شرح كتاب "صحيح الإمام البخاري " الشرح الثاني الدرس رقم ( 138) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

3,103 مشاهدة
92 مشاركة
منذ 3 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس الثامن والثلاثون بعد المئة من الشرح الثاني لكتاب «الجامع الصحيح» للإمام أبي عبد الله البخاري رحمه الله تعالى، ويشرحه فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري. يبدأ الشيخ في هذا المجلس «كتاب الاستئذان». والاستئذان على وزن «استفعال» من الإذن، ومعناه طلب الإذن، سواء أكان للدخول أم للخروج أم للحديث أم للجلوس أم نحو ذلك.

يهتم هذا الكتاب بآداب التعامل بين الناس، وهي آداب تحفظ حرمة البيوت والأعراض، وتنشر المحبة بين المسلمين. ويتناول بدء السلام وصفته، ومن يبدأ به، وفضل إفشائه، وغض البصر، وحق الطريق، ونزول آية الحجاب، وعدد مرات الاستئذان، وما يُكره من الألفاظ عند طرق الباب.

ويهدف الدرس إلى أن يعرف المشاهد الأحكام والسنن المتعلقة بالسلام والاستئذان من أدلتها في الكتاب والسنة، وأن يدرك حكمة الشريعة في حفظ البصر والعورات، وأن يرى دقة فقه الإمام البخاري في تراجم أبوابه وفي استنباط المسائل من الحديث الواحد.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: بدء السلام وأنه تحية آدم وذريته

افتتح الإمام البخاري كتاب الاستئذان بباب «بدء السلام». وأورد فيه حديث أبي هريرة رضي الله عنه من صحيفة همام بن منبه، وفيه أن الله تعالى لما خلق آدم عليه السلام أمره أن يسلّم على نفر من الملائكة، وأن يسمع ما يردّون عليه، وأخبره أنها تحيته وتحية ذريته.

وبيّن الشيخ أن الملائكة زادوا في الرد «ورحمة الله»، وفي هذا أصل مشروعية الرد بأحسن من التحية. ثم ذكر الشيخ أن «السلام» اسم من أسماء الله تعالى، وشرح حديث ابن مسعود رضي الله عنه في التشهد. فقد نهى النبي ﷺ أصحابه عن قولهم: «السلام على الله»، وعلّمهم التحيات، وأخبرهم أن قول المصلي «السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين» يصيب كل عبد صالح في السماء والأرض.

قال النبي ﷺ: «خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ، طُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا، فَلَمَّا خَلَقَهُ قَالَ: اذْهَبْ فَسَلِّمْ عَلَى أُولَئِكَ النَّفَرِ مِنَ المَلَائِكَةِ جُلُوسٌ، فَاسْتَمِعْ مَا يُحَيُّونَكَ، فَإِنَّهَا تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فَقَالُوا: السَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، فَزَادُوهُ: وَرَحْمَةُ اللَّهِ».

وقال ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلَامُ، فَإِذَا جَلَسَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَقُلِ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ».

قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: 86].

المحور الثاني: آداب دخول البيوت وغض البصر

ترجم الإمام البخاري لهذا الباب بآيات سورة النور التي تنهى عن دخول بيوت الغير إلا بعد الاستئناس والسلام. وفسّر الشيخ الاستئناس بأن يشعر المستأذن بطيب نفس أهل البيت بدخوله. ومن هذه الآداب أن يرجع المستأذن إذا قيل له ارجع، وألا يدخل بيتًا لا يجد فيه أحدًا.

ثم ذكر البخاري أمر الله بغض البصر. ونقل قول الحسن البصري لما ذُكر له أن نساء العجم يكشفن صدورهن ورؤوسهن: «اصرف بصرك عنهن». ونقل قول الزهري: لا يصلح النظر إلى شيء مما يُشتهى النظر إليه من النساء ولو كانت صغيرة. ونقل كذلك كراهة عطاء النظر إلى الجواري اللاتي يُبعن بمكة إلا لمن أراد الشراء.

وشرح الشيخ حديث الفضل بن عباس رضي الله عنهما، وكان رديف النبي ﷺ يوم النحر في الحج. فقد طفق الفضل ينظر إلى المرأة الخثعمية وأعجبه حسنها، فأخذ النبي ﷺ بذقنه وصرف وجهه عنها. وأجاب الشيخ عن استدلال من يحتج بهذا الحديث على عدم وجوب النقاب، فذكر أن ذلك كان في حال الإحرام، وذكر أيضًا ما قيل من أن والدها أراد أن يراها النبي ﷺ لعله يتزوجها.

قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النور: 27].

وقال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ [النور: 30].

المحور الثالث: حق الطريق ومن يبدأ بالسلام وإفشاؤه

حذّر النبي ﷺ من الجلوس في الطرقات. فلما ذكر الصحابة حاجتهم إلى ذلك، بيّن لهم أن للطريق حقًّا: غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وأوضح الشيخ أن من لم يقدر على أداء هذه الحقوق فالأولى ألا يجلس.

ثم بيّن الشيخ سنة البدء بالسلام: يسلّم الصغير على الكبير، والمار على القاعد، والراكب على الماشي، والقليل على الكثير. ونبّه على دقة فقه البخاري، إذ عقد أبوابًا متعددة استنبطها من حديث واحد لأبي هريرة رضي الله عنه. وذكر الشيخ أن من الكبر أن ينتظر الماشي أن يُسلَّم عليه وهو الذي تُطلب منه البداءة.

وفي باب إفشاء السلام أورد البخاري حديث البراء بن عازب رضي الله عنهما في الأوامر السبعة، ومنها إفشاء السلام. وأورد حديث: «تُطعم الطعام وتقرأ السلام». وأورد حديث النهي عن الهجر فوق ثلاث، وأن خير المتهاجرين الذي يبدأ بالسلام. ونبّه الشيخ على أن مقاطعة أهل البدع لا حرج فيها وإن طالت.

قال النبي ﷺ: «إِيَّاكُمْ وَالجُلُوسَ بِالطُّرُقَاتِ... فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلَّا المَجْلِسَ فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ، قَالُوا: وَمَا حَقُّ الطَّرِيقِ؟ قَالَ: غَضُّ البَصَرِ، وَكَفُّ الأَذَى، وَرَدُّ السَّلَامِ، وَالأَمْرُ بِالمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ».

وقال ﷺ: «يُسَلِّمُ الصَّغِيرُ عَلَى الكَبِيرِ، وَالمَارُّ عَلَى القَاعِدِ، وَالقَلِيلُ عَلَى الكَثِيرِ».

وسُئل ﷺ: أيُّ الإسلام خير؟ قال: «تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ».

وقال ﷺ: «لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ، يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا، وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ».

المحور الرابع: نزول آية الحجاب وحياء النبي ﷺ

روى أنس بن مالك رضي الله عنه قصة نزول آية الحجاب، وكان أعلم الناس بشأنها. فقد بنى النبي ﷺ بزينب بنت جحش رضي الله عنها ودعا القوم إلى الطعام، فطعموا، ثم بقي بعضهم جالسين يتحدثون. فقام النبي ﷺ وتهيأ للقيام لينبههم، فلم يفطنوا، فخرج ثم رجع حتى خرجوا، فنزلت آية الحجاب.

وبيّن الشيخ أن في القصة دليلًا على عظيم خُلق النبي ﷺ وشدة حيائه، وعلى أنه نبّه أصحابه بطريقة حكيمة دون أن يجرحهم، وأن الصحابة رضي الله عنهم بشر تقع منهم الغفلة. وذكر حديث عائشة رضي الله عنها في حرص عمر بن الخطاب رضي الله عنه على حجب أمهات المؤمنين، وقوله لسودة رضي الله عنها: «قد عرفناكِ يا سودة»، فأنزل الله آية الحجاب.

قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ [الأحزاب: 53].

المحور الخامس: أحكام الاستئذان وما يتعلق به

عقد البخاري بابًا بعنوان «الاستئذان من أجل البصر»، وأورد فيه حديث سهل بن سعد رضي الله عنه في الرجل الذي اطّلع من جُحر في حجرة النبي ﷺ. وبيّن الشيخ أن من نظر في بيت قوم بغير إذنهم ففقؤوا عينه فعينه هدر. وأورد البخاري معه حديث: «إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا»، وفيه أن للعين زنا وللسان زنا.

ثم ذكر الشيخ أن الاستئذان ثلاث مرات فقط، واستدل بقصة أبي موسى الأشعري مع عمر رضي الله عنهما وشهادة أبي سعيد الخدري له. وبيّن أن من دُعي فدعوته إذنه، فلا حرج عليه إن دخل دون استئذان.

ومن المسائل الأخرى في هذا المحور:

  • السلام على الصبيان سنة.
  • سلام الرجال على النساء والنساء على الرجال جائز إذا أُمنت الفتنة.
  • إقراء جبريل عليه السلام عائشة رضي الله عنها السلام.
  • إذا سأل صاحب البيت عن الطارق فلا يكفي أن يُجاب بلفظ «أنا»، لأنه لا يحصل به التعريف.

قال النبي ﷺ: «إِنَّمَا جُعِلَ الاسْتِئْذَانُ مِنْ أَجْلِ البَصَرِ».

وقال ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِّنَا، أَدْرَكَ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ، فَزِنَا العَيْنِ النَّظَرُ، وَزِنَا اللِّسَانِ المَنْطِقُ، وَالنَّفْسُ تَمَنَّى وَتَشْتَهِي، وَالفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ كُلَّهُ وَيُكَذِّبُهُ».

وقال ﷺ: «إِذَا اسْتَأْذَنَ أَحَدُكُمْ ثَلَاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فَلْيَرْجِعْ».

النقاط الرئيسية

  • الاستئذان هو طلب الإذن للدخول أو الخروج أو الجلوس أو الحديث، وهو أدب شرعي ثابت بالكتاب والسنة.
  • السلام تحية آدم عليه السلام وذريته منذ خلقه الله، والسلام اسم من أسماء الله تعالى، ويُستحب الرد بأحسن من التحية.
  • السنة أن يسلّم الصغير على الكبير، والمار على القاعد، والراكب على الماشي، والقليل على الكثير.
  • للطريق حقوق: غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
  • شُرع الاستئذان لحفظ البصر، والاستئذان ثلاث مرات، فإن لم يُؤذن للمستأذن رجع.
  • نزلت آية الحجاب في زواج النبي ﷺ بزينب بنت جحش رضي الله عنها، وفي القصة دليل على شدة حيائه ﷺ.
  • لا يحل للمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام، ولا حرج في مقاطعة أهل البدع.

الفوائد والعبر

  • أفشِ السلام على من تعرف ومن لا تعرف، فهو من خير خصال الإسلام ومن أسباب نشر المحبة بين المسلمين.
  • غُضّ بصرك عن المحرمات، واقتدِ بالنبي ﷺ حين صرف وجه الفضل بيده، فالنظرة بداية الوقوع في الحرام.
  • إذا زرت أحدًا فاستأذن ثلاثًا، وعرّف نفسك باسمك، وارجع إن لم يُؤذن لك دون أن تجد في نفسك شيئًا.
  • إذا جلست في الطريق أو أمام البيوت والمحلات فأعطِ الطريق حقه، وإلا فاترك الجلوس فيه.
  • تعلّم من حياء النبي ﷺ وحكمته في تنبيه الناس برفق، وراعِ أوقات الآخرين وخصوصيتهم إذا زرتهم أو دُعيت إلى طعامهم.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات