شرح كتاب " زاد المعاد " للإمام ابن القيم الجوزية (149) شرح فضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو المجلس التاسع والأربعون بعد المئة من مجالس شرح كتاب «زاد المعاد في هدي خير العباد» للإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله، ويشرحه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. عُقد المجلس بعد صلاة المغرب ليلة التاسع والعشرين من جمادى الآخرة سنة 1440هـ، الموافق للسادس من مارس سنة 2019م. ويتناول مسألة كبيرة من مسائل الطلاق اشتد فيها الخلاف بين أهل العلم، وهي: هل يقع الطلاق المحرّم، وهو طلاق الحائض وطلاق المرأة في طهر جامعها فيه؟
يعرض الشيخ حجة ابن القيم في نصرة القول بعدم وقوع هذا الطلاق، ويرتبها على ثلاثة مقامات: إبطال دعوى الإجماع، وبيان أن قول الجمهور ليس حجة بذاته، وبيان أن الطلاق المحرّم لا يدخل في نصوص الطلاق المطلقة. ثم ينتقل إلى الكلام على ألفاظ حديث ابن عمر رضي الله عنهما وطرقه واختلافها، وعلى الآثار المروية عن الصحابة. ويعلّق الشيخ على هذه الحجج تعليق المنصف، فيذكر ما يُسلَّم منها وما يُتعقَّب، ويقرر أن قول جمهور السلف والخلف وقوعُ هذا الطلاق.
ويهدف الدرس إلى أن يتعلم طالب العلم كيف تُحرَّر مسائل الخلاف، وما الفرق بين الإجماع القطعي وقول الجمهور، وكيف يُوزن تعارض الروايات وتعارض رواية الصحابي مع رأيه. ويعرض كذلك نموذجًا من الجدل العلمي الشرعي عند ابن القيم، مع بيان مواضع إصابته ومواضع خطئه رحمه الله.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: أنواع الطلاق وموضع النزاع
بدأ الشيخ بتقسيم الطلاق إلى ثلاثة أنواع:
- طلاق المعقود عليها التي لم يُدخل بها، وهذا يقع في الحيض وفي الطهر لأنه لم يدخل بها.
- الطلاق في طهر لم يجامعها فيه أو في حمل مستبين، وهذا يقع باتفاق.
- الطلاق الذي وقع فيه الخلاف، وهو طلاق الثلاث في مجلس واحد، والطلاق في طهر جامعها فيه، والطلاق وهي حائض.
ثم ذكر قول المانعين من وقوعه، الذين نصرهم ابن القيم، فقد قالوا لمخالفيهم: الكلام معكم في ثلاثة مقامات، فإذا ثبتت كنا أسعد بالصواب منكم في هذه المسألة.
أما المقام الثالث فمبناه أن الطلاق الذي رتّب الشرع عليه أحكامه هو الطلاق المأذون فيه، كما في قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: 229]، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1].
المحور الثاني: الإجماع وقول الجمهور
في المقام الأول قرر ابن القيم بطلان دعوى الإجماع على وقوع الطلاق في الحيض، لأن النزاع في المسألة منقول. والإجماع الذي تقوم به الحجة وتحرم معه المخالفة هو الإجماع القطعي المعلوم، ولا يوجد مثله في هذه المسألة. وعلّق الشيخ بأن الصحيح أنه قول الجمهور، وأما دعوى الإجماع القطعي فلا تثبت.
وفي المقام الثاني قرر أن فتوى الجمهور لا تدل بذاتها على الصحة، لأن العبرة بالدليل لا بكثرة القائلين. فمن تتبع أقوال العلماء من عهد الصحابة إلى اليوم وجدهم مجمعين على تسويغ مخالفة الجمهور، وما من إمام إلا وله أقوال انفرد بها عنهم.
وأضاف الشيخ ضابطًا مهمًا: قول من خالف الجمهور يكون حقًا إذا كان معه الدليل الصريح. أما إذا لم يوجد إلا دليل محتمل فقول الجمهور أولى. ومحل تسويغ الخلاف المسائل الاجتهادية التي لا تدفعها سنة صحيحة صريحة، فإن خالف القول السنة الصريحة كان باطلًا متفقًا على إنكاره.
المحور الثالث: هل يدخل الطلاق المحرّم في عموم نصوص الطلاق؟
ردّ ابن القيم على من أدخل الطلاق المحرّم في عموم قوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 241]، وقوله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 228]. وأورد عليهم البيع المحرّم والنكاح المحرّم: لو ادّعى مدّعٍ دخولهما تحت ألفاظ البيع والنكاح لكان قوله معلوم الفساد. ورأى أن جعل محل النزاع مقدمةً في الدليل مصادرةٌ على المطلوب.
وتعقّبه الشيخ بأن البيوع المحرمة والأنكحة المحرمة قد جاءت في بطلانها نصوص واضحة صريحة، بخلاف الطلاق في الحيض، فهذا قياس فيه إلزام بما لا يلزم. وكذلك العبادات توقيفية، والطلاق ليس عبادة يُتعبَّد بها. ونبّه الشيخ إلى أن كثيرًا من هذا الكلام من باب الجدل الشرعي، وأن ابن القيم لو كان عنده دليل صريح لصرّح به.
ومن المسائل المتصلة بذلك قياسهم على الظهار. فالظهار لا ينقسم إلى حلال وحرام، لأنه كله ﴿مُنكَرًا مِّنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ [المجادلة: 2]، ومع تحريمه تترتب عليه آثاره، كالقذف تترتب عليه آثاره مع تحريمه. أما الطلاق فرأى ابن القيم إلحاقه بالعقود المنقسمة إلى صحيح وباطل كالنكاح والبيع، وبيّن الشيخ وجوه الفرق بين النكاح والطلاق، فالنكاح يُشترط فيه الولي والشاهدان، والطلاق لا يُشترط فيه ذلك.
المحور الرابع: حديث ابن عمر رضي الله عنهما واختلاف ألفاظه
استدل المانعون برواية أبي الزبير عن ابن عمر: «فَرَدَّهَا عَلَيَّ وَلَمْ يَرَهَا شَيْئًا»، وعدّوها صحيحة صريحة. وأورد الشيخ على هذه الرواية أن أبا الزبير خالف فيها غيره من الرواة. ولفظ «لم يرها شيئًا» يحتمل معاني أخرى، كأن يكون المعنى: لم يرها شيئًا مستقيمًا، أو لم يرها على السنة. واللفظ المحفوظ قوله صلى الله عليه وسلم: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا»، والمراجعة لا تكون إلا بعد طلاق.
ثم تكلم ابن القيم على الزيادات الأخرى في الحديث. فقال إن لفظ «وهي واحدة» في رواية ابن أبي ذئب لو ثبت من كلام النبي صلى الله عليه وسلم لما قدّم عليه شيئًا، لكنه رآه مدرجًا من كلام من دون ابن عمر. وكذلك لفظ «فحُسبت عليه تطليقة»، قال إنه لا يُعرف من الذي حسبها. وتعقّبه الشيخ بأن نافعًا أخذ ذلك عن سيده ابن عمر، وأن ابن عمر لم يحسبها إلا بأمر النبي صلى الله عليه وسلم. ونقل الشيخ تأثر ابن القيم بشيخه ابن تيمية في هذه المسألة.
ومن ذلك أيضًا قول ابن عمر: «أَرَأَيْتَ إِنْ عَجَزَ وَاسْتَحْمَقَ». وبيّن الشيخ أن هذا ليس رأيًا مجردًا كما قيل، بل هو من باب الإنكار على السائل الذي يستبعد وقوع الطلقة.
المحور الخامس: نقد الآثار، والرواية مقدَّمة على الرأي، وحقيقة الطلاق
حكم ابن القيم على حديث أنس رضي الله عنه: «من طلّق في بدعة ألزمناه بدعته» بأنه حديث باطل. ففي إسناده إسماعيل بن أمية الذارع، وتفرّد به عبد الباقي بن قانع، وقد تكلم فيه البرقاني والدارقطني لاختلاطه. وكذلك الآثار المروية في الإفتاء بالوقوع عن عثمان بن عفان وزيد بن ثابت رضي الله عنهما، ففي أسانيدها كذّاب ومجاهيل.
وقرر قاعدة: إذا خالف الصحابيُّ ما رواه قُدّمت روايته على رأيه، لأن الرواية معصومة لكونها عن المعصوم صلى الله عليه وسلم، والرأي ليس كذلك. ومثّل لذلك بابن عباس رضي الله عنهما، فقد روى حديث بريرة وتخييرها لما أُعتقت، وأن بيع الأمة ليس طلاقًا لها، ثم أفتى بخلافه، فأخذ الناس بروايته وتركوا رأيه.
ثم تكلم على طلاق الهازل، وفيه حديث: «ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: النِّكَاحُ وَالطَّلَاقُ وَالرَّجْعَةُ». فرأى ابن القيم أن طلاق الهازل وقع لأنه صادف محلًا، وهو طهر لم يجامع فيه. وأورد عليه الشيخ أنه إذا وقع طلاق الهازل وهو لم يقصد، فوقوع طلاق القاصد أولى، حتى لو كانت حائضًا.
وأما القول بأن الطلاق قد يكون من أكبر النعم، فقرر الشيخ أن الحكم للأغلب لا للأقل، والغالب في الطلاق أنه نقمة على البيوت والأولاد. ولذلك تجد الناس بعد الطلقة الثالثة يبحثون عن أي مخرج. ومع ذلك فهو مباح، لقوله تعالى: ﴿لَّا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [البقرة: 236]، وفي إباحته حكمة إلهية.
النقاط الرئيسية
- طلاق غير المدخول بها يقع في الحيض والطهر، والطلاق في طهر لم يجامع فيه أو في حمل مستبين يقع باتفاق، والخلاف في الطلاق في الحيض، وفي طهر جامع فيه، وفي الثلاث بلفظ واحد.
- الإجماع الذي تقوم به الحجة هو الإجماع القطعي المعلوم، وأما وقوع طلاق الحائض فهو قول الجمهور لا إجماع قطعي.
- قول الجمهور ليس حجة بذاته، والعبرة بالدليل. لكن إذا لم يكن مع المخالف إلا دليل محتمل فقول الجمهور أولى.
- قوله صلى الله عليه وسلم: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا» من أقوى ما يدل على وقوع الطلقة، لأن المراجعة لا تكون إلا بعد طلاق.
- لا يجوز أن يُنسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ما لا يُتيقَّن أنه من كلامه، والألفاظ المدرجة تُميَّز عن المرفوع.
- إذا خالف الصحابي روايته قُدّمت الرواية على رأيه، كما في حديث بريرة الذي رواه ابن عباس وأفتى بخلافه.
- الأحكام تُبنى على الغالب لا على النادر، والغالب في الطلاق أنه نقمة وإن كان مباحًا.
الفوائد والعبر
- يحرص المسلم على أن يكون طلاقه، إن احتاج إليه، على السنة: طلقة واحدة في طهر لم يجامع فيه، ويبتعد عن الطلاق في الحيض وعن الطلاق بالثلاث.
- ينصف طالب العلم الأئمة، فيعرف قدر ابن القيم وعلمه، ويعلم أنه قد يخطئ، فيُؤخذ من قوله ويُترك بحسب الدليل.
- يفرّق المتعلم بين الإجماع القطعي وقول الجمهور، ويعرف متى يسوغ الخلاف ومتى يكون القول المخالف للسنة الصريحة باطلًا.
- يتثبت المسلم فيما ينسبه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا ينسب إليه شيئًا بالوهم والاحتمال، لأن الأحكام تترتب على ذلك.
- الطلاق أمر عظيم الأثر على البيوت والأولاد، فلا يُستعجل فيه، بل يُصبر ويُعالج الخلاف بالحكمة قبل أن يندم الإنسان حين لا ينفعه الندم.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات