام في تكييف الأحكام لمصلحة العباد.
  • **تجنب الخلط في الأحكام:** يمكّن المشاهد من التمييز بين الأحكام المنسوخة والناسخة، مما يمنع الفتوى بغير علم والعمل بأحكام قد انتهى العمل بها.
  • **إدراك عظمة علم الله وحكمته:** يرسخ الإيمان بأن الله تعالى يشرع ما يشاء وهو عليم حكيم، ولا يلحقه البداء أو الجهل، بل كل تشريع صادر عن علم مطلق وحكمة بالغة.
  • **الاستدلال الصحيح بالنصوص:** يعلم كيفية التعامل مع النصوص الشرعية التي قد تبدو متعارضة، من خلال فهم مبدأ النسخ والجمع بين الأدلة أو ترجيح بعضها على بعض.
  • **تقدير جهود العلماء:** يبين أهمية علم أصول الفقه ودور العلماء في استنباط الأحكام وفهم مقاصد الشري
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات