شرح كتاب "صحيح الإمام البخاري " الشرح الثاني الدرس رقم ( 63 ) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو الدرس الثالث والستون من الشرح الثاني لكتاب «الجامع الصحيح» للإمام البخاري رحمه الله، يقدّمه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. ويتناول الدرس جملةً من أحاديث كتاب المناقب، وما يتصل بها من أبواب ذكر القبائل والأنساب، والنهي عن دعوى الجاهلية، وبيان جهل العرب قبل الإسلام.
ويبدأ الدرس بقصة إسلام أبي ذر الغفاري رضي الله عنه وما فيها من حكمة علي بن أبي طالب رضي الله عنه وثبات أبي ذر في إعلان التوحيد. ثم ينتقل إلى أحاديث فضل بعض القبائل، وخروج القحطاني في آخر الزمان. ويقف بعد ذلك عند خطر العصبية والتحزّب وتفريق صف المسلمين، وعند أصل عبادة الأصنام عند العرب على يد عمرو بن لُحَيّ. ويختم بأحاديث إنذار النبي ﷺ عشيرته الأقربين، وقصة لعب الحبشة، وحديث حسان بن ثابت في الذبّ عن رسول الله ﷺ.
ويهدف الدرس إلى أن يعرف المتعلّم منزلة الأنساب في ميزان الشرع، وأن الشرف الحقيقي بالتقوى والانتساب إلى السنة. كما يهدف إلى التحذير من كل دعوة تفرّق الأمة ولو حملت اسمًا شريفًا، وإلى بيان أن أهل السنة الحقيقيين هم أهل الحديث المتبعون لمنهج السلف الصالح.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: قصة إسلام أبي ذر الغفاري رضي الله عنه
بلغ أبا ذر خبر النبي ﷺ، فأرسل أخاه ليأتيه بخبره. فرجع إليه وقال: رأيته يأمر بالخير وينهى عن الشر. فلم يشفِ ذلك صدره، فتزوّد وقدم مكة، ومكث في المسجد لا يسأل عن النبي ﷺ أحدًا خوفًا من قريش. فمرّ به علي بن أبي طالب رضي الله عنه فعرف أنه غريب، فاستضافه دون أن يسأله عن شيء، وتكرّر ذلك أيامًا حتى سأله عن سبب قدومه.
وأبرز الشيخ ما في تصرّف علي رضي الله عنه من حكمة وحسن تدبير مع صغر سنّه، إذ قال له: «إِنْ رَأَيْتُ شَيْئًا أَخَافُ عَلَيْكَ قُمْتُ كَأَنِّي أُرِيقُ المَاءَ، فَإِنْ مَضَيْتُ فَاتْبَعْنِي». ومن ذلك يتعلّم الداعية كيف يتعامل مع الناس بفطنة واحتياط في أوقات الشدة.
فلما أسلم أبو ذر خرج إلى المسجد وصرخ بالشهادتين: «أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ»، فضربوه حتى أنقذه العباس بقوله: «وَيْلَكُمْ، تَقْتُلُونَ رَجُلًا مِنْ غِفَارَ، وَمَتْجَرُكُمْ وَمَمَرُّكُمْ عَلَى غِفَارَ؟!». واستنبط الشيخ من ذلك أن الشرّ قد يُدفع بما يناسبه من الأسباب والمصالح.
المحور الثاني: فضل بعض القبائل وأخبار آخر الزمان
أورد الإمام البخاري أحاديث في تفضيل بعض القبائل بسبقها إلى الإسلام ونصرتها له، ومنها قوله ﷺ:
«أَسْلَمُ وَغِفَارٌ وَشَيْءٌ مِنْ مُزَيْنَةَ وَجُهَيْنَةَ - أَوْ قَالَ: شَيْءٌ مِنْ جُهَيْنَةَ أَوْ مُزَيْنَةَ - خَيْرٌ عِنْدَ اللَّهِ - أَوْ قَالَ: يَوْمَ القِيَامَةِ - مِنْ أَسَدٍ وَتَمِيمٍ وَهَوَازِنَ وَغَطَفَانَ».
وأورد أيضًا خبر النبي ﷺ عن رجل يخرج في آخر الزمان: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَخْرُجَ رَجُلٌ مِنْ قَحْطَانَ يَسُوقُ النَّاسَ بِعَصَاهُ». وبيّن الشيخ أن هذا من أعلام النبوة، وأن التفاضل بين القبائل إنما كان بالسبق إلى الإيمان والطاعة، لا بمجرد النسب.
المحور الثالث: النهي عن دعوى الجاهلية وخطر التحزّب والعصبية
في باب «ما يُنهى من دعوى الجاهلية» ذكر البخاري قصة المهاجري والأنصاري حين تنازعا، فنادى كلٌّ منهما قومه: يا للمهاجرين! يا للأنصار! فقال النبي ﷺ: «مَا بَالُ دَعْوَى أَهْلِ الجَاهِلِيَّةِ؟... دَعُوهَا فَإِنَّهَا خَبِيثَةٌ».
ونبّه الشيخ إلى أن لفظي «المهاجرين» و«الأنصار» شريفان مدحهما الله في كتابه. ومع ذلك صارت الدعوة بهما خبيثة لمّا استُعملت في العصبية وتفريق الصف. فكل دعوة تفرّق المسلمين وتحزّبهم محرّمة ولو كان اسمها شرعيًا، والله تعالى يقول:
﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103]
وذكر البخاري قول رأس المنافقين عبد الله بن أُبيّ، وفيه نزل قوله تعالى:
﴿يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ ۚ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون: 8]
فلما استأذن عمر رضي الله عنه في قتله قال ﷺ: «لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّهُ كَانَ يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ». وفي ذلك مراعاة النبي ﷺ للمصالح والمفاسد، ودرءٌ للفتنة وتنفير الناس عن الدين. وأورد البخاري كذلك قوله ﷺ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الخُدُودَ، وَشَقَّ الجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ».
وربط الشيخ هذا الباب بالواقع المعاصر، فانتقد المؤتمر الذي عُقد في الشيشان وزعم أن أهل السنة هم الأشاعرة والماتريدية والصوفية، وأخرج منهم أهل الحديث. وعدّ ذلك تفريقًا لصف المسلمين، وبيّن أن أهل الحديث هم الطائفة المنصورة والفرقة الناجية. وقرّر أن أهل السنة حقًّا هم المتمسّكون بمنهج السلف من الصحابة والتابعين وأئمة الهدى، المثبتون لصفات الله تعالى على الوجه اللائق به، البعيدون عن البدع كالطواف بالقبور والتمسّح بالأضرحة.
المحور الرابع: جهل العرب في الجاهلية وأصل عبادة الأصنام
أورد البخاري قوله ﷺ: «رَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ عَامِرِ بْنِ لُحَيٍّ الخُزَاعِيَّ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ سَيَّبَ السَّوَائِبَ». فهو أول من غيّر دين إبراهيم عليه السلام وأدخل الشرك على العرب.
وفسّر سعيد بن المسيب ما ابتدعه المشركون في أنعامهم فقال: «البَحِيرَةُ الَّتِي يُمْنَعُ دَرُّهَا لِلطَّوَاغِيتِ فَلَا يَحْلُبُهَا أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ، وَالسَّائِبَةُ الَّتِي كَانُوا يُسَيِّبُونَهَا لِآلِهَتِهِمْ فَلَا يُحْمَلُ عَلَيْهَا شَيْءٌ».
وأورد قول ابن عباس رضي الله عنهما: «إِذَا سَرَّكَ أَنْ تَعْلَمَ جَهْلَ العَرَبِ فَاقْرَأْ مَا فَوْقَ الثَّلَاثِينَ وَمِائَةٍ فِي سُورَةِ الأَنْعَامِ»، يعني قوله تعالى:
﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ ۚ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: 140]
المحور الخامس: إنذار العشيرة، ولعب الحبشة، والذبّ عن رسول الله ﷺ
لمّا نزل قوله تعالى: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: 214] جعل النبي ﷺ ينادي بطون قريش. ومن ندائه: «يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ اللَّهِ، يَا بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ، اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ اللَّهِ... يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ... لَا أَمْلِكُ لَكُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا». فالنسب وحده لا يغني عن صاحبه شيئًا، وإنما النجاة بالعمل الصالح.
وذكر البخاري قصة الحبشة وهم يلعبون بحرابهم في المسجد، والنبي ﷺ يستر عائشة رضي الله عنها وهي تنظر إليهم، وقال: «دَعْهُمْ، أَمْنًا بَنِي أَرْفِدَةَ». وبيّن الشيخ أن هذا لعبٌ بالحراب فيه تدريب على القتال، وفرّق بين الترويح المباح عن النفس وبين ما يشغل عن ذكر الله أو يكون فيه محرّم.
وفي باب «من أحب ألّا يُسبّ نسبه» ذكر البخاري استئذان حسان بن ثابت رضي الله عنه في هجاء المشركين. فقال النبي ﷺ: «فَكَيْفَ بِنَسَبِي؟» فقال حسان: «لَأَسُلَّنَّكَ مِنْهُمْ كَمَا تُسَلُّ الشَّعَرَةُ مِنَ العَجِينِ». وكانت عائشة رضي الله عنها تنهى عن سبّ حسان وتقول: «لَا تَسُبَّهُ، فَإِنَّهُ كَانَ يُنَافِحُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ». وفي ذلك حفظ حق من دافع عن السنة، ولو وقع منه خطأ، فإن المخطئ يُنصح ولا يُسبّ ولا يُشتم.
النقاط الرئيسية
- تجلّت في قصة إسلام أبي ذر حكمة علي رضي الله عنه في الحماية والتدبير، وشجاعة أبي ذر في إعلان التوحيد.
- التفاضل بين القبائل إنما هو بالسبق إلى الإيمان والنصرة، لا بمجرد الأنساب.
- دعوى الجاهلية خبيثة ولو كانت بأسماء شرعية كالمهاجرين والأنصار، متى أدّت إلى العصبية وتفريق الصف.
- أهل السنة الحقيقيون هم أهل الحديث المتبعون لمنهج السلف، وقد أخطأ من أخرجهم من مسمّى أهل السنة.
- عمرو بن لُحَيّ أول من غيّر دين إبراهيم وسيّب السوائب، وجزاؤه أنه يجرّ قُصبه في النار.
- القرب من النبي ﷺ في النسب لا ينفع بلا إيمان وعمل صالح.
- من دافع عن رسول الله ﷺ وسنته يُحفظ حقه، والمخطئ يُنصح ولا يُسبّ.
الفوائد والعبر
- ينبغي للداعية أن يتحلّى بالحكمة والتدرّج والاحتياط في التعامل مع الناس، كما فعل علي رضي الله عنه مع أبي ذر.
- على المسلم أن يحذر من كل تحزّب أو عصبية تفرّق الأمة، وأن يجعل ولاءه للكتاب والسنة على فهم السلف.
- من سنة النبي ﷺ مراعاة المصالح والمفاسد ودرء الفتن قبل الإقدام على أي أمر.
- الاعتبار بجهل الجاهلية يبعث على شكر نعمة الإسلام، ويحذّر من البدع التي تبدأ صغيرة ثم تفضي إلى الشرك.
- الترويح المباح عن النفس جائز بضوابطه الشرعية، مع الحذر مما يشغل عن ذكر الله أو يخالف الشرع.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات