شرح كتاب "صحيح الإمام البخاري " الشرح الثاني الدرس رقم ( 162) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

4,957 مشاهدة
183 مشاركة
منذ 3 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس الثاني والستون بعد المئة من مجالس الشرح الثاني لكتاب «الجامع الصحيح» للإمام أبي عبد الله البخاري رحمه الله تعالى. ألقاه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري بعد صلاة المغرب من يوم الثلاثاء، الثامن والعشرين من شهر شوال سنة 1440هـ، الموافق للثاني من شهر يوليو سنة 2019م. ويتناول الدرس أبوابًا من «كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة»، وهي أبواب تضبط علاقة المسلم بالوحي، وتبيّن حدوده في الحكم على الناس، وموقفه من أقوال العلماء والحكام إذا خالفت سنة النبي ﷺ.

يبدأ الشيخ بباب قول الله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾، ويقرر منه أن أمر الجنة والنار لله وحده، فلا يجوز لأحد أن يتألّى على الله. ثم ينتقل إلى ذم الجدل بالباطل، ثم إلى وسطية هذه الأمة وشهادتها على الأمم يوم القيامة، ووجوب لزوم الجماعة وغَرْز العلماء الربانيين. ويختم ببيان أن كل حكم يخالف أمر رسول الله ﷺ مردود، مع التفريق بين ردّ الباطل وبين الخروج على الحكام، وبيان أجر المجتهد إذا أصاب وإذا أخطأ.

ويهدف الدرس إلى أن يتعلم المشاهد الأدب مع الله في الحكم على الخلق، وأن يقدّم النص الشرعي على كل قول، وأن يعرف أحكام الربا في الأصناف الربوية ويطبّقها في معاملاته اليومية، كبيع الذهب وتقسيط السيارات، وأن يفرّق بين الأمور المتشابهة كما يفعل الفقيه.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: أمر الجنة والنار لله وحده، فلا يُتألّى على الله

يبيّن الشيخ أن مصير العباد في الآخرة لا يملكه إلا رب العالمين، فلا يحق لأحد أن يقطع لمعيَّن من الأحياء بجنة أو نار. فإذا كان سيد الخلق ﷺ قد قال له ربه: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران: 128]، فغيره من الناس أولى بأن يمسك عن ذلك.

وأورد البخاري حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه سمع رسول الله ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة من الفجر يقول بعد «رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ»: «اللَّهُمَّ الْعَنْ فُلَانًا وَفُلَانًا»، فأنزل الله عز وجل: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾. وقد أسلم أولئك الذين دعا عليهم بعد ذلك، لأن الله علم في قلوبهم خيرًا فشرح صدورهم للإسلام.

ويفرّق الشيخ بين حالين. الأول: الحي، فما دام في وقته فسحة يُخشى عليه ويُرجى له، ويجوز الدعاء على الكافر المعيَّن ولعنه، ولا يلزم من ذلك أن يُستجاب الدعاء، فقد يُسلم قبل موته. والثاني: من مات على الكفر من اليهود أو النصارى أو الملاحدة، فهذا نشهد له بالخلود في النار. وينكر الشيخ على من يقول عن كافر مات على كفره: «لعله أسلم»، ويعدّ ذلك تلبيسًا على الناس.

ومن دروس الباب ألا ييأس المسلم من رحمة الله لأحد مهما بلغ كفره وعناده، فلعل الله يهديه في لحظة.

المحور الثاني: ذم الجدل بالباطل، ودعوة أهل الكتاب إلى التوحيد

يشرح الشيخ باب قوله تعالى: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: 54]. فالإنسان كثير الجدل، يجادل بالباطل ليدفع الحق، ويحاول أن يسوّغ لنفسه ما يقع فيه من أخطاء ومحرمات. وأورد البخاري حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ طرقه وفاطمة رضي الله عنها ليلًا فقال: «أَلَا تُصَلُّونَ؟»، فقال علي: يا رسول الله، إنما أنفسنا بيد الله، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا. فانصرف النبي ﷺ ولم يرجع إليه شيئًا، ثم سمعه وهو مُولٍّ يضرب فخذه ويقول: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾.

ويستفيد الشيخ من الحديث أمرين. الأول: أن الاستدلال بآية نزلت في الكفار على خطأ وقع من مسلم لا يعني تكفيره. والثاني: أن المسلم إذا بلّغ النصيحة وسمع الجواب انصرف ولم يُطِل المراء. ثم ذكر تفسير البخاري للطارق بأنه من يأتي ليلًا، وأن «الطارق» في الآية هو النجم، و«الثاقب» هو المضيء. ومن هنا يُستعاذ بالله من كل طارق إلا طارقًا يطرق بخير.

وفي قوله تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: 46] يقرر الشيخ أن أهل الكتاب يُدعَون إلى التوحيد: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾ [آل عمران: 64]. وينكر على من يزعم أن من كذّب النبي ﷺ ومات على ذلك مسلمٌ من أهل الجنة، إذ كيف يستوي من يقول «الله واحد» ومن يقول «الله ثالث ثلاثة»؟

وأورد البخاري حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ انطلق إلى بيت المِدْراس فنادى اليهود: «يَا مَعْشَرَ يَهُودَ، أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا»، وكررها ثلاثًا، ثم قال: «اعْلَمُوا أَنَّمَا الْأَرْضُ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَأَنِّي أُرِيدُ أَنْ أُجْلِيَكُمْ مِنْ هَذِهِ الْأَرْضِ». وفيه أن البلاغ واجب، وأن جزيرة العرب لا يُقَرّ فيها الكفر، وأنه لا يجوز جلب الكفر إلى بلاد المسلمين بحجة الحضارة والتقدم.

وفي أثناء الشرح نبّه الشيخ إلى منهج تربوي، هو أن يعلّم الآباء أبناءهم حديث رسول الله ﷺ وينشروا السنة في بيوتهم، بدل الانشغال بسفاسف الأمور.

المحور الثالث: وسطية الأمة وشهادتها على الأمم، ولزوم الجماعة

يتناول الشيخ باب قوله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: 143]، ومعنى «وسطًا»: عدولًا. وذكر حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «يُجَاءُ بِنُوحٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُقَالُ لَهُ: هَلْ بَلَّغْتَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ يَا رَبِّ، فَتُسْأَلُ أُمَّتُهُ: هَلْ بَلَّغَكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: مَا جَاءَنَا مِنْ نَذِيرٍ، فَيَقُولُ: مَنْ شُهُودُكَ؟ فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ، فَيُجَاءُ بِكُمْ فَتَشْهَدُونَ».

ويبين الشيخ أن هذه الأمة تشهد للأنبياء بأنهم بلّغوا، وشهادتها قائمة على اليقين بخبر الله وخبر رسوله ﷺ. وينبّه إلى أن من اعتاد الكذب في الدنيا يكذب في الآخرة، كما يجحد قوم نوح البلاغ.

وفي أمر النبي ﷺ بلزوم الجماعة يقرر الشيخ أن الجماعة هي الحق ولو كنت وحدك، وأنها في حقيقتها أهل العلم الربانيون الذين يبلّغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدًا إلا الله. ويستشهد بقول أبي بكر الصديق لعمر رضي الله عنهما يوم صلح الحديبية: «الْزَمْ غَرْزَهُ، فَإِنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ». فلزوم غَرْز العلماء الربانيين واجب، وبخاصة في أوقات الفتن، والحذر واجب من الأدعياء الذين ينفّذون أجندات أعداء الأمة.

المحور الرابع: كل حكم يخالف أمر رسول الله ﷺ مردود، مع التفريق بين ردّ الباطل والخروج على الحكام

ترجم البخاري: «باب إذا اجتهد العامل أو الحاكم فأخطأ خلافَ الرسول ﷺ من غير علم فحكمه مردود»، واستدل بقوله ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ». فكلام رسول الله ﷺ حاكم على كلام كل أحد، عالمًا كان أو حاكمًا، وما خالفه فهو باطل لا يُقبل، و«لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ».

ويؤكد الشيخ تفريقًا دقيقًا: ردّ الباطل وترك الطاعة في المعصية فرض، لكن ذلك لا يعني الخروج على الحكام ولا التشهير بهم على المنابر، فهذا محرم. ويستشهد بقول ابن القيم رحمه الله إن الفقيه كل الفقيه من يفرّق بين المفترقات.

وينكر الشيخ منطق «من لم يكن معنا فهو علينا» ويصفه بأنه مذهب إبليس، فلا يُلزَم أحد بالباطل. والمسلم مع كل أحد على الحق، ويخالفه فيما خالف فيه كلام الله ورسوله ﷺ.

المحور الخامس: أحكام الربا في الأصناف الربوية، وأجر الحاكم المجتهد

أورد البخاري حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ استعمل رجلًا من الأنصار على خيبر، فقدم بتمر جنيب، فقال له: «أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا؟» قال: لا والله يا رسول الله، إنا لنشتري الصاع بالصاعين من الجَمْع. فقال ﷺ: «لَا تَفْعَلُوا، وَلَكِنْ مِثْلًا بِمِثْلٍ، أَوْ بِيعُوا هَذَا وَاشْتَرُوا بِثَمَنِهِ مِنْ هَذَا، وَكَذَلِكَ الْمِيزَانُ».

ويبين الشيخ أن الفرق بين الحلال والحرام قد يكون دقيقًا كالشعرة. وضرب لذلك أمثلة: كلمة عقد النكاح تجعل ما كان زنا حلالًا مأجورًا عليه، والعصير غير الخمر. وفي المعاملات قال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275]. ثم نزّل الحكم على الواقع: لا يجوز مبادلة الذهب القديم بالذهب الجديد مع دفع فرق، ولا التحايل على ذلك بتسمية الفرق «مصنعية» أو «دمغة»، بل الذهب بالذهب مثلًا بمثل يدًا بيد، أو يُباع القديم أولًا ثم يُشترى الجديد بثمنه. ومثله التمر والشعير والملح والفضة. وفي تقسيط السيارات فرّق الشيخ بين أن يُتفق من البداية على ثمن التقسيط، وبين أن يُجعل الباقي دَينًا ثم يُزاد عليه، وهذا الثاني ربا محرم بالإجماع. وحذّر من تسمية المحرمات بغير أسمائها.

وختم بباب أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ، وأورد حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ». ونبّه إلى أننا لا نعمل بقول المخطئ، لكنه مأجور إن كان عالمًا بذل جهده في طلب الحق. أما من أفتى بغير علم ولا اجتهاد متبعًا هواه فهو آثم وإن أصاب.

النقاط الرئيسية

  • الجنة والنار بيد الله وحده. لا يُقطع لحيٍّ معيَّن بمصير، ويُشهد بالنار لمن مات على الكفر.
  • يجوز الدعاء على الكافر المعيَّن ولعنه، ولا يلزم من ذلك الاستجابة، فقد يهديه الله قبل موته.
  • الإنسان كثير الجدل، والمؤمن يقبل النصيحة ولا يجادل بالباطل ليسوّغ تقصيره.
  • أهل الكتاب يُدعَون إلى التوحيد، ومن كذّب النبي ﷺ ومات على ذلك فليس من أهل الجنة.
  • هذه الأمة أمة وسط عدول، تشهد للأنبياء يوم القيامة، والجماعة هي الحق وأهلها العلماء الربانيون.
  • كل قول أو حكم يخالف سنة النبي ﷺ مردود، دون أن يكون ذلك مسوّغًا للخروج على الحكام أو التشهير بهم.
  • الأصناف الربوية تُبادَل مثلًا بمثل يدًا بيد، والزيادة على الدَّين ربا، والمجتهد المخطئ مأجور.

الفوائد والعبر

  • أمسك لسانك عن الحكم على الأحياء بالجنة أو النار، ولا تيأس من هداية أحد، وادعُ الله أن يهدي الضالين.
  • إذا نُصحت بطاعة فلا تجادل بالقدر أو بالأعذار، وإذا نصحت غيرك فبلّغ ثم انصرف دون مراء.
  • الزم غَرْز العلماء الربانيين، وبخاصة في الفتن، واجعل كلام الله ورسوله ﷺ ميزانًا لكل قول.
  • راجع معاملاتك في الذهب والتقسيط والبيوع، وتعلّم الفرق الدقيق بين الحلال والحرام قبل أن تتعامل، ولا تغترّ بتسمية الأشياء بغير أسمائها.
  • انشر السنة في بيتك، وعلّم أبناءك حديث رسول الله ﷺ، فهذا من خير ما يشغل المسلم أهله به.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات