شرح كتاب "صحيح الإمام البخاري " الشرح الثاني الدرس رقم ( 96) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
يأتي هذا الدرس، وهو المجلس السادس والتسعون من مجالس شرح «الجامع الصحيح» للإمام أبي عبد الله البخاري رحمه الله، ضمن الشرح الثاني الذي يقدمه فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري. وقد عُقد المجلس بعد المغرب من يوم الثلاثاء الخامس والعشرين من شهر صفر سنة تسع وثلاثين وأربعمائة وألف للهجرة، الموافق للرابع عشر من شهر نوفمبر سنة سبع عشرة وألفين للميلاد. ويتناول الدرس أبوابًا من كتاب التفسير، تُختم بها سورة المائدة وتُفتتح بها سورة الأنعام.
ويعالج الدرس قضايا عقدية وفقهية عظيمة، أبرزها:
- تحريم الخمر، وبيان حقيقتها ومن أي شيء تُصنع.
- صورة فريدة من سرعة امتثال الصحابة رضي الله عنهم لأمر الله.
- النهي عن كثرة السؤال وسؤال التعنت.
- إبطال ما ابتدعه أهل الجاهلية من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام.
- مشاهد من الحشر يوم القيامة.
- اختصاص الله تعالى بعلم مفاتح الغيب الخمسة.
- استعاذة النبي ﷺ من العذاب المستأصل، وإخباره بما يقع في الأمة من الفرقة.
ويهدف الدرس إلى أن يفهم طالب العلم مقاصد الشريعة في حفظ العقول، وأن يعظّم النصوص ويسلّم لها تسليم الصحابة دون تفلسف أو جدال. كما يرسّخ عقيدة أهل السنة في حجية خبر الآحاد، وفي عدالة الصحابة، وفي أن علم الغيب لله وحده، مع الرد على شبهات المخالفين من الرافضة وغلاة المتصوفة.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: تحريم الخمر وبيان حقيقتها
افتتح الشيخ الدرس بباب قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [المائدة: 90]. ثم شرح تفسير ابن عباس رضي الله عنهما للأزلام بأنها القِداح التي كان أهل الجاهلية يستقسمون بها في أمورهم، فيُقدمون على الفعل أو يُحجمون عنه بحسب ما يخرج لهم. وبيّن أن الأنصاب هي ما كانوا يذبحون عليه لغير الله.
ثم أوضح أن الخمر لا تختص بعصير العنب، بل تُصنع من أشياء كثيرة كالعسل والشعير والتمر والعنب وغيرها، إذا عُصرت وتُركت حتى تغلي وتشتد. وسُمّيت خمرًا لأنها تخامر العقل، أي تستره وتغيّبه. وحفظ العقل من مقاصد الشريعة الكبرى لأنه مناط التكليف، والإنسان لا يملك بدنه وعقله ليتصرف فيهما كيف يشاء، بل يتصرف فيهما بأمر الله. وما حرّم الله شيئًا إلا وفيه مضرة كبرى.
وقرّر الشيخ أن كل ما غيّب العقل فهو خمر، ويدخل في ذلك الحشيش والأفيون والبنج وسائر المخدرات. وحذّر تحذيرًا شديدًا من المتاجرين بهذه السموم ومُروّجيها بين الناس. كما ذكر أن خلط التمر بالزبيب أو الرطب بالبسر في النبيذ أمر منهي عنه عند جمهور العلماء، ونبّه على ما يُصنع في رمضان من «الخُشاف» إذا جُمع فيه التمر والعنب ونُبذا في الماء. أما أكلهما معًا دون نبذ فلا حرج فيه، لأنه طعام.
عن عمر رضي الله عنه أنه قال على منبر النبي ﷺ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ، وَهِيَ مِنْ خَمْسَةٍ: مِنَ الْعِنَبِ وَالتَّمْرِ وَالْعَسَلِ وَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ، وَالْخَمْرُ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ». [رواه البخاري]
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ، وَإِنَّ فِي الْمَدِينَةِ يَوْمَئِذٍ لَخَمْسَةَ أَشْرِبَةٍ، مَا فِيهَا شَرَابُ الْعِنَبِ». [رواه البخاري]
المحور الثاني: سرعة امتثال الصحابة وحجية خبر الواحد
روى البخاري عن أنس رضي الله عنه أنه كان ساقي القوم في منزل أبي طلحة رضي الله عنه حين جاء رجل يخبرهم بتحريم الخمر. فقال أبو طلحة: «أَهْرِقْهَا»، فأهرقوها حتى جرت في سكك المدينة. فلم يسألوا عنها، ولم يراجعوا، ولم يتفلسفوا في الانتفاع بها أو تحويلها خلًّا.
واستنبط الشيخ من ذلك أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يعتقدون حجية خبر الواحد في العقيدة وفي غيرها. وردّ على من يفرّق بين العقائد والأحكام في قبول خبر الآحاد، لأن اعتقاد حِلّ الشيء أو حرمته هو نفسه من الاعتقاد. فالصحابة كانوا يشربونها معتقدين حلّها، فلما جاءهم خبر رجل واحد بتحريمها انتقلوا فورًا إلى اعتقاد حرمتها.
وقارن الشيخ بين حال الصحابة وحال كثير من أهل هذا العصر، الذين صاروا يجادلون في الثوابت ويناقشون ما هو معلوم من الدين بالضرورة. ثم بيّن سبب نزول قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة: 93]، وذلك حين قال بعض القوم: قُتل قوم وهي في بطونهم، فطمأنهم الله تعالى بأن من مات قبل التحريم لا إثم عليه.
عن جابر رضي الله عنه قال: «صَبَّحَ أُنَاسٌ غَدَاةَ أُحُدٍ الْخَمْرَ، فَقُتِلُوا مِنْ يَوْمِهِمْ جَمِيعًا شُهَدَاءَ، وَذَلِكَ قَبْلَ تَحْرِيمِهَا». [رواه البخاري]
وعن أنس رضي الله عنه قال: «مَا كَانَ لَنَا خَمْرٌ غَيْرُ فَضِيخِكُمْ هَذَا الَّذِي تُسَمُّونَهُ الْفَضِيخَ». [رواه البخاري]
المحور الثالث: النهي عن سؤال التعنت وإبطال تشريعات الجاهلية
شرح الشيخ قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: 101]، وذكر سبب نزولها. فقد خطب النبي ﷺ خطبة بليغة فغطّى الصحابة وجوههم ولهم خنين، وهو البكاء بصوت مكتوم. وكان قوم يسألون النبي ﷺ استهزاءً، فيقول أحدهم: من أبي؟ ويقول آخر ضلّت ناقته: أين ناقتي؟ فنزلت الآية.
ثم انتقل إلى قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ [المائدة: 103]، ونقل تفسيرها عن سعيد بن المسيب:
- البحيرة: التي يُمنع درّها للطواغيت فلا يحلبها أحد.
- السائبة: التي يسيّبونها لآلهتهم فلا يُحمل عليها شيء.
- الوصيلة: الناقة تبكّر بأنثى ثم تثنّي بأنثى، فيسيّبونها لطواغيتهم.
- الحام: فحل الإبل يضرب الضراب المعدود ثم يُترك للطواغيت.
وشبّه الشيخ ذلك بما يفعله عُبّاد البقر في الهند من تقديس البقر وتركها في الطرقات، متعجبًا من ضلال العقول حين تنحرف عن التوحيد.
قال رسول الله ﷺ: «لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا». [رواه البخاري]
وقال ﷺ: «رَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ عَامِرٍ الْخُزَاعِيَّ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ، كَانَ أَوَّلَ مَنْ سَيَّبَ السَّوَائِبَ». [رواه البخاري]
المحور الرابع: مشاهد الحشر والرد على الرافضة
في باب قوله تعالى: ﴿وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: 117]، شرح الشيخ حديث ابن عباس رضي الله عنهما في حشر الناس حفاة عراة غرلًا، وأن أول من يُكسى يوم القيامة إبراهيم عليه السلام. ثم ذكر أن رجالًا من الأمة يُؤخذ بهم ذات الشمال، فيقول النبي ﷺ: «أُصَيْحَابِي»، فيقال له: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك.
ونبّه الشيخ إلى أن هذا الحديث لا يصح الاستدلال به على ما يزعمه الرافضة من تكفير أصحاب النبي ﷺ. فالمراد به من ارتدّ من الأعراب بعده ﷺ وبدّلوا، وهم الذين قاتلهم الصحابة أنفسهم.
وختم الباب بقوله تعالى: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: 118]، مبيّنًا أن حكمة الله مقترنة بعزته، فلا يفعل سبحانه شيئًا إلا لحكمة بالغة.
قال رسول الله ﷺ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ إِلَى اللَّهِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا»، ثم قال: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾، ثم قال: «أَلَا وَإِنَّ أَوَّلَ الْخَلَائِقِ يُكْسَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِبْرَاهِيمُ». [رواه البخاري]
المحور الخامس: سورة الأنعام، مفاتح الغيب والاستعاذة من العذاب
افتتح الشيخ سورة الأنعام بشرح ما ذكره البخاري من غريب ألفاظها، ومن ذلك:
- معروشات: ما يُعرش من الكرم ونحوه.
- تُبسل: تُفضح.
- سرمدًا: دائمًا.
- يمترون: يشكّون.
- وقر: صمم.
- أساطير: جمع أسطورة، وهي الخرافات.
- قنوان: العذوق.
ثم شرح حديث مفاتح الغيب الخمس، وقرّر أنه لا يعلمها إلا الله، لا ملك مقرّب ولا نبي مرسل. ورد بذلك على غلاة المتصوفة الذين يزعمون أن أولياءهم يعلمون الغيب، وعلى الرافضة الذين يدّعون لأئمتهم علمًا أعظم من ذلك. وبيّن أن ما يعرفه الطب الحديث من نوع الجنين بعد مراحل معينة لا ينافي الآية، فهو علم ظني بأسباب ظاهرة، وليس من علم الغيب المطلق.
وفي قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾ [الأنعام: 65]، بيّن الشيخ أن الله أجار هذه الأمة رحمةً بها من العذاب المستأصل، لكن بأسها بينها شديد. ثم مهّد لباب قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: 82]، مبيّنًا أن الشرك أظلم الظلم.
قال رسول الله ﷺ: «مَفَاتِحُ الْغَيْبِ خَمْسٌ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾». [رواه البخاري]
وعن جابر رضي الله عنه: لما نزلت الآية قال النبي ﷺ: «أَعُوذُ بِوَجْهِكَ»، فلما نزل: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ﴾ قال: «هَذَا أَهْوَنُ، أَوْ هَذَا أَيْسَرُ». [رواه البخاري]
النقاط الرئيسية
- الخمر كل ما خامر العقل وغطّاه، من أي مادة صُنع، وتدخل فيه المخدرات كالحشيش والأفيون.
- حفظ العقل من مقاصد الشريعة الكبرى، والإنسان لا يملك بدنه ليتصرف فيه بغير أمر الله.
- امتثل الصحابة لتحريم الخمر فورًا بخبر رجل واحد، وفي ذلك دليل على حجية خبر الآحاد في العقائد والأحكام.
- من مات قبل نزول التحريم فلا جناح عليه، كما في شهداء أُحد.
- جاء النهي عن سؤال التعنت والاستهزاء، وأبطل الله ما شرعه أهل الجاهلية من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام.
- حديث «أُصَيْحَابِي» لا يدل على ما تزعمه الرافضة من تكفير الصحابة، وإنما المراد به من ارتد بعد النبي ﷺ.
- مفاتح الغيب الخمس لا يعلمها إلا الله، وفي ذلك رد على غلاة المتصوفة والرافضة.
الفوائد والعبر
- التسليم لأمر الله: يُقتدى بالصحابة في الاستجابة الفورية لأمر الله ورسوله ﷺ، وترك الجدال والتفلسف في الثوابت والمعلوم من الدين بالضرورة.
- الحذر من المسكرات: يجتنب المسلم كل ما يُذهب العقل من مسكرات ومخدرات، ويحذّر منها أهله ومجتمعه، ويعلم أن ترويجها من أعظم الفساد في الأرض.
- الاحتياط في الأشربة: يحتاط المسلم في مطعمه ومشربه، فيتجنب نبذ الخليطين كالتمر مع الزبيب في الماء، اتباعًا للسنة.
- أدب السؤال: يسأل المسلم عما ينفعه في دينه ودنياه، ويترك سؤال التعنت والاستهزاء وما لا فائدة منه.
- صفاء العقيدة: يعتقد المسلم أن علم الغيب لله وحده، ويتولى أصحاب النبي ﷺ جميعًا، ويستعيذ بالله من الفتن والفرقة، ويحرص على وحدة الأمة.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات