شرح كتاب " سنن أبي داود" (18) لفضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو المجلس الثامن عشر من شرح كتاب «سنن أبي داود» للإمام أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني رحمه الله، يقدّمه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. وقد عُقد المجلس بعد صلاة العشاء من يوم الثلاثاء الثاني عشر من شهر جمادى الأولى سنة 1441هـ، الموافق للسابع من شهر يناير سنة 2020م.
يتناول هذا المجلس بابين عظيمين من أبواب الصلاة. الأول «باب المحافظة على وقت الصلوات»، والثاني «باب إذا أخّر الإمام الصلاة عن الوقت». وفيهما بيان منزلة الصلاة، ومعنى المحافظة عليها، وفضل صلاتي الفجر والعصر. ويتناولان كذلك موقف المسلم من الأمراء إذا أخّروا الصلاة عن وقتها، وكيف يجمع بين أداء الصلاة في وقتها ولزوم الجماعة.
ويهدف الدرس إلى تحقيق أمور ثلاثة:
- ترسيخ أن المحافظة على الصلاة ليست أداءً صوريًا، وإنما هي إقامة لها بشروطها وأركانها وخشوعها كما كان الصحابة رضي الله عنهم يقيمونها.
- تعليم طالب العلم منهج المحدّثين في نقد الأسانيد وبيان الصحيح من الضعيف.
- إبراز مواقف العلماء الربانيين في الثبات على الحق أمام الفتن وتسلّط أهل البدع.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: معنى المحافظة على الصلوات وعهد الله لمن أقامها
افتتح الشيخ الباب بالتنبيه إلى أن بعض نسخ السنن جاءت بعنوان «باب المحافظة على الصلوات»، وبعضها بعنوان «باب المحافظة على وقت الصلوات». ثم بيّن أن المحافظة المأمور بها تعني أن يأتي العبد بالصلاة بشروطها وأركانها وواجباتها، وأن يؤديها في وقتها بخشوع وطمأنينة. وأكد أنها ليست مجرد حركات وصورة، بل صلاة تنهى صاحبها عن الفحشاء والمنكر.
وشرح الشيخ حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه، وفيه أن من أحسن وضوء الصلوات الخمس وصلاهن لوقتهن وأتم ركوعهن وخشوعهن، كان له على الله عهد أن يغفر له. ونبّه إلى أن هذا العهد تفضّل من الله وكرم وإحسان، وليس حقًا واجبًا للعبد على ربه. أما من فرّط فيها فهو تحت المشيئة، إن شاء الله غفر له وإن شاء عذّبه.
ووقف الشيخ عند قول عبادة: «كذب أبو محمد» حين زعم أن الوتر واجب. وبيّن أن «كذب» في لغة الحجازيين تأتي بمعنى «أخطأ»، أي أخبر بخلاف الواقع دون تعمّد. فالصحابة رضي الله عنهم عدول لا يُتّهمون بالكذب. وأشار إلى أدب الرد على أهل العلم بالدليل، لا بالتشهير والتجريح.
قال الله تعالى:
﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: 238]
﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ۗ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: 45]
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«خَمْسُ صَلَوَاتٍ افْتَرَضَهُنَّ اللَّهُ تَعَالَى، مَنْ أَحْسَنَ وُضُوءَهُنَّ، وَصَلَّاهُنَّ لِوَقْتِهِنَّ، وَأَتَمَّ رُكُوعَهُنَّ وَخُشُوعَهُنَّ، كَانَ لَهُ عَلَى اللَّهِ عَهْدٌ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ، وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَيْسَ لَهُ عَلَى اللَّهِ عَهْدٌ، إِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ، وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ».
المحور الثاني: الصناعة الحديثية ونقد الأسانيد في أحاديث الباب
درس الشيخ حديث أم فروة رضي الله عنها، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم سُئل عن أفضل الأعمال فقال: «الصلاة في أول وقتها». وحكم عليه بالضعف لسببين:
- في إسناده عبد الله بن عمر العُمري، وهو ضعيف من جهة الضبط مع صلاحه في نفسه، وكان الإمام مالك يستعيذ من حفظه لا من دينه.
- في إسناده أيضًا القاسم بن غنّام، مع وقوع الاضطراب في الإسناد.
وبيّن الشيخ أن الحديث ضعيف من هذا الطريق، وإن كان معناه صحيحًا بأدلة أخرى، فالصلاة في أول وقتها من أفضل الأعمال.
كما وقف الشيخ على أحاديث أخرى في الباب، ودرس أسانيدها وتكلّم على رواتها وطبقاتهم:
- حديث أبي قتادة في العهد الذي عهده الله لمن حافظ على الصلوات لوقتهن أن يدخله الجنة.
- حديث أبي الدرداء: «خمسٌ من جاء بهن مع إيمان دخل الجنة»، وذكر منها المحافظة على الصلوات الخمس، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلًا، وإعطاء الزكاة طيبةً بها نفسه، وأداء الأمانة.
وكان الشيخ يضبط الأنساب في أثناء الشرح، مثل نسبة «الدِّيلي» و«الدُّؤَلي»، وهذا من تمام العناية بفن الرجال.
المحور الثالث: فضل صلاتي الفجر والعصر (العصرين)
شرح الشيخ حديث فضالة الليثي رضي الله عنه. فقد علّمه النبي صلى الله عليه وسلم المحافظة على الصلوات الخمس، فاعتذر فضالة بكثرة أشغاله، وطلب أمرًا جامعًا يجزئه. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «حافظ على العصرين». ولم تكن هذه الكلمة معروفة في لغة قومه، فسأل عن معناها، فبيّنها له النبي صلى الله عليه وسلم بصلاة الفجر وصلاة العصر.
واستنبط الشيخ من ذلك أدبًا لطالب العلم: إذا تكلّم العالم بكلام لم يفهمه الطالب، أو كان الكلام مجملًا يحتاج إلى تفصيل، أو مطلقًا يحتاج إلى تقييد، أو عامًا يحتاج إلى تخصيص، فعلى الطالب أن يسأل ويستفصل بأدب.
وبيّن الشيخ سرّ فضل هاتين الصلاتين، فهما الوقتان اللذان تجتمع فيهما ملائكة الليل وملائكة النهار. ثم ذكر حديث عُمارة بن رُويبة رضي الله عنه في أن من صلّى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها لن يلج النار.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«حَافِظْ عَلَى الْعَصْرَيْنِ»، قُلْتُ: وَمَا الْعَصْرَانِ؟ قَالَ: «صَلَاةٌ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَصَلَاةٌ قَبْلَ غُرُوبِهَا».
«لَنْ يَلِجَ النَّارَ أَحَدٌ صَلَّى قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا».
«يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ».
المحور الرابع: إذا أخّر الأمراء الصلاة عن وقتها
انتقل الشيخ إلى «باب إذا أخّر الإمام الصلاة عن الوقت». وذكر أن بعض أمراء بني أمية كانوا يؤخرون الصلاة حتى تصفرّ الشمس، فأنكر ذلك عليهم الصحابة والتابعون، كأنس بن مالك وعروة بن الزبير، وأُنكر ذلك على عمر بن عبد العزيز قبل خلافته فرجع إلى الحق.
وشرح الشيخ حديث أبي ذر رضي الله عنه، وفيه توجيه النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن يصلّي المسلم الصلاة في وقتها، فإن أدركها مع الأمراء صلّاها معهم فتكون له نافلة. وبهذا يجمع المسلم بين أمرين:
- المحافظة على الوقت.
- لزوم الجماعة والسلامة من الفتنة والأذى.
ثم ذكر الشيخ عمرو بن ميمون الأودي رحمه الله، وهو تابعي مخضرم صحب معاذ بن جبل باليمن ثم صحب ابن مسعود. وأورد حديثه عن ابن مسعود في المعنى نفسه، والكلمة المشهورة المروية عن ابن مسعود في أن الجماعة هي ما وافق الحق ولو كان المرء وحده.
وأشار الشيخ استطرادًا إلى قصة عمرو بن ميمون مع القردة التي رواها البخاري، وفيها رجم القردة لقردة زانية. واستخلص منها أن بعض البشر حين يقعون في الفواحش قد ينحطّون إلى ما دون مرتبة الحيوان.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«يَا أَبَا ذَرٍّ، كَيْفَ أَنْتَ إِذَا كَانَتْ عَلَيْكَ أُمَرَاءُ يُمِيتُونَ الصَّلَاةَ، أَوْ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ؟» قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَمَا تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: «صَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا، فَإِنْ أَدْرَكْتَهَا مَعَهُمْ فَصَلِّهِ، فَإِنَّهَا لَكَ نَافِلَةٌ».
«كَيْفَ بِكُمْ إِذَا أَتَتْ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ يُصَلُّونَ الصَّلَاةَ لِغَيْرِ مِيقَاتِهَا؟» قُلْتُ: فَمَا تَأْمُرُنِي إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «صَلِّ الصَّلَاةَ لِمِيقَاتِهَا، وَاجْعَلْ صَلَاتَكَ مَعَهُمْ سُبْحَةً».
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا﴾ [النساء: 103]
المحور الخامس: أثر الحاشية على الحكام وثبات العلماء الربانيين
استطرد الشيخ إلى درس تاريخي عن الخليفة المأمون، الذي تأثر بالفلسفة وعلم الكلام، وأحاط به أهل الاعتزال وعلى رأسهم أحمد بن أبي دؤاد. وبيّن أن الحاكم كثيرًا ما يكون بحسب حاشيته وبطانته، فإن صلحت أعانته على الخير، وإن فسدت زيّنت له الباطل.
وذكر أن المأمون لم يُعلن القول بخلق القرآن في حياة الإمام يزيد بن هارون رحمه الله، خشيةً من مكانته وهيبته في قلوب الناس، مع أنه لم يكن يملك سلاحًا ولا جندًا، وإنما كانت له هيبة العلم والتقوى. فلما أرسل إليه المأمون من يخبره بعزمه على إعلان هذه المقالة، ردّ ذلك ردًّا حاسمًا وأنكر أن يكون هذا قول أمير المؤمنين.
وربط الشيخ ذلك بمنطق الطغاة على مرّ العصور، كما حكى الله عن فرعون الذي استخفّ قومه، ونبّه إلى أن أهل الباطل يسعون دائمًا إلى إسقاط العلماء الربانيين وتشويه صورتهم.
قال الله تعالى:
﴿قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر: 29]
﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [الزخرف: 54]
النقاط الرئيسية
- المحافظة على الصلاة إقامة لها بشروطها وأركانها وخشوعها وفي وقتها، لا مجرد أداء صوري.
- من أقام الصلوات الخمس على وجهها فله عند الله عهد بالمغفرة تفضّلًا منه سبحانه، ومن ضيّعها فهو تحت المشيئة.
- لفظ «كذب» في كلام الصحابة قد يأتي بمعنى «أخطأ»، والصحابة كلهم عدول.
- حديث «الصلاة في أول وقتها» من طريق أم فروة ضعيف الإسناد للعلل التي بيّنها الشيخ، وإن كان معناه ثابتًا بأدلة أخرى.
- صلاتا الفجر والعصر (العصران) لهما فضل خاص، إذ تشهدهما ملائكة الليل والنهار.
- إذا أخّر الأمراء الصلاة عن وقتها صلّاها المسلم في وقتها، ثم صلّى معهم فتكون له نافلة، جمعًا بين حفظ الوقت ولزوم الجماعة.
- صلاح الحاكم وفساده مرتبط كثيرًا ببطانته، وهيبة العلماء الربانيين نابعة من علمهم وتقواهم.
الفوائد والعبر
- أن يراجع المسلم صلاته في وضوئها وركوعها وخشوعها ووقتها، ليكون من أهل العهد الذي وعد الله به المحافظين.
- أن يعتني عناية خاصة بصلاتي الفجر والعصر، فهما سبب للنجاة من النار وموضع شهود الملائكة.
- أن يسأل طالب العلم ويستفصل عمّا أُجمل أو أُشكل عليه، اقتداءً بفضالة رضي الله عنه حين سأل: «وما العصران؟».
- أن يتأدب المسلم في الرد على أهل العلم، فيكون رده بالدليل والحجة، مع حفظ مكانتهم وعدم الطعن في نياتهم.
- أن يختار المرء صحبته وبطانته بعناية، فالجليس الصالح يعين على الحق والجليس السيئ يزيّن الباطل، وأن يتمسك بالحق ولو قلّ أتباعه.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات