شرح كتاب "صحيح الإمام البخاري " الشرح الثاني الدرس رقم ( 91) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

3,795 مشاهدة
242 مشاركة
منذ 4 سنوات

المقدمة

هذا هو الدرس الحادي والتسعون من الشرح الثاني لكتاب «الجامع الصحيح» للإمام أبي عبد الله البخاري رحمه الله، ويلقيه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. يدخل الدرس في كتاب التفسير من الصحيح، ويتناول أبوابًا متتابعة من سورة البقرة، ويشرح ما رواه الإمام البخاري من أحاديث وآثار في أسباب نزول الآيات ومعانيها، كما فهمها الصحابة رضي الله عنهم.

يتناول الدرس موضوعات مهمة، منها: معنى البر الحقيقي، وإبطال عادات الجاهلية في الإحرام، وحقيقة الجهاد الشرعي وتمييزه من الإرهاب ومن إثارة الفتن، وموقف الصحابة من الفتن الداخلية، ومعتقد أهل السنة في الخليفتين الراشدين عثمان وعلي رضي الله عنهما، ثم معنى الإلقاء باليد إلى التهلكة، وأحكام فدية الأذى في الحج.

ويهدف الدرس إلى أن يفهم المشاهد آيات الأحكام بفهم السلف الصالح، وأن يعرف المنهج الصحيح في أوقات الفتن، فيحفظ دماء المسلمين ويلزم الجماعة. ويعرض كذلك فقه تنزيل الأحكام على الواقع في باب الكفارات والإطعام، وذلك مراعاةً لمقاصد الشريعة.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: البر الحقيقي وإبطال عادات الجاهلية

بدأ الشيخ بباب قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. وبيّن أن الحديث يوضح مراد الله تعالى من الآية، فقد كان الأنصار في الجاهلية إذا أحرموا لم يدخلوا البيوت من أبوابها، وإنما يأتونها من ظهورها، ويرون ذلك برًّا.

وذكر الشيخ حديث البراء بن عازب رضي الله عنهما: «كَانُوا إِذَا أَحْرَمُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَتَوُا الْبَيْتَ مِنْ ظَهْرِهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾». وبيّن أنهم حرّموا على أنفسهم ما لم يحرّمه الله، فأرشدهم الله إلى أن البر الحقيقي هو التقوى، لا التعبد بعادات ما أنزل الله بها من سلطان.

المحور الثاني: حقيقة الجهاد بين الإفراط والتفريط

ثم شرح الشيخ باب قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾. وقرر أن الجهاد في سبيل الله يقع بين طرفين منحرفين. الطرف الأول يصف الجهاد الشرعي بأنه إرهاب، وهذا انحراف. والطرف الثاني يثير الفتن والقلاقل في بلاد المسلمين بالتفجيرات وسفك الدماء المعصومة، وهذا ليس جهادًا في سبيل الله، بل هو في سبيل الشيطان.

ونبّه الشيخ إلى أن الأمة اليوم تتعرض لغزو فكري يغيّر أفكارها ومبادئها وقيمها، فتحتاج العقائد إلى تصحيح وتنقية، ويحتاج الناس إلى دعاة يدعون إلى الله على بصيرة. وعدّ من أعظم الجهاد جهاد العلم والبيان في مواجهة الأفكار الوافدة كالعلمانية والاشتراكية وغيرها، وفي مواجهة الأحزاب التي ترفع شعار الإسلام وتخالف منهج السلف بالخروج على الحكام وتفريق الأمة.

والفتنة في الآية هي الشرك والكفر، والمقصود أن يكون الدين كله لله، فإن انتهى الكفار فلا عدوان إلا على الظالمين.

المحور الثالث: موقف ابن عمر رضي الله عنهما من الفتنة، ومعتقد أهل السنة في الصحابة

ثم ذكر الشيخ حديث نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما، وفيه أن رجلين أتياه في فتنة ابن الزبير فقالا: «إِنَّ النَّاسَ صُنِعُوا وَأَنْتَ ابْنُ عُمَرَ وَصَاحِبُ النَّبِيِّ ﷺ، فَمَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَخْرُجَ؟ فَقَالَ: يَمْنَعُنِي أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ دَمَ أَخِي. فَقَالَا: أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾؟ فَقَالَ: قَاتَلْنَا حَتَّى لَمْ تَكُنْ فِتْنَةٌ وَكَانَ الدِّينُ لِلَّهِ، وَأَنْتُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تُقَاتِلُوا حَتَّى تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِغَيْرِ اللَّهِ».

ولفت الشيخ إلى أن ابن عمر سمّى ما حدث «فتنة» مع جلالة قدر ابن الزبير رضي الله عنه. وبيّن أن ابن عمر لو طلب الخلافة لاجتمع عليه الناس، لكن السلف كانوا يفرّون من المناصب ومن فتنة الدنيا. والمنهج عند الفتن هو الاعتزال واجتناب الدماء، وأن يكون المسلم عبد الله المقتول لا القاتل. وذكر أن من تغلّب على الأمر واستقر له وجبت طاعته في غير معصية، مع أن التغلب نفسه حرام، والواجب على المسلمين الدعاء والإصلاح، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾.

ثم ذكر الرواية الأخرى، وفيها أن سائلًا سأل ابن عمر عن ترك الجهاد واحتج بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾، فأجابه ابن عمر بقول النبي ﷺ: «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ». ولما سأله عن عثمان وعلي قال: «أَمَّا عُثْمَانُ فَكَأَنَّ اللَّهَ عَفَا عَنْهُ، وَأَمَّا أَنْتُمْ فَكَرِهْتُمْ أَنْ تَعْفُوا عَنْهُ، وَأَمَّا عَلِيٌّ فَابْنُ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَخَتَنُهُ، وَأَشَارَ بِيَدِهِ فَقَالَ: هَذَا بَيْتُهُ حَيْثُ تَرَوْنَ». وقرر الشيخ أن عثمان رضي الله عنه إمام راشد مبشَّر بالجنة، وأن ما أُخذ عليه أمور اجتهادية، كعطائه لأقاربه من ماله الخاص، وهو أمر لا يُلام عليه. وبيّن أن الطعن فيه وفي الصحابة من شأن أهل البدع والضلال.

المحور الرابع: معنى الإلقاء باليد إلى التهلكة

ثم شرح الشيخ باب قوله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. وبيّن أن التهلكة والهلاك بمعنى واحد، وذكر أثر حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما، صاحب سر رسول الله ﷺ، أنه قال: «نَزَلَتْ فِي النَّفَقَةِ».

وقرر أن الاستقامة على أمر الله واتباع السنة ليست تهلكة، بل هي طريق العزة والكرامة والرفعة في الدنيا والآخرة. أما التهلكة الحقيقية فهي في مخالفة كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، والانحراف عن منهج السلف، وترك الإنفاق في سبيل الله.

المحور الخامس: فدية الأذى في الحج وفقه الإطعام

ثم انتقل الشيخ إلى قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾، وذكر حديث كعب بن عجرة رضي الله عنه: «حُمِلْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَالْقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي، فَقَالَ: مَا كُنْتُ أُرَى أَنَّ الْجَهْدَ قَدْ بَلَغَ بِكَ هَذَا، أَمَا تَجِدُ شَاةً؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ طَعَامٍ».

وأفاد الشيخ أن الصحابة بشر يمرضون ويصيبون ويخطئون، لكن مجموعهم معصوم من الاجتماع على ضلالة، ومحبتهم فرض، واستدل بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾.

ثم بيّن فقه الإطعام في الكفارات، وأن النبي ﷺ قال «من طعام» ولم يحدد صنفًا، فالمعتبر ما يكون طعامًا لأهل البلد في زمانهم، كالتمر لأهل المدينة، واللبن لأهل البادية، والعصيدة والدقيق لمن يصنعونها. ونبّه إلى أن أقوال الفقهاء بُنيت على واقعهم، وأن الأولى اليوم أن يُطعَم المسكين طعامًا جاهزًا ينتفع به، كالأرز مع اللحم أو الدجاج أو غيرهما من الإدام، عملًا بقوله تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾. وللكفارة جهتان: أن تبرأ بها ذمة من وجبت عليه، وأن ينتفع بها من يأخذها.

النقاط الرئيسية

  • البر الحقيقي هو تقوى الله، لا التعبد بعادات وأعراف ما أنزل الله بها من سلطان.
  • الجهاد الشرعي غايته إعلاء كلمة الله، وليس إرهابًا، ولا هو سفك لدماء المسلمين وإثارة للفتن في بلادهم.
  • من أعظم الجهاد اليوم جهاد العلم والبيان في مواجهة الغزو الفكري وتصحيح العقائد.
  • منهج السلف عند الفتن هو اعتزالها وحفظ الدماء ولزوم الجماعة، كما فعل ابن عمر رضي الله عنهما.
  • عثمان وعلي رضي الله عنهما إمامان راشدان مبشَّران بالجنة، والطعن فيهما من سبيل أهل البدع.
  • التهلكة الحقيقية في مخالفة الكتاب والسنة وترك الإنفاق في سبيل الله، لا في الاستقامة على الدين.
  • الإطعام في الكفارات يكون مما يُعدّ طعامًا في البلد، ويُراعى فيه انتفاع المسكين.

الفوائد والعبر

  • اعرض عاداتك وما تراه برًّا على الكتاب والسنة، فليس كل ما تهواه النفس وتدفع إليه العاطفة حقًّا.
  • احذر الانسياق وراء الشعارات والعواطف في أزمنة الفتن، واحفظ لسانك ويدك عن دماء المسلمين، وعليك بالدعاء والإصلاح.
  • أحبّ الصحابة جميعًا وتولَّهم، وادفع عنهم شبهات المبتدعة، فمحبتهم من الإيمان.
  • أنفق في سبيل الله، واستقم على السنة، فبذلك تكون العزة والنجاة من الهلاك في الدنيا والآخرة.
  • إذا أخرجت كفارة فاقصد بها نفع المسكين حقًّا، وأطعمه من أوسط ما تطعم أهلك مما يُعدّ طعامًا في بلدك.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات