شرح كتاب " زاد المعاد " للإمام ابن القيم الجوزية (159) شرح فضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

3,795 مشاهدة
346 مشاركة
منذ 5 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس التاسع والخمسون بعد المائة من شرح كتاب «زاد المعاد في هدي خير العباد» للإمام العلامة ابن قيم الجوزية رحمه الله، ويشرحه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. وموضوعه ثبوت النسب وإلحاق الولد. وهذا الباب من أدق أبواب الفقه وأعظمها أثرًا، لأنه تترتب عليه أحكام كثيرة، منها الميراث والمحرمية والنفقة والولاية وصلة الأرحام.

افتتح الشيخ المجلس بخطبة الحاجة، ثم بدأ في كلام ابن القيم عن المسائل التي اختلف فيها الفقهاء: متى تصير الزوجة فراشًا؟ ومتى تصير الأمة فراشًا؟ وكيف يكون استلحاق الأب أو الورثة للنسب؟ وما الطرق التي يثبت بها النسب في الشريعة؟ وتوسّع الشيخ في الكلام على القيافة وحجيتها، وناقش اعتراضات الحنفية عليها وبيّن الجواب عنها.

يتعلّم المشاهد من هذا الدرس أقوال العلماء في الفراش وأدلتهم والراجح منها، وطرق إثبات النسب الأربعة، وحكم الاستلحاق وشروطه، وكيف أخذت السنة النبوية بالشبه والقيافة، وعناية الشريعة بحفظ الأنساب وصيانة الأعراض.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: بماذا تصير الزوجة فراشًا؟

ذكر ابن القيم رحمه الله أن الفقهاء اختلفوا في هذه المسألة على ثلاثة أقوال. القول الأول أنها تصير فراشًا بمجرد العقد، حتى لو عُلم أنه لم يجتمع بها، كأن يطلقها في مجلس العقد نفسه، وهذا قول أبي حنيفة. والقول الثاني أنها تصير فراشًا بالعقد مع إمكان الوطء، وهو مذهب الشافعي وأحمد.

والقول الثالث أنها لا تصير فراشًا إلا بالعقد مع الدخول المحقق، لا الدخول الممكن المشكوك فيه. وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وذكر ابن القيم أن الإمام أحمد أشار إليه في رواية حرب، فقد نص فيمن طلّق قبل البناء ثم أتت امرأته بولد فأنكره أنه ينتفي عنه بغير لعان.

ورجّح ابن القيم هذا القول الثالث. واحتج بأن أهل العرف واللغة لا يعدّون المرأة فراشًا قبل البناء بها، فكيف تأتي الشريعة بإلحاق النسب بمن لم يدخل بامرأته ولم يستمتع بها لمجرد إمكان ذلك؟ ومثّل لذلك بمن تزوج وهو في المشرق وزوجته في المغرب ولم يُعلم أنه اجتمع بها، فهذا الإمكان يُقطع عادةً بانتفائه.

المحور الثاني: بماذا تصير الأمة فراشًا، وحكم الاستلحاق

الأمة لا تصير فراشًا إلا بالوطء، وهذا قول جمهور العلماء. وحُكي عن بعض متأخري المالكية أن الأمة إذا اشتُريت للتسرّي لا للخدمة صارت فراشًا بنفس الشراء، والصحيح أنها لا تصير فراشًا إلا بالوطء.

ثم انتقل إلى الاستلحاق، وهو أن يُقرّ الرجل بأن هذا الولد ولده. والأصل في الاستلحاق أنه للأب. فإن كان الأب موجودًا لم يُؤثّر استلحاق غيره، وإن كان قد مات واستلحقه الورثة جميعًا ثبت النسب. وإن استلحقه بعض الورثة دون بعض لم يثبت النسب، إلا أن يكون المُقِرّ أحد شاهدين عدلين. وحكم الجد والأخ في ذلك واحد، والقاعدة عند أحمد والشافعي أن من حاز الميراث ثبت النسب بإقراره، واحدًا كان أو جماعة.

ثم بيّن الخلاف في تكييف هذا الإقرار. فعند أحمد والشافعي هو إقرار خلافة، أي أن الورثة يقومون فيه مقام الميت، فلا تُشترط فيهم العدالة. والمعروف من مذهب مالك أنه إقرار شهادة، فتُشترط فيه أهلية الشهادة. ومن أدلة الباب قصة عبد بن زمعة، فقد ألحق النبي ﷺ الولد بزمعة باستلحاق ابنه عبد، فصار أخًا لسودة رضي الله عنها مع أنها لم تُقرّ صراحة، فدلّ ذلك على صحة استلحاق الأخ.

ومن أصول هذه القصة قوله ﷺ: «هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ، الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ» (متفق عليه).

المحور الثالث: الطرق التي يثبت بها النسب

ذكر الشيخ أن النسب يثبت بأربعة طرق. الأول الفراش على التفصيل السابق. والثاني الاستلحاق، وهو من الأب، أو من الورثة بشرطه بعد موته. والثالث البيّنة، بأن يشهد شاهدان عدلان أن هذا ولده أو أنه وُلد على فراشه. والرابع القيافة، وهي معرفة الأنساب بالشبه، وقد ثبتت بالسنة الصحيحة.

والقائف رجل عنده خبرة يعرف بها الشبه بين الناس، ويستدل بالأقدام والأعضاء على القرابة. واشتهر بهذه الخبرة بعض قبائل العرب كبني مدلج. وقد يرى أحد الناس شخصًا فيعرف من ملامحه أنه من بني فلان، وذكر الشيخ في ذلك موقفًا من واقع الناس.

المحور الرابع: حجية القيافة من السنة وعمل الصحابة

من أصرح الأدلة على القيافة حديث عائشة رضي الله عنها قالت: دخل عليَّ رسول الله ﷺ مسرورًا تبرق أسارير وجهه فقال: «أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ مُجَزِّزًا نَظَرَ آنِفًا إِلَى زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ فَقَالَ: إِنَّ بَعْضَ هَذِهِ الْأَقْدَامِ لَمِنْ بَعْضٍ» (متفق عليه). وكان زيد أبيض اللون وأسامة أسود، فطعن بعض الناس في نسبه، فلما شهد القائف بأنهما من بعض سُرّ بذلك النبي ﷺ. ولو كانت القيافة من باب الكهانة لما سُرّ بها ﷺ، فقد صحّ عنه وعيد من صدّق الكهان.

واعتبر النبي ﷺ الشبه في ولد الملاعنة، فقال: «أَبْصِرُوهَا، فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَكْحَلَ الْعَيْنَيْنِ، سَابِغَ الْأَلْيَتَيْنِ، خَدَلَّجَ السَّاقَيْنِ، فَهُوَ لِشَرِيكِ ابْنِ سَحْمَاءَ»، فلما جاءت به على الشبه المكروه قال: «لَوْلَا الْأَيْمَانُ لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ». فبيّن أن الشبه دليل معتبر، وأنه لم يُعمل به هنا لوجود ما هو أقوى منه، وهو اللعان.

واعتبر ﷺ الشبه سببًا كونيًّا كذلك لما سُئل عن احتلام المرأة، فقال: «نَعَمْ، فَمِنْ أَيْنَ يَكُونُ الشَّبَهُ؟» (رواه مسلم). وأخبر أن الشبه يكون بحسب سبق الماء. وحكم عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالقيافة بمحضر من المهاجرين والأنصار ولم يُنكر عليه أحد، فكان ذلك كالإجماع منهم. وجاء عنه في رجلين وقعا على امرأة في طهر واحد أن القائف قال: قد اشتركا فيه جميعًا.

المحور الخامس: اعتراضات الحنفية على القيافة والجواب عنها

قال الحنفية إن القيافة قائمة على الحدس والتخمين، وإن الشبه قد يقع بين الأجانب وينتفي بين الأقارب. وقالوا إن سرور النبي ﷺ بقول مجزز إنما كان لأن قوله وافق نسبًا ثابتًا بالفراش، فكان فيه ردّ على من طعن في نسب أسامة، لا لأن النسب ثبت بالقيافة. واحتجوا كذلك بأن النبي ﷺ لم يُلحق ولد الملاعنة بشبهه.

وأجاب أهل العلم بأن النبي ﷺ لا يُسرّ بباطل ولا يُقرّ عليه، ولو كانت القيافة من جنس الكهانة لأنكرها. وأما ترك العمل بالشبه في ولد الملاعنة فلأن اللعان أقوى منه، والدليل الضعيف يُترك إذا عارضه ما هو أقوى منه، ولا يعني ذلك إلغاءه بالكلية. ونبّه الشيخ على أن الإنصاف يقتضي اتباع الدليل وعدم التعصب للمذهب.

النقاط الرئيسية

  • اختلف العلماء فيما تصير به الزوجة فراشًا على ثلاثة أقوال: بمجرد العقد، أو بالعقد مع إمكان الوطء، أو بالعقد مع الدخول المحقق.
  • الراجح عند ابن القيم وشيخه ابن تيمية أن الزوجة لا تصير فراشًا إلا بالدخول المحقق، وهو قول يوافق العرف واللغة.
  • الأمة لا تصير فراشًا إلا بالوطء على الصحيح، ولا تصير فراشًا بمجرد الشراء.
  • الاستلحاق في الأصل حق للأب، فإن مات قام الورثة الحائزون للميراث مقامه في إثبات النسب.
  • عند أحمد والشافعي أن إقرار الورثة بالنسب إقرار خلافة لا تُشترط فيه العدالة، وعند المالكية أنه شهادة تُشترط فيها شروطها.
  • يثبت النسب بأربعة طرق: الفراش، والاستلحاق، والبيّنة، والقيافة.
  • القيافة حجة شرعية ثابتة بحديث مجزز المدلجي وبقضاء عمر رضي الله عنه، وقد تُقدَّم عليها أدلة أقوى منها كاللعان.

الفوائد والعبر

  • اعتنت الشريعة بحفظ الأنساب، ولذلك ينبغي للمسلم أن يحذر من الطعن في أنساب الناس أو قذفهم بغير بيّنة.
  • أحكام الشريعة تجري على الحقائق والعادات المعتبرة، لا على الاحتمالات البعيدة التي تخالف العقل والواقع.
  • سرور النبي ﷺ بقول مجزز يدل على أنه يُستحب للمسلم أن يفرح بما يدفع التهمة عن أعراض المسلمين ويُبطل كلام الطاعنين فيهم.
  • طالب العلم يتعلّم من هذا الدرس منهج الترجيح، وهو أن يُقدّم الدليل الأقوى، ويُعمل بالدليل الأضعف ما لم يعارضه ما هو أقوى منه.
  • ينبغي اتباع الدليل الصحيح وترك التعصب للمذاهب، مع احترام أقوال الأئمة ومعرفة أدلتهم ومآخذهم.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات