شرح مذكرة أصول الفقه للإمام الشنقيطي رَحِـمَـهُ الله الدرس《34》لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
مقدمة
نقدم لكم الدرس الرابع والثلاثين ضمن سلسلة شرح "مذكرة أصول الفقه" للإمام العلامة محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله، والذي يقدمه فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري. هذه السلسلة تعد مرجعاً أساسياً لكل طالب علم يسعى لتعميق فهمه لقواعد استنباط الأحكام الشرعية.
في هذا الدرس الحيوي، يواصل الشيخ شرح مباحث النسخ، مركزاً على علاقة الإجماع والقياس به. يهدف الدرس إلى إيضاح الضوابط الشرعية لهذه الأصول المهمة، وكيفية التعامل معها في فهم النصوص الشرعية واستنباط الأحكام، مما يعزز الفهم الصحيح للشريعة الإسلامية ويحصن من الزلل في التفسير والاجتهاد.
سيتعلم المشاهدون في هذا الدرس متى يكون النسخ جائزاً، وما هي الأدلة التي يمكن أن يقع بها أو عليها النسخ، مع التركيز على آراء جمهور العلماء في المسائل الخلافية، وتقديم الأمثلة التوضيحية التي تعين على استيعاب هذه القواعد الأصولية العميقة.
المحاور الرئيسية
1. الإجماع بين النسخ والمنسوخ
يتناول الشيخ في هذا المحور مسألة الإجماع وعلاقته بالنسخ، مؤكداً على رأي جمهور العلماء بأن الإجماع لا ينسخ ولا يُنسخ به. ويعلل ذلك بأن الإجماع لا ينعقد إلا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وحينئذ يكون التشريع قد انقطع.
يوضح الشيخ أن الأمة لا يمكن أن تجتمع على ضلالة أو على ما يخالف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا من حفظ الله لدينه. وعليه، فإن الإجماع يكون كاشفاً عن حكم شرعي ثابت، لا محدثاً لحكم جديد يمكن أن ينسخ أو يُنسخ.
وقد عرف الشيخ الإجماع بقوله: "عرفوا الإجماع بأنه اتفاق أهل الحل والعقد أو اتفاق مجتهدي الأمة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم في عصر من العصور على مسألة من المسائل."
ويؤكد أن أي كلام يوهم النسخ بالإجماع، فإنما يراد به النسخ بالدليل الذي استند إليه الإجماع، وليس الإجماع ذاته.
2. القياس وأحكامه في باب النسخ
ينتقل الشيخ إلى مبحث القياس وعلاقته بالنسخ، مستعرضاً رأي الإمام الشنقيطي الذي قسّم القياس إلى قسمين: ما نص على علته فينسخ وينسخ به، وما لم ينص على علته فلا ينسخ ولا ينسخ به. إلا أن الشيخ يوضح أن جمهور العلماء يخالفون هذا الرأي.
ويبيّن الشيخ أن رأي الجمهور هو أن القياس لا ينسخ ولا ينسخ به، لأن القياس إنما يُعتبر فيما لا نص فيه. فإذا وُجد نص شرعي، فإن القياس المخالف له يكون "فاسد الاعتبار" ولا يُعتد به. وقد ذكر الشيخ مثال إبليس عليه لعنة الله كأول من قاس قياساً فاسد الاعتبار، عندما قال: "أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين."
ويُفصّل الشيخ في بطلان قياس إبليس، مبيناً أن النار ليست أفضل من الطين، وأن الأصل الأفضلية لا تستلزم أفضلية الفرع. وهذا يؤكد أن القياس لا يمكن أن يعارض نصاً صريحاً، وأنه لا يُعتبر في باب النسخ.
3. ضوابط النسخ في أصول الفقه
يؤكد الشيخ على القاعدة الأصولية المقررة بأن النسخ هو نوع من التشريع، وبما أن التشريع انقطع بوفاة النبي صلى الله عليه وسلم، فلا يمكن أن يقع نسخ بعد وفاته. وهذا يعني أن الأصول التي يقع بها النسخ قد تحددت وانتهت.
ويشير الشيخ إلى أن الأمثلة التي تُذكر أحياناً للنسخ بالقياس، هي أمثلة افتراضية ومقدرة وليست واقعية. وهذا ما أكده الشيخ بقوله: "اعلم أن القاعدة المقررة في الأصول أن المثال لا يُعترض لأن المراد منه إيضاح القاعدة، ولذا جاز المثال بالمفروض المقدر والمحتمل لا مثال صحيح."
ويشدد على أهمية التمييز بين ما هو جائز عقلاً وما هو واقع شرعاً، فليس كل ما يمكن تصوره عقلاً قد وقع فعلاً في الشريعة، خاصة في مسائل دقيقة كالنسخ.
النقاط الرئيسية
- الإجماع لا ينسخ ولا يُنسخ به، لأنه لا ينعقد إلا بعد انقطاع التشريع بوفاة النبي صلى الله عليه وسلم.
- الإجماع هو اتفاق مجتهدي الأمة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم على حكم شرعي.
- جمهور العلماء على أن القياس لا ينسخ ولا يُنسخ به، لأنه يُعتبر فقط فيما لا نص فيه.
- القياس الذي يعارض نصاً شرعياً صريحاً يُعد قياساً "فاسد الاعتبار" ولا يُلتفت إليه.
- مثال إبليس على قياس فاسد الاعتبار يوضح بطلان القياس إذا عارض نصاً أو حقيقة شرعية.
- النسخ نوع من التشريع، وقد انقطع بوفاة النبي صلى الله عليه وسلم، فلا نسخ بعد ذلك.
- الأمثلة التي تُذكر للنسخ بالقياس هي أمثلة افتراضية لا تدل على وقوعها شرعاً.
الفوائد والعبر
- ترسيخ الفهم الأصولي: فهم دقيق لضوابط النسخ والإجماع والقياس يعمق الاستيعاب الصحيح لمصادر التشريع الإسلامي.
- التمييز بين الأدلة: تعلم كيفية ترتيب الأدلة الشرعية وتقديم النص على القياس، والتعامل مع الإجماع ككاشف للحكم لا منشئ له.
- الحذر من البدع: إدراك أن التشريع قد اكتمل بوفاة النبي صلى الله عليه وسلم يقي من الزعم بوجود نسخ أو تشريع جديد بعده.
- النقد العلمي: تنمية القدرة على نقد الأمثلة الافتراضية وتمييزها عن الوقائع الشرعية الثابتة، والتحقق من صحة الاستدلال.
- حفظ الشريعة: هذه القواعد تحمي الشريعة من التحريف والتأويلات الباطلة، وتضمن بقاء الأحكام على ما أنزل الله.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات