شرح كتاب "صحيح الإمام البخاري " الشرح الثاني الدرس رقم ( 142) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

3,914 مشاهدة
326 مشاركة
منذ 3 سنوات

المقدمة

هذا هو الدرس الثاني والأربعون بعد المائة من الشرح الثاني لكتاب «الجامع الصحيح» للإمام أبي عبد الله البخاري رحمه الله تعالى. يلقيه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. ويتناول الدرس جملةً من أبواب «كتاب الرقاق»، وهي أبواب تُرقِّق القلوب وتزهِّد في الدنيا الفانية وترغِّب في الآخرة الباقية. فيبدأ بالتحذير من الاغترار بالحياة الدنيا وبالشيطان، ثم يعرض أبواب فتنة المال، وحقيقة الغنى، وفضل الفقر، وصفة عيش النبي ﷺ وأصحابه رضي الله عنهم.

وتأتي أهمية الدرس من أن المال والدنيا من أعظم ما يُفتن به العبد. فالغنى قد يدفع إلى الكبر والطغيان والترفُّع على الخلق، والفقر المدقع قد يدفع إلى التخلي عن المبادئ وبيع الدين. والسلامة في التوسط وفي الرضا بما قسم الله، وفي إنفاق المال في حقِّه ابتغاء وجه الله.

ويهدف الدرس إلى أن يعرف المسلم حقيقة الدنيا ومنزلتها، وأن يحذر من الاغترار بالطاعة أو بالمال. ويهدف كذلك إلى أن يدرك أن ماله الحقيقي هو ما قدَّمه لآخرته، وأن الغنى الحق هو غنى النفس، وأن يقتدي بالنبي ﷺ وأصحابه في زهدهم وصبرهم على شظف العيش.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: التحذير من الاغترار بالدنيا والشيطان والعمل

افتتح الإمام البخاري هذه الأبواب بقول الله تعالى في سورة فاطر. ونقل عن مجاهد أن «الغرور» هو الشيطان. والمعنى أن على العبد أن يتقي الله سبحانه، فلا تغرَّه الدنيا بزينتها، ولا يغرَّه الشيطان بوساوسه، وأن يتخذ الشيطان عدوًّا مبينًا كما أمر الله.

ثم أورد حديث عثمان بن عفان رضي الله عنه في صفة وضوء النبي ﷺ، وفيه فضل إحسان الوضوء وصلاة ركعتين بعده بخشوع وتدبُّر. وختم الحديث بقوله ﷺ: «لا تغترُّوا». وبيَّن الشيخ أن العبد لا ينبغي أن يغترَّ بعمله ولا يتَّكل عليه، لأنه لا يملك ضمان القبول، و«إنما يتقبل الله من المتقين».

ثم ذكر باب ذهاب الصالحين، وفيه أن الصالحين يقلُّون زمنًا بعد زمن حتى لا يبقى إلا حُثالة الناس الذين لا يعبأ الله بهم.

قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ * إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: 5-6]

قال ﷺ: «مَنْ تَوَضَّأَ مِثْلَ هَذَا الوُضُوءِ، ثُمَّ أَتَى المَسْجِدَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ جَلَسَ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»، قال: وقال النبي ﷺ: «لَا تَغْتَرُّوا».

قال ﷺ: «يَذْهَبُ الصَّالِحُونَ، الأَوَّلُ فَالأَوَّلُ، وَيَبْقَى حُفَالَةٌ كَحُفَالَةِ الشَّعِيرِ أَوِ التَّمْرِ، لَا يُبَالِيهِمُ اللَّهُ بَالَةً».

المحور الثاني: فتنة المال وحرص ابن آدم عليه

بيَّن الشيخ أن المال فتنة في وجوده وفي فقده. فوجوده قد يجرُّ إلى الكبر والغطرسة، والفقر الشديد قد يجرُّ إلى التنازل عن الدين والمبادئ. ولذلك يُسأل الله الرزق الكفاف الذي يغني عن الحاجة إلى المخلوقين.

وأورد البخاري حديث «تَعِسَ عبدُ الدينار». وفيه ذمُّ من صار عبدًا للمال، يدور معه حيث دار، فإن أُعطي رضي، وإن مُنع سخط وتنكَّر لمن حوله.

ثم ساق أحاديث ابن عباس وابن الزبير وأنس رضي الله عنهم في أن ابن آدم لو ملك واديًا من ذهب لابتغى ثانيًا، ولو ملك واديين لابتغى ثالثًا، ولا يملأ جوفه إلا التراب. ونقل البخاري تردُّد الصحابة: هل كان هذا من القرآن؟ ثم قال أُبيٌّ رضي الله عنه: كنا نرى هذا من القرآن حتى نزلت ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾.

قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: 15]

قال ﷺ: «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، وَالدِّرْهَمِ، وَالقَطِيفَةِ، وَالخَمِيصَةِ، إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَرْضَ».

قال ﷺ: «لَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ مَالٍ لَابْتَغَى ثَالِثًا، وَلَا يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ، وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ».

المحور الثالث: «المال خضرة حلوة» وحقيقة المال النافع

ذكر البخاري قول الله تعالى في تزيين الشهوات للناس. وأورد أثر عمر رضي الله عنه في أن الفرح بما زيَّنه الله أمر فطري لا يُستطاع دفعه، وأن العبرة بإنفاق المال في حقِّه.

ثم ساق حديث حكيم بن حزام رضي الله عنه حين سأل النبي ﷺ مرة بعد مرة فأعطاه. وفيه أن البركة في المال لمن أخذه بطيب نفس من غير تطلُّع ولا حرص، وأن من أخذه بإشراف نفس كان كالذي يأكل ولا يشبع، وأن اليد العليا المعطية خير من اليد السفلى الآخذة.

وفي باب «ما قدَّم من ماله فهو له» بيَّن النبي ﷺ أن مال الإنسان الحقيقي هو ما أنفقه في سبيل الله فقدَّمه لنفسه، أما ما يتركه بعد موته فهو مال ورثته.

قال الله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [آل عمران: 14]

قال عمر رضي الله عنه: «اللَّهُمَّ إِنَّا لَا نَسْتَطِيعُ إِلَّا أَنْ نَفْرَحَ بِمَا زَيَّنْتَهُ لَنَا، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ أَنْ أُنْفِقَهُ فِي حَقِّهِ».

قال ﷺ: «إِنَّ هَذَا المَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فَمَنْ أَخَذَهُ بِطِيبِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ، وَكَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ، وَاليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى».

قال ﷺ: «أَيُّكُمْ مَالُ وَارِثِهِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ مَالِهِ؟» قالوا: يا رسول الله، ما منا أحد إلا ماله أحب إليه، قال: «فَإِنَّ مَالَهُ مَا قَدَّمَ، وَمَالُ وَارِثِهِ مَا أَخَّرَ».

المحور الرابع: «المكثرون هم المقلون» وزهد النبي ﷺ في جمع المال

أورد البخاري حديث أبي ذر رضي الله عنه حين مشى مع النبي ﷺ ليلًا في حرَّة المدينة. فأخبره ﷺ أن أصحاب الأموال الكثيرة هم أقلُّ الناس أجرًا يوم القيامة، إلا من أنفق ماله في وجوه الخير يمينًا وشمالًا وأمامًا وخلفًا، وقليل ما هم.

وفي الحديث بشارة جبريل عليه السلام بأن من مات من هذه الأمة لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة وإن زنى وإن سرق. وفيه أيضًا طاعة أبي ذر للنبي ﷺ حين أمره ألا يبرح مكانه، فلم يبرح مع خوفه عليه.

ونبَّه الشيخ إلى تعقيب الإمام البخاري على رواية أبي الدرداء بأنها مرسلة لا تصح، وأن الصحيح هو حديث أبي ذر. وفي هذا بيان لدقة البخاري في نقد الروايات.

ثم ذكر قوله ﷺ إنه لا يسرُّه أن يكون له مثل جبل أحد ذهبًا تمضي عليه ثلاث ليال وعنده منه دينار، إلا شيئًا يرصده لدين.

قال الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: 15-16]

قال ﷺ: «إِنَّ المُكْثِرِينَ هُمُ المُقِلُّونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، إِلَّا مَنْ أَعْطَاهُ اللَّهُ خَيْرًا، فَنَفَحَ فِيهِ يَمِينَهُ وَشِمَالَهُ وَبَيْنَ يَدَيْهِ وَوَرَاءَهُ، وَعَمِلَ فِيهِ خَيْرًا».

قال جبريل عليه السلام: «بَشِّرْ أُمَّتَكَ أَنَّهُ مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الجَنَّةَ»، قلتُ: يا جبريل، وإن سرق وإن زنى؟ قال: «نَعَمْ، وَإِنْ شَرِبَ الخَمْرَ».

قال ﷺ: «مَا يَسُرُّنِي أَنَّ عِنْدِي مِثْلَ أُحُدٍ هَذَا ذَهَبًا، تَمْضِي عَلَيَّ ثَالِثَةٌ وَعِنْدِي مِنْهُ دِينَارٌ، إِلَّا شَيْئًا أَرْصُدُهُ لِدَيْنٍ».

المحور الخامس: الغنى غنى النفس، وفضل الفقر، وعيش النبي ﷺ وأصحابه

بيَّن الشيخ أن الغنى الحقيقي ليس بكثرة المال، وإنما هو غنى النفس واستغناؤها بالله عز وجل. وأن الفقر الممدوح ليس الفقر المدقع، وإنما أن يملك الإنسان ما يكفيه.

وفي حديث سهل بن سعد رضي الله عنه مرَّ رجلان على النبي ﷺ، أحدهما من أشراف الناس يُزوَّج إن خطب ويُشفَّع إن شفع، والآخر من فقراء المسلمين لا يُزوَّج ولا يُشفَّع ولا يُسمع لقوله. فقال ﷺ إن الفقير خير من ملء الأرض من مثل الأول. وفي الحديث أن الميزان عند الله هو التقوى لا الجاه ولا المال.

وفي حديث خباب رضي الله عنه ذكرُ مصعب بن عمير رضي الله عنه، الذي قُتل يوم أحد ولم يترك إلا نَمِرة؛ إذا غُطِّي بها رأسه بدت رجلاه، وإذا غُطِّيت رجلاه بدا رأسه. فأمرهم النبي ﷺ أن يغطوا رأسه ويجعلوا على رجليه شيئًا من الإذخر.

ثم أورد البخاري أحاديث في صفة عيش النبي ﷺ: أنه لم يأكل على خِوان ولا أكل خبزًا مرقَّقًا حتى مات، وأن عائشة رضي الله عنها لم يكن في بيتها بعد وفاته إلا شطر شعير. وأورد كذلك قصة أبي هريرة رضي الله عنه مع الجوع وقدح اللبن الذي سقى منه أهل الصفة جميعًا ببركة النبي ﷺ حتى رووا، ثم شرب أبو هريرة حتى قال: والذي بعثك بالحق ما أجد له مسلكًا، ثم شرب النبي ﷺ الفضلة. وختم بقول سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه إنهم كانوا يغزون وما لهم طعام إلا ورق الشجر.

قال ﷺ: «لَيْسَ الغِنَى عَنْ كَثْرَةِ العَرَضِ، وَلَكِنَّ الغِنَى غِنَى النَّفْسِ».

قال ﷺ: «هَذَا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الأَرْضِ مِثْلَ هَذَا».

قال ﷺ: «اطَّلَعْتُ فِي الجَنَّةِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الفُقَرَاءَ، وَاطَّلَعْتُ فِي النَّارِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ».

قال أبو هريرة رضي الله عنه: «آللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، إِنْ كُنْتُ لَأَعْتَمِدُ بِكَبِدِي عَلَى الأَرْضِ مِنَ الجُوعِ، وَإِنْ كُنْتُ لَأَشُدُّ الحَجَرَ عَلَى بَطْنِي مِنَ الجُوعِ».

قال أنس رضي الله عنه: «لَمْ يَأْكُلِ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى خِوَانٍ حَتَّى مَاتَ، وَمَا أَكَلَ خُبْزًا مُرَقَّقًا حَتَّى مَاتَ».

قال سعد رضي الله عنه: «إِنِّي لَأَوَّلُ العَرَبِ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ».

النقاط الرئيسية

  • الحذر من الاغترار بالدنيا وبالشيطان، ومن الاتكال على العمل الصالح، لأن القبول بيد الله وحده.
  • الصالحون يذهبون جيلًا بعد جيل حتى لا يبقى إلا حُثالة الناس.
  • المال فتنة في وجوده وفي فقده، ومن صار عبدًا له تعس وانتكس.
  • حرص ابن آدم على المال لا ينتهي، ولا يملأ جوفه إلا التراب.
  • البركة لمن أخذ المال بطيب نفس، ومال العبد الحقيقي ما قدَّمه لآخرته.
  • المكثرون هم المقلون يوم القيامة إلا من أنفق في وجوه الخير، والغنى الحق غنى النفس.
  • عاش النبي ﷺ وأصحابه في زهد وشظف، وصبروا على الجوع ابتغاء ما عند الله.

الفوائد والعبر

  • أن يجمع المسلم بين إحسان العمل والخوف من عدم قبوله، فلا يغترَّ بطاعته ولا يأمن مكر الله.
  • أن يسأل الله الرزق الكفاف، ويرضى بما قسم له، ويستغني بالله عن الناس، فذلك هو الغنى الحقيقي.
  • أن يبادر بالإنفاق والصدقة في حياته، لأن ما يقدِّمه هو ماله الباقي، وما يؤخِّره مال ورثته.
  • ألا يزن الناس بأموالهم ومناصبهم، فالفقير التقي قد يكون عند الله خيرًا من ملء الأرض من الأغنياء.
  • أن يتأسَّى بالنبي ﷺ وأصحابه في الزهد والصبر والإيثار، وفي طاعة الأمر وإن خالف هوى النفس، كما فعل أبو ذر وأبو هريرة رضي الله عنهما.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات