شرح كتاب " صحيح الإمام البخاري " الشرح الثاني الدرس رقم (21) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو الدرس الحادي والعشرون من الشرح الثاني لكتاب «الجامع الصحيح» للإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله، يقدّمه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. وصحيح البخاري أصحّ كتاب بعد كتاب الله تعالى، وقد تلقّته الأمة بالقبول. ودراسته بالسند والمتن وفقه التراجم من أعظم أبواب العلم، وبها يعرف الطالب السنة النبوية ويعرف كيف كان الإمام البخاري يستنبط الأحكام.
افتتح الشيخ الدرس بخطبة الحاجة كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفتتح بها، ثم مضى في شرح أحاديث تتعلق بقيام الليل والتهجد وهدي النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الليل. ومن ذلك: طول قيامه، وعدد ركعاته، والوقت الذي كان يقوم فيه، وتحريضه أهله على القيام، وما يتصل بذلك من سنن الفجر والسحور.
والغرض من الدرس أن يعرف الطالب هدي النبي صلى الله عليه وسلم في عبادة الليل، وأن يفهم معاني الأحاديث وأسانيدها، وأن يحرص على المداومة على العمل الصالح ولو كان قليلًا، اقتداءً برسول الله صلى الله عليه وسلم.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: خطبة الحاجة ومنهج الافتتاح بالسنة
بدأ الشيخ الدرس بخطبة الحاجة، وهي سنة ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم في افتتاح الخطب والدروس. وفيها حمد الله والثناء عليه، والاستعاذة به من شرور الأنفس وسيئات الأعمال، والشهادتان، ثم آيات التقوى الثلاث.
وذكّر الشيخ بأن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وأن شر الأمور محدثاتها. فطالب العلم يلزم السنة في عبادته ويحذر من البدع، وهذا هو الأساس الذي تقوم عليه دراسة كتب الحديث.
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 70-71].
المحور الثاني: قيام النبي صلى الله عليه وسلم وطول صلاته بالليل
تناول الشيخ أحاديث تبيّن اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم في قيام الليل. فقد كان يقوم حتى تتورّم قدماه، مع أن الله غفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر، وكان يقابل ذلك بالشكر. فالعبادة شكر لنعم الله، وليست لمحو الذنوب وحدها.
وشرح الشيخ كذلك حديث ابن مسعود رضي الله عنه في طول قيام النبي صلى الله عليه وسلم، وما فيه من أدب الصحابة مع رسول الله، حتى عدّ ابن مسعود همَّه بالجلوس وترك النبي قائمًا «أمرَ سوء».
عن المغيرة رضي الله عنه قال: «إِنْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيَقُومُ لِيُصَلِّيَ حَتَّى تَرِمَ قَدَمَاهُ أَوْ سَاقَاهُ، فَيُقَالُ لَهُ، فَيَقُولُ: أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا» [رواه البخاري].
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: «صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةً، فَلَمْ يَزَلْ قَائِمًا حَتَّى هَمَمْتُ بِأَمْرِ سَوْءٍ، قُلْنَا: وَمَا هَمَمْتَ؟ قَالَ: هَمَمْتُ أَنْ أَقْعُدَ وَأَذَرَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» [رواه البخاري].
المحور الثالث: تحريض النبي صلى الله عليه وسلم أهله على قيام الليل
شرح الشيخ حديث أم سلمة رضي الله عنها حين استيقظ النبي صلى الله عليه وسلم ليلةً فزعًا، وأمر بإيقاظ أزواجه للصلاة. وفي ذلك أن الصلاة والذكر هما الملجأ عند نزول الفتن، وأن على المسلم أن يحرص على أهله ويوقظهم للطاعة.
وبيّن الشيخ أن هذا التحريض من الرفق والشفقة، لا من الإيجاب. فقيام الليل نافلة عظيمة الأجر، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يرغّب فيه أهله ويحثهم عليه.
عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: «اسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، مَاذَا أُنْزِلَ اللَّيْلَةَ مِنَ الفِتَنِ، مَاذَا فُتِحَ مِنَ الخَزَائِنِ، أَيْقِظُوا صَوَاحِبَ الحُجَرِ، فَرُبَّ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا عَارِيَةٍ فِي الآخِرَةِ» [رواه البخاري].
المحور الرابع: وقت قيامه وعدد ركعاته وأحبّ العمل إليه
عرض الشيخ حديث مسروق عن عائشة رضي الله عنها، وهو من رواية أشعث بن أبي الشعثاء عن أبيه. وفيه أن أحب العمل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ما داوم عليه صاحبه، وأنه كان يقوم إذا سمع الصارخ، أي الديك، وذلك في نحو السدس الأخير من الليل غالبًا.
وذكر الشيخ حديث ابن عباس رضي الله عنهما في أن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بالليل كانت ثلاث عشرة ركعة. وتكلّم على الجمع بين الروايات الواردة في عدد ركعات قيامه.
عن مسروق قال: «سَأَلْتُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أَيُّ العَمَلِ كَانَ أَحَبَّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَتْ: الدَّائِمُ، قُلْتُ: مَتَى كَانَ يَقُومُ؟ قَالَتْ: كَانَ يَقُومُ إِذَا سَمِعَ الصَّارِخَ» [رواه البخاري].
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كَانَتْ صَلَاةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، يَعْنِي بِاللَّيْلِ» [رواه البخاري].
المحور الخامس: السحور وسنة الفجر والاضطجاع بعدها
تطرّق الشيخ إلى حديث تسحّر النبي صلى الله عليه وسلم مع زيد بن ثابت رضي الله عنه، وأن ما بين فراغهما من السحور ودخولهما في الصلاة كان قدر قراءة خمسين آية. وفي ذلك دليل على استحباب تأخير السحور، وعلى أن الصحابة كانوا يقدّرون الأوقات بقراءة القرآن.
وذكر الشيخ كذلك هدي النبي صلى الله عليه وسلم بعد ركعتي الفجر، إذ كان يضطجع على شقّه الأيمن حتى يأتيه المؤذن فيؤذنه بالصلاة.
عن أنس رضي الله عنه: «أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ تَسَحَّرَا، فَلَمَّا فَرَغَا مِنْ سَحُورِهِمَا قَامَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الصَّلَاةِ فَصَلَّى، قُلْنَا لِأَنَسٍ: كَمْ كَانَ بَيْنَ فَرَاغِهِمَا مِنْ سَحُورِهِمَا وَدُخُولِهِمَا فِي الصَّلَاةِ؟ قَالَ: قَدْرُ مَا يَقْرَأُ الرَّجُلُ خَمْسِينَ آيَةً» [رواه البخاري].
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا صَلَّى رَكْعَتَيِ الفَجْرِ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ» [رواه البخاري].
النقاط الرئيسية
- يُستحب افتتاح الدروس والخطب بخطبة الحاجة اتباعًا للسنة.
- كان النبي صلى الله عليه وسلم يطيل القيام حتى تتورّم قدماه، شكرًا لله تعالى.
- أحب العمل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ما داوم عليه صاحبه وإن قلّ.
- كان النبي صلى الله عليه وسلم يقوم من الليل إذا سمع الصارخ، وكانت صلاته بالليل ثلاث عشرة ركعة.
- الصلاة والذكر ملجأ المؤمن عند نزول الفتن، ومن السنة إيقاظ الأهل للعبادة.
- يُستحب تأخير السحور، وكان بينه وبين الصلاة قدر قراءة خمسين آية.
- من السنة الاضطجاع على الشق الأيمن بعد ركعتي الفجر.
الفوائد والعبر
- اجعل لنفسك وِردًا ثابتًا من قيام الليل ولو ركعتين، وداوم عليه، فالقليل الدائم خير من الكثير المنقطع.
- اعبد الله شكرًا على نعمه، فالعبادة شكر للمنعم، وليست لطلب المغفرة وحدها.
- احرص على أهلك، فأيقظهم للصلاة وذكّرهم بالطاعة، ولا سيما في أوقات الفتن.
- تأدّب مع السنة كما تأدّب الصحابة مع النبي صلى الله عليه وسلم، والتزم هديه في الصغير والكبير.
- أحيِ السنن المهجورة، كتأخير السحور، والاضطجاع بعد سنة الفجر، واغتنام الثلث الأخير من الليل.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات