شرح كتاب " سنن أبي داود" (27) لفضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري.
المقدمة
في هذا المجلس السابع والعشرين من شرح كتاب «سنن أبي داود» للإمام أبي داود السجستاني رحمه الله، يواصل فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري حفظه الله شرح أبواب الصلاة. ويتناول في هذا المجلس أبواب الصفوف، وهي: باب تسوية الصفوف، وباب الصفوف بين السواري، وباب من يُستحب أن يلي الإمام في الصف وكراهية التأخر.
وتسوية الصفوف من الأمور التي تساهل فيها كثير من المصلين في زماننا، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتني بها عناية بالغة. فكان يسوّي الصفوف بنفسه، ويتخلل الصف من ناحية إلى ناحية، ويمسح صدور أصحابه ومناكبهم، ولا يكبّر حتى تستوي الصفوف. وكان يحذّر من مخالفة ذلك بوعيد شديد، وهو اختلاف القلوب والوجوه.
ويهدف هذا المجلس إلى أن يتعرف المشاهد على الأحاديث الواردة في إقامة الصفوف وتراصّها وسدّ الخلل فيها، وعلى صفة التراص الصحيحة كما فهمها الصحابة رضي الله عنهم. كما يبيّن حكم الصف بين السواري، والحكمة من أن يقف أهل العلم والحفظ خلف الإمام مباشرة.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: الاقتداء بصفوف الملائكة عند ربها
افتتح الإمام أبو داود الباب بحديث جابر بن سمرة رضي الله عنه. وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه أن يصفّوا كما تصف الملائكة عند ربها، وبيّن أن صفة ذلك أمران: إتمام الصفوف الأُوَل، والتراصّ في الصف.
وبيّن الشيخ أن التراص معناه أن يكون الصف كالبنيان المرصوص، كالجدار الذي رُصّت لبناته بعضها إلى بعض بانتظام، فلا يبقى بينها فراغ. ومثّل لذلك بصفوف الجنود في الجيش، فإنهم يقفون صفًّا واحدًا مستويًا لا يتقدم أحد منهم ولا يتأخر. وأهل الصلاة الواقفون بين يدي رب العالمين أولى بهذا الانتظام.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَلَا تَصُفُّونَ كَمَا تَصُفُّ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهِمْ؟» قُلْنَا: وَكَيْفَ تَصُفُّ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهِمْ؟ قَالَ: «يُتِمُّونَ الصُّفُوفَ الْمُقَدَّمَةَ، وَيَتَرَاصُّونَ فِي الصَّفِّ».
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾ [الصف: 4].
المحور الثاني: الوعيد على ترك تسوية الصفوف
شرح الشيخ حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه. وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أقبل على الناس بوجهه فقال: «أقيموا صفوفكم» ثلاث مرات، ثم أقسم على ذلك وتوعّد بأن يخالف الله بين قلوبهم. فاختلاف الظاهر في الصف سبب لاختلاف الباطن وتنافر القلوب، واستواء الصفوف سبب للتآلف والتراحم.
وذكر الشيخ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسوّي الصفوف كما تُسوّى القِداح، وهي سهام الخشب التي تُبرى وتُقوَّم حتى تستوي تمامًا. واستمر على ذلك حتى رأى أن أصحابه قد فهموا عنه. ثم خرج يومًا فرأى رجلًا باديًا صدره من الصف، فقال: «عِبادَ الله، لَتُسَوُّنَّ صفوفكم أو ليخالفنَّ الله بين وجوهكم».
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ -ثَلَاثًا- وَاللَّهِ لَتُقِيمُنَّ صُفُوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ».
وعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَتَخَلَّلُ الصَّفَّ مِنْ نَاحِيَةٍ إِلَى نَاحِيَةٍ، يَمْسَحُ صُدُورَنَا وَمَنَاكِبَنَا وَيَقُولُ: «لَا تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ»، وَكَانَ يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الصُّفُوفِ الْأُوَلِ».
وبيّن الشيخ معنى الصلاة في هذا الحديث: فصلاة الله ثناؤه على عبده في الملأ الأعلى، وصلاة الملائكة استغفار، وصلاة العباد دعاء.
المحور الثالث: صفة التراص وسد الخلل كما فهمها الصحابة
بيّن الشيخ أن الصحابة رضي الله عنهم فهموا التراص فهمًا عمليًّا. قال النعمان رضي الله عنه: فرأيت الرجل يُلزق منكبه بمنكب صاحبه، وركبته بركبة صاحبه، وكعبه بكعبه. ونبّه الشيخ إلى أن المراد بالكعب هو العظم الناتئ في جانب القدم.
ونبّه الشيخ كذلك إلى خطأ يقع فيه بعض الناس، وهو المبالغة في تفريج القدمين حتى يتباعد ما بين المناكب ويبقى الخلل في أعلى الصف. والصواب أن تكون القدمان على هيئتهما الطبيعية متجهتين إلى القبلة، مع إلصاق المنكب بالمنكب والكعب بالكعب، حتى لا يجد الشيطان بين المصلين فُرجة. وذكر أن هذا التراص لا يشق على من اعتاده، حتى في صلاة التراويح مع طول القيام.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَقِيمُوا الصُّفُوفَ، وَحَاذُوا بَيْنَ الْمَنَاكِبِ، وَسُدُّوا الْخَلَلَ، وَلِينُوا بِأَيْدِي إِخْوَانِكُمْ، وَلَا تَذَرُوا فُرُجَاتٍ لِلشَّيْطَانِ، وَمَنْ وَصَلَ صَفًّا وَصَلَهُ اللَّهُ، وَمَنْ قَطَعَ صَفًّا قَطَعَهُ اللَّهُ».
وقال صلى الله عليه وسلم: «رُصُّوا صُفُوفَكُمْ، وَقَارِبُوا بَيْنَهَا، وَحَاذُوا بِالْأَعْنَاقِ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لَأَرَى الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ مِنْ خَلَلِ الصَّفِّ كَأَنَّهَا الْحَذَفُ».
والحَذَف هي صغار الغنم السود. وقد شبّه النبي صلى الله عليه وسلم بها الشيطان حين يتخلل الصفوف.
المحور الرابع: تسوية الصف من تمام الصلاة وترتيب إتمام الصفوف
ذكر الشيخ حديث أنس رضي الله عنه في أن تسوية الصف من تمام الصلاة. وبيّن أن ترك التسوية نقص في الصلاة، وأن من تسبّب في قطع الصف وترك الفُرج فقد خالف أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. وذكر أيضًا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يكبّر حتى تستوي الصفوف.
وبيّن الشيخ أن السنة أن يُتمّ الصف الأول ثم الذي يليه، وأن أي نقص في الصفوف يكون في الصف الأخير. فلا يصح أن يُشرع في صف ثانٍ أو ثالث والصف الأول لم يكتمل. وشرح كذلك معنى قوله صلى الله عليه وسلم: «خياركم ألينكم مناكب في الصلاة»، أي أكثركم انقيادًا ولينًا لمن يسوّيه أو يسدّ به الخلل، فلا يمتنع ولا يتشدد.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سَوُّوا صُفُوفَكُمْ؛ فَإِنَّ تَسْوِيَةَ الصَّفِّ مِنْ تَمَامِ الصَّلَاةِ».
وقال صلى الله عليه وسلم: «أَتِمُّوا الصَّفَّ الْمُقَدَّمَ، ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ، فَمَا كَانَ مِنْ نَقْصٍ فَلْيَكُنْ فِي الصَّفِّ الْمُؤَخَّرِ».
وقال صلى الله عليه وسلم: «خِيَارُكُمْ أَلْيَنُكُمْ مَنَاكِبَ فِي الصَّلَاةِ».
المحور الخامس: الصف بين السواري ومن يلي الإمام
شرح الشيخ حديث عبد الحميد بن محمود قال: صلينا مع أنس رضي الله عنه يوم الجمعة، فدُفعنا إلى السواري، فتقدمنا وتأخرنا. فقال أنس: «كنا نتّقي هذا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم». ووجه ذلك أن السواري تقطع الصف وتمنع اتصاله، فيُجتنب الصف بينها إلا عند الحاجة والزحام.
ثم انتقل الشيخ إلى باب من يُستحب أن يلي الإمام. وبيّن أن السنة أن يقف خلف الإمام أهل العقل والعلم، وأكثر الناس حفظًا لكتاب الله وفقهًا في أحكام الصلاة. والحكمة في ذلك أن الإمام قد يعرض له نسيان أو خطأ في القراءة أو سهو في أفعال الصلاة، فيكون خلفه من يردّ عليه ويفتح عليه، ومن يقدر على أن يخلفه إن طرأ له عارض.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُو الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ».
النقاط الرئيسية
- تسوية الصفوف من تمام الصلاة، وقد اعتنى بها النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه قولًا وفعلًا.
- صفة صفوف الملائكة عند ربها أمران: إتمام الصفوف المقدمة، والتراص فيها.
- عدم تسوية الصفوف سبب لاختلاف القلوب والوجوه، كما جاء في الوعيد النبوي.
- التراص الصحيح هو إلصاق المنكب بالمنكب والكعب بالكعب، دون مبالغة في تفريج القدمين تفتح الخلل في أعلى الصف.
- الشيطان يدخل من فُرج الصفوف، ومن وصل صفًّا وصله الله، ومن قطع صفًّا قطعه الله.
- يُتم الصف الأول فالأول، ويكون النقص في الصف المؤخر، ويُتّقى الصف بين السواري إلا لحاجة.
- يُستحب أن يلي الإمام أولو الأحلام والنهى من الحفاظ والفقهاء، ليردّوا عليه إن أخطأ ويخلفوه إن عرض له عارض.
الفوائد والعبر
- الحرص على التبكير إلى الصف الأول، لما فيه من فضل صلاة الله وملائكته على أهل الصفوف الأُوَل.
- تطبيق التراص عمليًّا عند كل صلاة بإلصاق المنكب والكعب بمن بجانبك، وسدّ أي فُرجة تراها، حتى لا تكون للشيطان سبيل بين المصلين.
- اللين مع الإخوان في الصف وعدم التضجر ممن يسوّيك أو يقترب منك، فخير الناس ألينهم مناكب في الصلاة.
- الاهتمام بالظاهر سبب لصلاح الباطن، فاستواء الصفوف طريق إلى ائتلاف القلوب ووحدة المسلمين.
- على طالب العلم وحافظ القرآن أن يتقدم ليلي الإمام، فيعينه ويحفظ على المصلين صلاتهم، وعلى الأئمة أن يقتدوا بالنبي صلى الله عليه وسلم فلا يكبّروا حتى تستوي الصفوف.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات