شرح مذكرة أصول الفقه للإمام الشنقيطي رَحِـمَـهُ الله الدرس《26》لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

2,336 مشاهدة
262 مشاركة
منذ 3 سنوات
```html

مقدمة: فهم المحكم والمتشابه في كتاب الله

يُقدم فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري في هذا الدرس القيم، وهو الدرس السابع والعشرون ضمن سلسلة شرح "مذكرة أصول الفقه" للإمام الشنقيطي رحمه الله، موضوعًا جوهريًا في علوم القرآن وأصول الفقه: "المحكم والمتشابه". هذا الموضوع يُعد من أهم المباحث التي تُرسّخ الفهم الصحيح لكتاب الله، وتُعين على استنباط الأحكام والعقائد بسلامة، وتحمي المسلم من الزيغ والانحراف.

يهدف هذا الشرح إلى إيضاح المعاني المختلفة للمحكم والمتشابه كما وردت في القرآن الكريم، وبيان أقوال العلماء في تفسير هذه الآيات، مع التركيز على المنهج السليم للتعامل مع المتشابهات، خاصة ما يتعلق بصفات الله تعالى. كما يسعى الدرس إلى تحذير المسلمين من خطورة اتباع المتشابهات على غير هدى، مستعرضًا أمثلة تاريخية كقصة ابن عباس مع الخوارج، التي تُظهر كيف يمكن للجهل وسوء الفهم أن يؤدي إلى الضلال والفرقة.

إن الغوص في هذا المبحث يزود المشاهد بأدوات منهجية لفهم القرآن بعمق، ويُعزز لديه الإيمان والتسليم المطلق لله تعالى فيما استأثر بعلمه، ويُحصنه ضد الشبهات والتأويلات الباطلة، مما يجعله أكثر رسوخًا في دينه وأكثر وعيًا بتحديات العصر.

المحاور الرئيسية للدرس

1. المعاني المتعددة للمحكم والمتشابه في القرآن الكريم

يبدأ الدرس بتوضيح أن القرآن الكريم وصف نفسه بثلاثة أوصاف مختلفة فيما يتعلق بالمحكم والمتشابه، وهي لا تتعارض بل تتكامل لتصف جوانب مختلفة من طبيعة الكتاب العزيز. فبعض الآيات تدل على أن القرآن كله "محكم"، أي مُتقن ومُحكم بلا نقص ولا عيب، كما في قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾. وهذا يعني إتقانه وبلاغته وسلامته من أي خلل.

وآيات أخرى تدل على أن القرآن كله "متشابه"، بمعنى أن بعضه يشبه بعضًا في الإعجاز والصدق والعدل والسلامة من العيوب، كما في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ﴾. وهذا يشير إلى التناسق والانسجام بين أجزائه.

أما المعنى الثالث، وهو محور الدرس الأساسي، فيدل على أن في القرآن "محكمًا" و"متشابهًا" في آن واحد، كما في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾. وهنا تظهر أهمية التمييز بين هذه الأنواع، حيث تكون المحكمات واضحة المعنى، بينما المتشابهات تحتاج إلى تدبر خاص ومنهج سليم للتعامل معها.

2. أقوال العلماء في تأويل المتشابه وموقف الراسخين في العلم

يتناول الشيخ الخلاف الجوهري بين العلماء حول تأويل الآيات المتشابهات، وتحديدًا في فهم قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا﴾. يدور الخلاف حول الوقف عند لفظ الجلالة "إلا الله"؛ فمنهم من يرى أن الوقف تام هنا (الوقف اللازم)، وأن تأويل المتشابه لا يعلمه إلا الله وحده، وأن الراسخين في العلم يؤمنون به ويسلمون دون الخوض في كيفيته. هذا هو قول جمهور السلف وأكثر أهل العلم، وهو ما رجحه الإمام ابن قدامة والشيخ المحاضر.

ومنهم من يرى أن الواو في "والراسخون" واو عطف، وأن الراسخين في العلم يعلمون تأويل المتشابه أيضًا (الوقف الجائز). ويرى أصحاب هذا القول أن المتشابه هنا يعني الآيات التي قد يبدو فيها تعارض ظاهري، ولكن العلماء قادرون على الجمع بينها وتوضيح معناها الحقيقي، كآيات السؤال عن الذنوب يوم القيامة التي ظاهرها التعارض.

هناك قول ثالث يرى أن المتشابه هو القصص والأمثال التي تتشابه في معانيها ومغزاها. ويؤكد الشيخ أن الترجيح في هذا الباب هو أن المتشابه الذي استأثر الله بعلمه هو ما لا سبيل للخلق إلى معرفته على وجه التفصيل، خاصة فيما يتعلق بكيفية صفات الله تعالى.

3. المتشابه في صفات الله تعالى: بين المعنى والكيفية

يُفصل الدرس في مسألة المتشابه المتعلق بصفات الله تعالى، موضحًا أن الصحيح هو أن المتشابه هنا لا يطلق على الصفة نفسها، بل على "كيفية" اتصاف الله بها. فمعاني صفات الله معلومة في اللغة العربية، مثل الاستواء بمعنى العلو والارتفاع، واليد بمعنى اليد، والوجه بمعنى الوجه. هذه المعاني مفهومة للعرب، وليست من المتشابه بهذا الاعتبار.

أما الكيفية التي يتصف بها الله بهذه الصفات، فهذا هو ما استأثر الله بعلمه، وهو المتشابه الذي لا يعلمه إلا هو سبحانه. فكما قال الإمام مالك رحمه الله عندما سُئل عن الاستواء: "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة". هذا التفصيل ضروري جدًا لتصحيح الاعتقاد في الأسماء والصفات، وتجنب الوقوع في التشبيه أو التعطيل.

ويُشدد الشيخ على القاعدة الذهبية: "الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات"، فإذا كنا لا ندرك كيفية ذات الله، فمن باب أولى ألا ندرك كيفية صفاته. والهدف من مخاطبة الله لنا بما لا ندرك كيفيته هو امتحان لنا وتمحيص لإيماننا وتسليمنا لأمره.

4. التحذير من اتباع المتشابهات: قصة ابن عباس مع الخوارج

يُقدم الشيخ قصة عظيمة لابن عباس رضي الله عنه مع الخوارج، كنموذج عملي لخطورة اتباع المتشابهات وسوء تأويلها. فقد خرج الخوارج على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه مستدلين بآيات قرآنية فهموها على غير مراد الله، مثل قوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾، ليعترضوا على التحكيم بين علي ومعاوية.

وقد ناظرهم ابن عباس بحجج دامغة، فبيّن لهم أن الله حكم الرجال في قضايا أقل شأناً كإصلاح ذات البين بين الزوجين وفي جزاء الصيد، فكيف لا يحكمهم في دماء المسلمين؟ كما فند اعتراضهم على عدم سبي نساء المسلمين (مثل أم المؤمنين عائشة) بأنهم لو فعلوا لكفروا، وعلى مسح علي لصفة "أمير المؤمنين" من الصلح، مستدلاً بفعل النبي صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية.

تُظهر هذه القصة بوضوح أن اتباع المتشابهات دون فهم عميق وتأصيل علمي يؤدي إلى الضلال والخروج عن جماعة المسلمين، كما حذر النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف: «إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم». وهذا يؤكد أن كل طائفة ابتدعت في الدين، فإنما اعتمدت على فهم خاطئ للمتشابهات.

نقاط رئيسية من الدرس

  • القرآن الكريم وصف نفسه بأنه كله محكم (متقن)، وكله متشابه (متناسق)، وبه آيات محكمات وأخر متشابهات، ولا تعارض بين هذه الأوصاف.
  • المحكمات هي الآيات الواضحة البينة التي لا لبس فيها، وهي أصل الكتاب.
  • المتشابهات هي الآيات التي خفي معناها على بعض الناس، أو استأثر الله بعلم تأويلها.
  • القول الراجح أن المتشابه الذي استأثر الله بعلمه هو كيفية صفاته سبحانه وتعالى، لا أصل الصفة ومعناها اللغوي المعلوم.
  • الإمام مالك رحمه الله قال: "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة".
  • الكلام في صفات الله فرع عن الكلام في ذاته؛ فكما لا ندرك كيفية ذاته، لا ندرك كيفية صفاته.
  • اتباع المتشابهات على غير علم يقود إلى الزيغ والضلال والفرقة، كما حدث مع الخوارج في عهد علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
  • الإيمان بالمتشابه وتسليم أمره لله تعالى هو جزء من الابتلاء والاختبار الإيماني للمؤمنين.

الفوائد والعبر المستخلصة

  • تعزيز الإيمان والتسليم: فهم طبيعة المحكم والمتشابه يعمق الإيمان بقدرة الله وحكمته البالغة، ويدعو إلى التسليم المطلق لما استأثر الله بعلمه من الغيب وكيفيات صفاته، مما يرسخ عقيدة التفويض في الكيف دون تعطيل المعنى.
  • الحذر من البدع والانحراف: الوعي بخطورة اتباع المتشابهات على غير هدى، كما فعلت الفرق الضالة والخوارج، يحمي المسلم من الوقوع في التأويلات الباطلة والأفكار المنحرفة، ويبرز أهمية الرجوع إلى العلماء الراسخين في العلم.
  • فهم صحيح لعقيدة الأسماء والصفات: يوضح الدرس المنهج السليم لأهل السنة والجماعة في التعامل مع آيات الصفات، بتأكيد المعنى المعلوم في اللغة وتفويض الكيفية لله تعالى، مما يحفظ العقيدة من التشبيه والتعطيل والتحريف.
  • أهمية طلب العلم الشرعي الموثوق: يُبرز الدرس الحاجة الماسة للمسلم للعلم الشرعي الصحيح من مصادره الموثوقة لتمييز المحكم من المتشابه، والقدرة على الجمع بين النصوص، والرد على الشبهات، مستفيدًا من منهج الصحابة والتابعين في الفهم والاستدلال.
  • الوحدة والابتعاد عن الفرقة: قصة ابن عباس مع الخوارج تذكر بخطورة التسرع في التكفير والتبديع بناءً على فهم خاطئ للمتشابهات، وتدعو إلى التماسك والابتعاد عن أسباب الفرقة والاختلاف بين المسلمين.
```
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات