شرح مذكرة أصول الفقه للإمام الشنقيطي رَحِـمَـهُ الله الدرس《12》لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

2,138 مشاهدة
375 مشاركة
منذ 3 سنوات
```html

المقدمة

يُعد هذا الدرس الثاني عشر من سلسلة الشروحات القيمة لمذكرة أصول الفقه للإمام العلامة محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله، يقدمها فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري. تُسلط هذه السلسلة الضوء على أحد أهم فروع العلوم الشرعية، وهو أصول الفقه، الذي يمثل المنهجية العلمية لاستنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية.

يتناول هذا الدرس مسألة أصولية عميقة ومفصلية لها تأثيرات كبيرة على فهم الأحكام الشرعية وعلى مسائل العقيدة، وهي مسألة "هل الأمر بالشيء نهي عن ضده؟". يستعرض الشيخ الأقوال المختلفة في هذه المسألة، ويفصل في أدلتها، مع ربطها بقضية كلام الله سبحانه وتعالى، وهي من أهم مسائل العقيدة التي تباينت فيها آراء الفرق.

يهدف هذا الشرح إلى تبيان الحق في هذه المسألة الأصولية والعقدية، وتأصيل عقيدة أهل السنة والجماعة في كلام الله تعالى، وتحذير طلاب العلم من الانحرافات والبدع التي قد تتسلل من بعض المقولات الأصولية، مما يعزز الفهم الصحيح للشريعة ويحصن العقيدة من الشبهات.

المحاور الرئيسية

1. تقسيم النهي وأقسامه التمهيدية

يبدأ الدرس بالإشارة إلى ما انتهى إليه الدرس السابق من تقسيم النهي إلى ثلاثة أقسام رئيسية. هذه الأقسام هي: المنهي عنه لذاته، وما كان النهي عنه لوصف قائم به، وما كان النهي عنه لوصف خارج عنه. هذا التقسيم يمثل مدخلاً أساسياً لفهم طبيعة النهي وتأثيره على الفعل المنهي عنه، وهو ما يمهد لمناقشة المسألة الأصولية الكبرى حول علاقة الأمر بالنهي.

2. المسألة الأصولية الكبرى: هل الأمر بالشيء نهي عن ضده؟

هذا المحور هو جوهر الدرس، حيث يتناول الشيخ المسألة الشهيرة في أصول الفقه: هل الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضده، أو هو عينه، أو لا هذا ولا ذاك؟ يستعرض الشيخ ثلاثة أقوال رئيسية لأهل العلم في هذه المسألة:

  • **القول الأول:** أن الأمر بالشيء هو عين النهي عن ضده. وهذا قول جمهور المتكلمين والأشاعرة ومن تابعهم، ويؤسسونه على عقيدة "الكلام النفسي".
  • **القول الثاني:** أن الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضده وليس عينه.
  • **القول الثالث:** أن الأمر بالشيء ليس عينه ولا يستلزمه.

يفصل الشيخ في القول الأول بشكل خاص، مبيناً حجج أصحابه، والتي تدور حول أن المعنى النفسي للأمر بالسكون هو ذات المعنى النفسي للنهي عن الحركة، وأن الصيغ الكلامية مجرد دلالات على هذا المعنى الواحد.

3. ربط المسألة الأصولية بقضية كلام الله وعقيدة أهل السنة

يوضح الشيخ أن القول بأن الأمر بالشيء هو عين النهي عن ضده مبني أساساً على عقيدة "الكلام النفسي" التي يتبناها الأشاعرة وجمهور المتكلمين. هذه العقيدة تفترض أن كلام الله هو معنى قائم بذاته تعالى، مجرد عن الحرف والصوت، وأن ما نسمعه من القرآن والتوراة والإنجيل هو تعبير عن هذا المعنى النفسي، أو مخلوق في غيره.

يقوم الشيخ بالرد القوي على هذه العقيدة، مؤكداً أن الله سبحانه وتعالى يتكلم متى شاء وكيف شاء بصوت وحرف يليق بجلاله وعظمته، دون تشبيه بخلقه. يرى الشيخ أن القول بالكلام النفسي يؤدي إلى تعطيل صفة الكلام لله تعالى على الوجه اللائق به، ويفتح الباب لشبهات البدعة والضلال، ويخالف عقيدة أهل السنة والجماعة المستندة إلى الأدلة الشرعية.

4. شروط تطبيق قاعدة "الأمر بالشيء نهي عن ضده" (عند من يقول بها)

حتى على قول من يرى أن الأمر بالشيء نهي عن ضده، فإنهم يشترطون شروطاً لتطبيق هذه القاعدة. يذكر الشيخ شرطين أساسيين:

  • **أن يكون المأمور به معيناً:** أي غير مخير بين خصال، ككفارة اليمين التي فيها تخيير بين إطعام أو كسوة أو عتق، فلا يمكن القول هنا بأن الأمر بالإطعام نهي عن الكسوة أو العتق.
  • **أن يكون وقته مبايتاً:** أي له وقت محدد لا يتسع لضده، كالصلاة في أول وقتها لا يكون الأمر بها نهياً عن التلبس بضدها في ذلك الوقت، لأن الوقت موسع يجوز فيه التأخير.

يبين الشيخ أن هذه الشروط تضيّق من نطاق تطبيق القاعدة، وتدل على ضعفها في بعض الجوانب.

5. الرد على المخالفين وتأصيل عقيدة أهل السنة في كلام الله

يختتم الشيخ بالرد المفصل على القائلين بأن الأمر عين النهي عن ضده، مبيناً أن الأمر طلب لإيجاد شيء، والنهي طلب لعدم شيء، والإيجاد يختلف عن العدم. فهل وجود الشيء يستوي مع عدمه؟ هذا تساؤل بلاغي يوضح أن مفهوم الأمر والنهي متغايران في حقيقتهما.

يؤكد الشيخ على أن عقيدة أهل السنة والجماعة أن الله يتكلم متى شاء وكيف شاء بصوت وحرف يليق بجلاله وعظمته، وأن القول بخلاف ذلك هو قول محدث وبدعة. ويندد الشيخ بشدة بمن ينسب عقيدة الكلام النفسي إلى الصحابة الكرام، مؤكداً أن هذا كذب وافتراء عليهم.

النقاط الرئيسية

  • النهي ينقسم إلى ثلاثة أقسام: لذاته، لوصف قائم به، لوصف خارج عنه.
  • توجد ثلاثة أقوال رئيسية في مسألة: هل الأمر بالشيء نهي عن ضده؟ (عين النهي، يستلزم النهي، ليس عينه ولا يستلزمه).
  • القول بأن الأمر عين النهي عن ضده مبني على عقيدة "الكلام النفسي" للأشاعرة والمتكلمين، التي تصف كلام الله بأنه معنى قائم بذاته مجرد عن الحرف والصوت.
  • أهل السنة والجماعة يعتقدون أن الله تعالى يتكلم بصوت وحرف متى شاء وكيف شاء، بما يليق بجلاله وعظمته، وهذا خلاف عقيدة الكلام النفسي.
  • يشترط من يقول بأن الأمر بالشيء نهي عن ضده أن يكون المأمور به معيناً (غير مخيّر) وأن يكون وقته مبايتاً (غير موسع).
  • الأمر هو طلب لإيجاد شيء، والنهي هو طلب لعدم شيء، وهما متغايران في الحقيقة، فالوجود لا يستوي مع العدم.
  • تحذير شديد من نسبة عقائد البدعة والضلال، كالكلام النفسي، إلى الصحابة الكرام، وبيان بطلان ذلك.

الفوائد والعبر

  • **تعميق الفهم الأصولي:** يساعد الدرس في فهم دقة المسائل الأصولية وكيفية تناول العلماء لها، مما ينعكس على القدرة على استنباط الأحكام الشرعية.
  • **تحصين العقيدة الصحيحة:** يؤكد الدرس على أهمية التمسك بعقيدة أهل السنة والجماعة في صفات الله تعالى، وخاصة صفة الكلام، والتحذير من البدع والانحرافات.
  • **التمييز بين الأقوال والأدلة:** يعلم الدرس الطالب كيفية التفريق بين الأقوال المختلفة في المسائل العلمية، وكيفية نقدها بناءً على الأدلة الشرعية والعقلية السليمة.
  • **أهمية الربط بين العلوم:** يبرز الدرس العلاقة الوثيقة بين علم أصول الفقه وعلم العقيدة، وكيف أن بعض المسائل الأصولية لها جذور وتأثيرات عميقة في مسائل الاعتقاد.
  • **التحذير من الافتراء على السلف:** يعلم الدرس أهمية صيانة سمعة سلف الأمة، ويحذر من نسبة الأقوال الباطلة أو العقائد المنحرفة إليهم زوراً وبهتاناً.
```
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات