شرح كتاب " زاد المعاد " للإمام ابن القيم الجوزية (174) شرح فضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو المجلس الرابع والسبعون بعد المائة من شرح كتاب «زاد المعاد في هدي خير العباد» للإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله، يشرحه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. وموضوع المجلس هديُ النبي ﷺ وقضاؤه في إحداد المرأة، وهو بابٌ من أبواب العِدَد تحتاج إليه كل امرأة مسلمة، ويحتاج إليه من يتولى أمرها، لأنه يتصل بأحكام تُطبَّق في أشد ساعات الحزن وفقد الأحبة.
يتناول الدرس الأحاديث الصحيحة الواردة في الإحداد، ويبين الفرق بين الإحداد على الزوج والإحداد على غيره من الأقارب، ويوضح من يجب عليها الإحداد ومن لا يجب عليها. ثم يعرض حكمة الشريعة في هذه العبادة، ويفصّل الخصال التي يجب على الحادّة اجتنابها، كالطيب والزينة والكحل والحناء والثياب المصبوغة للتجمّل.
ويخرج المشاهد من هذا المجلس بتصور واضح لأحكام الإحداد مبني على الدليل. ويرى فيه كيف رفع الإسلام عن المرأة ما كانت تعانيه في الجاهلية من شدة وقسوة، وكيف عظّم في الوقت نفسه شأن عقد النكاح ورعى حقّ الزوج.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: مشروعية الإحداد ومدته بين الزوج وغيره
يبدأ الشيخ بالأحاديث الصحيحة التي أوردها ابن القيم، ومنها حديث أم حبيبة وزينب بنت جحش رضي الله عنهما. فقد أحدّت أم حبيبة على أبيها أبي سفيان، فدعت بطيب ومسّت به بعد ثلاثة أيام، وبيّنت أنها لا حاجة لها بالطيب، وإنما أرادت امتثال قول النبي ﷺ.
وتدل هذه النصوص على أن للمرأة أن تُحدّ على قريبها الميت ثلاثة أيام فقط، وأن ذلك مباح لها وليس بواجب. أما الإحداد على الزوج فواجب، ومدته أربعة أشهر وعشرة أيام، أو حتى تضع حملها إن كانت حاملًا. ونبّه الشيخ على أن هذه الزيادة في حق الزوج دليلٌ على عِظَم حقه وعلى مكانة رابطة النكاح.
واستطرد الشيخ في تصحيح فهمٍ خاطئ عند بعض الناس، فبيّن أن تقديم حق الزوج في هذا الباب لا يعني إسقاط حق الوالدين ولا التهوين من برهما. فلكلٍّ منهما حقٌّ في موضعه، والشريعة توازن بين الحقوق.
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: 234].
وقال رسول الله ﷺ: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا» [متفق عليه].
المحور الثاني: رحمة الإسلام بالمرأة مقارنةً بحالها في الجاهلية
شرح الشيخ حديث المرأة التي توفي عنها زوجها فاشتكت عينها، فاستأذن أهلها النبيَّ ﷺ في أن تكتحل، فلم يأذن لها. ثم ذكّرهم بما كانت عليه المرأة في الجاهلية: إذا مات زوجها دخلت بيتًا صغيرًا ضيّقًا يُسمّى «الحِفش»، ولبست شرّ ثيابها، ولم تمسّ طيبًا سنة كاملة. فإذا انقضت السنة أُتيت بدابة أو طائر فتفتضّ به، أي تمسح به جلدها، ثم تخرج فتُعطى بعرةً فترمي بها.
فجاء الإسلام فقصّر المدة من سنة إلى أربعة أشهر وعشر، ورفع عن المرأة تلك العادات المهينة، وأبقى من الإحداد ما فيه وفاءٌ للزوج وتعظيمٌ لعقد النكاح. فما جاءت به الشريعة في هذا الباب يسير إذا قورن بما كان قبلها.
قال ﷺ: «إِنَّمَا هِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ، وَقَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ» [متفق عليه].
المحور الثالث: من يجب عليها الإحداد ومن لا يجب عليها
نقل الشيخ عن ابن القيم أن الإحداد يجب عند الجمهور على كل امرأة توفي عنها زوجها، مسلمةً كانت أو كتابية، حرةً أو أمة، صغيرةً أو كبيرة. وخالف أبو حنيفة رحمه الله في الذمية والصغيرة، واحتج بقوله ﷺ: «تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ». وأجاب الجمهور بأن هذا القيد خرج مخرج التهييج على الامتثال، وليس قيدًا يُخرج غير المؤمنة من الحكم.
وبيّن أن الكتابية إذا كانت تحت مسلم لزمها الإحداد، لأنه من حقوق الزوج المسلم وأحكام العدة منه. وكذلك إذا تحاكم أهل الذمة إلينا حكمنا فيهم بشرع الله. أما الأمة وأم الولد إذا مات سيدها فلا إحداد عليها، لأنه ليس بزوج.
ثم تكلم عن المعتدة من وطء شبهة، وعن المبتوتة. ورجّح ابن القيم أن السنة إنما دلّت على وجوب الإحداد على المتوفى عنها زوجها خاصة، وأن الإحداد على غير الزوج جائز وليس بفرض. وردّ قياس المبتوتة على المتوفى عنها لظهور الفرق بينهما.
المحور الرابع: حكمة الإحداد ومقصوده
قرر ابن القيم أن المقصود من الإحداد على الزوج ليس مجرد التحقق من براءة الرحم. فلو كان كذلك لما وجبت العدة على من مات زوجها قبل الدخول بها. وإنما المقصود تعظيم عقد النكاح وإظهار خطره وشرفه عند الله تعالى.
ولهذا جُعلت العدة حريمًا للنكاح وتتمةً له، وجُعل الإحداد من تمام العدة ومكمّلاتها. وشُرع للمرأة أن تُظهر فيه وفاءها لزوجها، وأن تنقطع عن أسباب الزينة التي تدعو إلى النكاح، صيانةً لحق الزوج الأول وسدًّا لذريعة التطلع إلى غيره قبل انقضاء العدة.
المحور الخامس: الخصال التي تجتنبها الحادّة
ذكر ابن القيم أن الأمور التي تجتنبها الحادّة أربعة. أولها الطيب بجميع أنواعه، كالمسك والعنبر والعود والزباد والبخور، والأدهان المطيّبة كدهن الورد والبنفسج والياسمين، وكماء الورد وماء زهر النارنج. أما الأدهان غير المطيّبة، كزيت الزيتون ودهن السمسم، فلا تُمنع منها لأنها ليست طيبًا. ويُستثنى من الطيب ما رخّص فيه النبي ﷺ عند الطهر من الحيض، وهو شيء يسير من القسط أو الأظفار تتبع به أثر الدم لإزالة الرائحة، لا للتطيّب.
وثانيها الزينة في البدن، كالخضاب بالحناء، والكحل، والتطريف، أي تلوين أطراف الأصابع. ويدخل في ذلك الصبر إذا كان على الوجه نهارًا، فقد أرشد النبي ﷺ أم سلمة رضي الله عنها إلى أن تجعله بالليل وتنزعه بالنهار، وأن تمتشط بالسدر بدل الطيب والحناء. وثالثها الثياب المصبوغة للزينة، كالمعصفر والمُمَشَّق، إلا ثوب العَصْب، وهو ثوب يمني يُصبغ غزله قبل نسجه. ورابعها الحُليّ بأنواعه.
عن أم عطية رضي الله عنها أن رسول الله ﷺ قال: «لَا تُحِدُّ امْرَأَةٌ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، وَلَا تَلْبَسُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا إِلَّا ثَوْبَ عَصْبٍ، وَلَا تَكْتَحِلُ، وَلَا تَمَسُّ طِيبًا، إِلَّا إِذَا طَهُرَتْ نُبْذَةً مِنْ قُسْطٍ أَوْ أَظْفَارٍ» [متفق عليه].
وعن أم سلمة رضي الله عنها عن النبي ﷺ قال: «الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا لَا تَلْبَسُ الْمُعَصْفَرَ مِنَ الثِّيَابِ، وَلَا الْمُمَشَّقَةَ، وَلَا الْحُلِيَّ، وَلَا تَخْتَضِبُ، وَلَا تَكْتَحِلُ» [رواه أبو داود].
النقاط الرئيسية
- الإحداد على الزوج واجب، ومدته أربعة أشهر وعشر، أو حتى وضع الحمل للحامل.
- الإحداد على غير الزوج من الأقارب جائز ثلاثة أيام فقط، وليس بواجب، ولا تجوز الزيادة عليها.
- يجب الإحداد عند الجمهور على كل متوفى عنها زوجها: المسلمة والكتابية، والحرة والأمة، والصغيرة والكبيرة.
- لا إحداد على الأمة ولا أم الولد إذا مات سيدها، والراجح عند ابن القيم اختصاص الإحداد الواجب بالمتوفى عنها زوجها.
- حكمة الإحداد تعظيم عقد النكاح والوفاء للزوج، وليست مجرد التحقق من براءة الرحم.
- تجتنب الحادّة أربعة أمور: الطيب، والزينة في البدن كالكحل والحناء، والثياب المصبوغة للزينة، والحُليّ.
- رفع الإسلام عن المرأة ما كانت تلقاه في الجاهلية من شدة الإحداد ومهانته، وخفّف مدته من سنة إلى أربعة أشهر وعشر.
الفوائد والعبر
- أن تتعلم المرأة المسلمة أحكام الإحداد قبل أن تحتاج إليها، حتى تؤدي هذه العبادة على وجهها الصحيح وقت المصيبة.
- الامتثال لأمر النبي ﷺ ولو خالف رغبة النفس، كما فعلت أم حبيبة رضي الله عنها حين مسّت الطيب بعد ثلاث امتثالًا للسنة لا حاجةً إليه.
- الوقوف عند حدود الشرع في الحزن، فلا يُزاد على ما شرعه الله، ولا يُتّخذ الحزن على الأموات عادةً تخالف السنة.
- أن الأحكام الشرعية تجمع بين الرحمة والتيسير ورعاية الحقوق، فيُرخَّص للحادّة فيما تدعو إليه الحاجة، كالسدر للامتشاط، والصبر بالليل للتداوي.
- معرفة قدر عقد الزواج ومكانته في الإسلام، والحرص على الوفاء بين الزوجين في الحياة وبعد الممات.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات