شرح كتاب " صحيح الإمام البخاري " الشرح الثاني الدرس رقم (42) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

4,454 مشاهدة
270 مشاركة
منذ 5 سنوات

المقدمة

هذا هو الدرس الثاني والأربعون من مجالس الشرح الثاني لكتاب «الجامع الصحيح» للإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله تعالى، ويلقيه فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري. يبدأ الدرس بخطبة الحاجة، ثم يشرع الشيخ في «كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها»، وهو كتاب يجمع أحكام العطايا والهدايا التي تقوّي روابط المودة بين المسلمين، وتظهر فيه أخلاق النبي ﷺ في الأخذ والعطاء.

وتأتي أهمية هذا الموضوع من أن الهدية خُلُق اجتماعي يرغّب فيه الإسلام، وتتعلق به أحكام فقهية كثيرة: ما يجوز قبوله من الهدايا وما يُرَدّ، والفرق بين الصدقة والهدية، وحكم طلب الهبة من الأصحاب، ومكافأة المُهدي، والعدل بين الأولاد في العطية. ويتوقف الشيخ أثناء الشرح عند مواضع من سيرة النبي ﷺ وبيوته، فيردّ الشبهات التي يثيرها الطاعنون في السنة وفي صحيح البخاري.

وأهداف الدرس أن يتعرّف المشاهد على فضل الهدية ولو كانت قليلة، وأن يفهم أحكام قبولها وردّها، وأن يقتدي بهدي النبي ﷺ في زهده وتواضعه وعدله بين أزواجه، وأن يكون عنده من الفهم ما يدفع به عن السنة النبوية ما يُثار حولها من شبهات.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: فضل الهبة والتحريض عليها ولو كانت قليلة

افتتح الإمام البخاري كتاب الهبة بحديث أبي هريرة رضي الله عنه الذي يحث فيه النبي ﷺ النساء على التهادي بين الجارات، وألّا تستصغر المرأة أن تهدي جارتها شيئًا يسيرًا. وبيّن الشيخ أن «فِرْسِن الشاة» هو ظِلفها، وأن المراد: ولو كان أقلَّ شيء، فالقصد إشاعة المودة لا قيمة العطية.

قال رسول الله ﷺ: «يَا نِسَاءَ المُسْلِمَاتِ، لَا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا وَلَوْ فِرْسِنَ شَاةٍ».

ثم أورد حديث عائشة رضي الله عنها الذي يصف شدة العيش في بيوت النبي ﷺ، إذ كانت تمر الأهلّة ولا يوقد في بيوته نار، وكان عيشهم على التمر والماء، إلا ما كان يهديه إليه جيرانه من الأنصار من ألبان مَنائحهم. والمنائح جمع مَنيحة، وهي الناقة أو الشاة يُعطاها الرجل لينتفع بلبنها ثم يردّها.

قالت عائشة رضي الله عنها: «ابْنَ أُخْتِي، إِنْ كُنَّا لَنَنْظُرُ إِلَى الهِلَالِ ثُمَّ الهِلَالِ، ثَلَاثَةَ أَهِلَّةٍ فِي شَهْرَيْنِ، وَمَا أُوقِدَتْ فِي أَبْيَاتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَارٌ»، فقال عروة: ما كان يُعيشكم؟ قالت: «الأَسْوَدَانِ: التَّمْرُ وَالمَاءُ».

وفي باب القليل من الهبة ساق حديث أبي هريرة في تواضعه ﷺ وقبوله اليسير من الهدية وإجابته الدعوة إلى القليل من الطعام. والكُراع ما دون الركبة من الساق في الغنم والبقر، وهو قليل اللحم.

قال ﷺ: «لَوْ دُعِيتُ إِلَى ذِرَاعٍ أَوْ كُرَاعٍ لَأَجَبْتُ، وَلَوْ أُهْدِيَ إِلَيَّ ذِرَاعٌ أَوْ كُرَاعٌ لَقَبِلْتُ».

المحور الثاني: طلب الهبة من الأصحاب، وقبول هدية الصيد

بوّب البخاري بابًا فيمن استوهب من أصحابه شيئًا، وأورد فيه قوله ﷺ: «اضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ سَهْمًا». وذكر الشيخ أن طلب الهبة جائز إذا كان من قريب أو صديق يُعلم أنه يطيب نفسًا بذلك، وأنه لا يُعدّ عيبًا ولا مذلة. ومن أمثلته قصة المرأة الأنصارية وغلامها النجار الذي صنع أعواد المنبر من طَرْفاء الغابة، فأرسلت به إلى النبي ﷺ فوضعه في موضعه.

ثم شرح الشيخ قصة أبي قتادة رضي الله عنه، إذ كان غير محرم وأصحابه محرمون، فأبصر حمارًا وحشيًّا فركب فرسه، ولم يُعِنه أصحابه بالسوط ولا بالرمح لأنهم محرمون، فعقره وأكلوا منه. ثم شكّوا في جواز أكلهم منه وهم حُرُم، فسألوا النبي ﷺ فقال: «هَلْ مَعَكُمْ مِنْهُ شَيْءٌ؟»، فناولوه العَضُد فأكلها وهو محرم. ويُفهم من ذلك أن المحرم يجوز له أن يأكل من صيد الحلال إذا لم يُصَد من أجله ولم يُعِن عليه.

وفي المقابل ردّ النبي ﷺ على الصعب بن جثّامة رضي الله عنه الحمار الوحشي الذي أهداه إليه بالأبواء أو بودّان، فلما رأى أثر الردّ في وجهه طيّب خاطره وبيّن له السبب.

قال ﷺ: «إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ».

ومن آداب الضيافة التي ذكرها الشيخ في هذه الأبواب حديث أنس رضي الله عنه حين شرب النبي ﷺ لبنًا، فأعطى فضله الأعرابيّ الذي عن يمينه قبل أبي بكر الذي كان عن يساره، وقال: «الأَيْمَنُونَ الأَيْمَنُونَ، أَلَا فَيَمِّنُوا». وذكر أيضًا قبوله ﷺ هدية الأرنب.

المحور الثالث: الفرق بين الصدقة والهدية

كان النبي ﷺ لا يأكل الصدقة ويأكل الهدية، فإذا أُتي بطعام سأل عنه: أهدية أم صدقة؟ فإن قيل صدقة قال لأصحابه: كلوا، ولم يأكل، وإن قيل هدية أكل معهم. وأورد البخاري هدية أم حُفَيد خالة ابن عباس، وكانت أقِطًا وسمنًا وأضُبًّا، فأكل النبي ﷺ من الأقط والسمن وترك الضب تقذّرًا، وأُكل الضب على مائدته. فاستدل ابن عباس بذلك على أن الضب حلال، ولو كان حرامًا ما أُكل على مائدة رسول الله ﷺ.

وقرر الشيخ قاعدة مهمة، وهي أن تغيّر جهة الملك يغيّر حكم المال. فالصدقة إذا وصلت إلى مستحقها صارت ملكًا له، فإذا أهداها لغيره صارت في حق المُهدى إليه هدية لا صدقة، ولا شأن للمُهدى إليه بكيفية وصولها إلى المُهدي ما دامت قد صارت ملكه. واستدل على ذلك بحديثي بريرة وأم عطية رضي الله عنهما.

قال ﷺ في اللحم الذي تُصدِّق به على بريرة: «هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ، وَلَنَا هَدِيَّةٌ».

وقال ﷺ في الشاة التي بعثت بها أم عطية من الصدقة: «إِنَّهَا قَدْ بَلَغَتْ مَحِلَّهَا».

المحور الرابع: تحرّي الناس بهداياهم يوم عائشة، والردّ على شبهات الطاعنين

شرح الشيخ باب «من أهدى إلى صاحبه وتحرّى بعض نسائه دون بعض». فقد كان الناس يتحرّون بهداياهم يوم عائشة رضي الله عنها لعلمهم بمحبة النبي ﷺ لها، فطلبت أم سلمة رضي الله عنها ومن معها من أمهات المؤمنين أن يأمر النبي ﷺ الناس بأن يهدوا إليه حيث كان. وكان ﷺ يستحيي أن يقول للناس: أهدوا إليّ في بيت فلانة، لأن الهدية فعل الناس واختيارهم، وليست أمرًا يملكه هو.

قال ﷺ لأم سلمة: «لَا تُؤْذِينِي فِي عَائِشَةَ، فَإِنَّ الوَحْيَ لَمْ يَأْتِنِي وَأَنَا فِي ثَوْبِ امْرَأَةٍ إِلَّا عَائِشَةَ».

وبيّن الشيخ أن هذا فضل من الله يؤتيه من يشاء، كما قال تعالى: ﴿ذَٰلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ﴾. ثم أرسلن فاطمة رضي الله عنها، فقال لها النبي ﷺ: «أَيْ بُنَيَّةُ، أَلَا تُحِبِّينَ مَا أُحِبُّ؟» قالت: بلى. ثم أرسلن زينب بنت جحش رضي الله عنها، فأغلظت ونالت من عائشة، فانتصرت عائشة لنفسها حتى أسكتتها، فنظر النبي ﷺ إلى عائشة وقال: «إِنَّهَا بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ». وعلّق الشيخ بأن عائشة ظُلمت، فأحب النبي ﷺ أن تنتصف لنفسها في الدنيا حتى لا تبقى بينهما مظلمة إلى الآخرة.

وحذّر الشيخ من صنفين في هذا الحديث. الأول: من يتخذ قولها «كنّ حزبين» دليلًا على إباحة الحزبية المذمومة، وإنما المراد ميل بعضهن إلى بعض بالمودة والصحبة، كما يحدث بين الأخوات في البيت الواحد، دون عداوة ولا شحناء. والثاني: من يطعن في عدل النبي ﷺ أو في صحة الحديث بقولهن «ينشدنك الله العدل»، فالقسم كان قائمًا بالعدل، والهدايا من اختيار الناس. ونبّه الشيخ كذلك إلى وجوب التثبت وعدم التسرع في إطلاق الأحكام على من تكلّم في أحاديث الصحيح، إذ للحكم في ذلك اعتبارات وضوابط معروفة عند أهل العلم.

المحور الخامس: آداب الهبة؛ عدم ردّ الطيب، وهبة الغائب، والمكافأة، والعدل بين الأولاد

عقد البخاري بابًا فيما لا يُردّ من الهدية، وذكر فيه أن أنسًا رضي الله عنه كان لا يردّ الطيب، وأن النبي ﷺ كان لا يردّ الطيب، لأنه خفيف المحمل طيب الرائحة. ثم ذكر باب «من رأى الهبة الغائبة جائزة»، واستدل له بقصة وفد هوازن، حين قام النبي ﷺ في الناس فاستطاب نفوسهم في ردّ سبيهم، ووعد من أحب أن يكون على حظه بأن يعطيه من أول ما يفيء الله على المسلمين.

ثم باب المكافأة في الهبة، فمن السنة أن تكافئ من أهدى إليك بهدية مثلها أو أفضل منها.

قالت عائشة رضي الله عنها: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْبَلُ الهَدِيَّةَ وَيُثِيبُ عَلَيْهَا».

وختم الشيخ بباب الهبة للولد، وهو قول البخاري: «إذا أعطى بعض ولده شيئًا لم يجز حتى يعدل بينهم ويعطي الآخرين مثله، ولا يُشهَد عليه». وقرّر أن الحق وجوب العدل بين الأولاد في العطية، فلا يُخصّ أحدهم بشيء دون إخوته، لقوله ﷺ: «اتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ».

النقاط الرئيسية

  • الهدية مستحبة ولو كانت يسيرة، والمقصود منها إشاعة المودة لا قيمة الشيء المُهدى.
  • كان النبي ﷺ زاهدًا متواضعًا، يعيش على التمر والماء، ويقبل الذراع والكراع ويجيب الدعوة إليهما.
  • يجوز طلب الهبة ممن تُعلم طيب نفسه بها من الأصحاب والأقارب.
  • يجوز للمحرم أن يأكل من صيد الحلال إذا لم يُصَد من أجله ولم يُعِن عليه، ويُرَدّ الصيد إذا صِيد لأجله، مع بيان سبب الرد تطييبًا لخاطر المُهدي.
  • الصدقة إذا بلغت محلها وملكها مستحقها صارت هدية في حق من يُهدى إليه منها.
  • فضل أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ومنزلتها عند النبي ﷺ، والردّ على من يطعن في عدله ﷺ أو في صحيح البخاري.
  • من السنة ألّا يُردّ الطيب، وأن يُكافأ المُهدي، ويجب العدل بين الأولاد في العطية.

الفوائد والعبر

  • لا تستصغر هدية تقدّمها لجارك أو أخيك، ولا تحتقر هدية تُقدَّم إليك، فإن القليل يقرّب القلوب ويزيل الضغائن.
  • إذا اضطررت إلى ردّ هدية فبيّن لصاحبها السبب بلطف، كما فعل النبي ﷺ مع الصعب بن جثامة.
  • احرص على مكافأة من أحسن إليك، واعدل بين أولادك في العطايا، فإن تفضيل بعضهم يورث العقوق والقطيعة.
  • اقتدِ بزهد النبي ﷺ وصبر أهل بيته على شدة العيش، واجعل ذلك عونًا لك على القناعة والرضا.
  • تثبّت في فهم نصوص السنة على وفق فهم أهل العلم، ولا تنخدع بشبهات الطاعنين في صحيح البخاري، ولا تتسرع في إطلاق الأحكام على الناس.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات