شرح كتاب "صحيح الإمام البخاري " الشرح الثاني الدرس رقم ( 128) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو الدرس الثامن والعشرون بعد المئة من الشرح الثاني لكتاب «الجامع الصحيح» للإمام محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله، يلقيه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. يبدأ الدرس بخطبة الحاجة، ثم يكمل أبواب «كتاب المرضى» من صحيح البخاري، وينتقل بعدها إلى أوائل «كتاب الطب». وتُعرض في هذه الأبواب أحاديث نبوية عن المرض وأحكامه وآدابه، وعن موقف المسلم من البلاء.
ولهذا الموضوع أهمية كبيرة، فلا يخلو إنسان من مرض أو ألم. والمسلم يحتاج أن يعرف كيف يتعامل مع المرض بقلبه ولسانه وجوارحه. فيعرف ما يجوز له أن يقوله إذا اشتد عليه الوجع، ويعرف حكم تمني الموت، وآداب عيادة المريض والدعاء له، ثم يعرف أن التداوي مشروع وأن الله تعالى ما أنزل داءً إلا أنزل له دواءً.
ويهدف الدرس إلى أن يفهم طالب العلم هذه الأحاديث ويستنبط منها الأحكام والآداب، مع الوقوف على هدي النبي ﷺ في مرضه ومع أصحابه. كما يبيّن الشيخ أن الطب النبوي ينبغي أن يُفهم فهمًا صحيحًا متوازنًا، فلا يُفرَّط فيه ولا يُغالى.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: قول المريض «إني وَجِع» وأن المرض كفارة للذنوب
يتناول الشيخ باب قول المريض: «إني وجع، أو وارأساه، أو اشتد بي الوجع». ويبيّن أن إخبار المريض بما يجده من ألم لا ينافي الصبر ولا يُعدّ شكوى مذمومة، ما دام على وجه الإخبار لا على وجه التسخط. ويستدل على ذلك بحديث كعب بن عُجْرة رضي الله عنه حين مرّ به النبي ﷺ وهو يوقد تحت القِدر والهوامّ تتساقط من رأسه.
ثم يذكر حديث عائشة رضي الله عنها حين قالت: «وارأساه»، فقال النبي ﷺ: «بَلْ أَنَا وَارَأْسَاهْ». ويذكر كذلك حديث ابن مسعود رضي الله عنه حين دخل على النبي ﷺ وهو يُوعَك وعكًا شديدًا. وفي هذا الحديث أن الأنبياء أشد الناس بلاءً، وأن أجر النبي ﷺ يُضاعَف على قدر ما يصيبه.
قال النبي ﷺ لكعب بن عجرة: «أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّ رَأْسِكَ؟» قَالَ: نَعَمْ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَحْلِقَ.
وقال ﷺ: «أَجَلْ، إِنِّي أُوعَكُ كَمَا يُوعَكُ رَجُلَانِ مِنْكُمْ... مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذًى، مَرَضٌ فَمَا سِوَاهُ، إِلَّا حَطَّ اللَّهُ لَهُ سَيِّئَاتِهِ كَمَا تَحُطُّ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا».
المحور الثاني: وصايا المريض وحديث سعد بن أبي وقاص وحديث الكتاب
يشرح الشيخ حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه حين عاده النبي ﷺ في حجة الوداع من وجع اشتد به، فأراد أن يتصدق بأكثر ماله. فأرشده النبي ﷺ إلى أن ترك الورثة أغنياء خير من تركهم فقراء يسألون الناس. وفي ذلك بيان لفقه الوصية وحق الورثة.
ثم يقف عند حديث ابن عباس رضي الله عنهما في باب قول المريض: «قوموا عني». فلما اشتد الوجع بالنبي ﷺ قال: «هَلُمُّوا أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَا تَضِلُّوا بَعْدَهُ». فقال عمر رضي الله عنه: «إن النبي ﷺ قد غلب عليه الوجع، وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله». ويوضح الشيخ أن عمر قال ذلك إشفاقًا على النبي ﷺ، وأن الشريعة قد كمُلت، وأن النبي ﷺ لو كان الكتاب أمرًا واجبًا لما تركه.
قال ﷺ لسعد: «إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ».
ويذكر الشيخ أيضًا باب «من ذهب بالصبي المريض ليُدعى له». وفيه حديث السائب بن يزيد رضي الله عنه حين ذهبت به خالته إلى النبي ﷺ، فمسح رأسه ودعا له بالبركة، ثم توضأ فشرب السائب من وضوئه، ونظر إلى خاتم النبوة بين كتفيه.
المحور الثالث: النهي عن تمني الموت والاعتماد على رحمة الله
يتناول الشيخ باب «تمني المريض الموت»، ويبيّن أن المسلم منهي عن تمني الموت لضرّ نزل به. فإن كان لا بد فاعلًا فليفوّض الأمر إلى الله تعالى، لأن الله أعلم بما فيه الخير لعبده من حياة أو وفاة.
ويذكر حديث خبّاب بن الأرتّ رضي الله عنه حين اكتوى سبع كيّات. فقد ذكر أن أصحابه الذين سلفوا مضوا ولم تنقص الدنيا من أجورهم شيئًا، وقال إنه لولا نهي النبي ﷺ عن الدعاء بالموت لدعا به. وذكر كذلك أن المسلم يؤجر في كل نفقة ينفقها إلا ما يجعله في هذا التراب، أي في البنيان.
ثم يشرح حديث أبي هريرة رضي الله عنه في أن أحدًا لن يُدخله عملُه الجنة. ويبيّن الشيخ أن دخول الجنة برحمة الله، وأن العمل سبب لرفع الدرجات. ويوضح أن المحسن إذا طال عمره ازداد خيرًا، فكل يوم يعيشه فيه صلوات وطاعات تُرفع بها درجاته. وأن المسيء لعله يتوب ويرجع إلى الله.
قال ﷺ: «لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ مِنْ ضُرٍّ أَصَابَهُ، فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ فَاعِلًا فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي».
وقال ﷺ: «لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا عَمَلُهُ الْجَنَّةَ»، قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِفَضْلٍ وَرَحْمَةٍ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَلَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ: إِمَّا مُحْسِنًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَزْدَادَ خَيْرًا، وَإِمَّا مُسِيئًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعْتِبَ».
ومن دعائه ﷺ في مرض موته: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي، وَأَلْحِقْنِي بِالرَّفِيقِ».
المحور الرابع: آداب عيادة المريض والدعاء له
يشرح الشيخ باب «دعاء العائد للمريض»، ويبيّن أن على الزائر أن يدعو للمريض بالشفاء والعافية بما ورد عن النبي ﷺ. ويحذّر الشيخ من النظر إلى نعم الناس نظر الحسد. فمن رأى ما يعجبه في أخيه فليقل: «ما شاء الله، تبارك الله»، لأن العين حق.
ثم يذكر باب «وضوء العائد للمريض». وفيه حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما حين عاده النبي ﷺ وهو مريض، فتوضأ وصبّ عليه من وضوئه فعقَل، وسأله جابر عن ميراثه فنزلت آية الفرائض.
ويقف الشيخ عند حديث عائشة رضي الله عنها في وَعْك أبي بكر وبلال رضي الله عنهما لما قدموا المدينة. فقد كان أبو بكر يتمثل بأبيات في قرب الموت، وكان بلال يحنّ إلى مكة. فدعا النبي ﷺ أن يحبّب الله إليهم المدينة، وأن يصححها ويبارك في صاعها ومُدّها. ويُبرز الشيخ هنا فضل المدينة وبركتها.
كان أبو بكر رضي الله عنه يقول: «كُلُّ امْرِئٍ مُصَبَّحٌ فِي أَهْلِهِ ... وَالْمَوْتُ أَدْنَى مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ».
وقال ﷺ: «اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْمَدِينَةَ كَحُبِّنَا مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ، وَصَحِّحْهَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي صَاعِهَا وَمُدِّهَا، وَانْقُلْ حُمَّاهَا فَاجْعَلْهَا بِالْجُحْفَةِ».
المحور الخامس: مدخل إلى كتاب الطب ومشروعية التداوي
يفتتح الشيخ «كتاب الطب» بباب «ما أنزل الله داءً إلا أنزل له شفاءً». ويبيّن أن لكل داء دواءً، علمه من علمه وجهله من جهله، وأن هذا يدفع المسلم إلى طلب العلاج والبحث عنه دون يأس.
ثم يذكر باب «هل يداوي الرجلُ المرأةَ والمرأةُ الرجلَ؟»، ويستدل بحديث الرُّبَيِّع بنت مُعوِّذ رضي الله عنها. فقد كانت الصحابيات يغزون مع النبي ﷺ فيسقين القوم ويخدمونهم ويرددن القتلى والجرحى إلى المدينة. وفي ذلك جواز مداواة المرأة للرجل عند الحاجة.
ثم يشرح باب «الشفاء في ثلاث». وينبّه الشيخ إلى فهم مهم، وهو أن العسل شفاء كما أخبر النبي ﷺ، لكن ذلك فيما يُعالَج به. فالمريض الذي يحتاج إلى عملية جراحية لا يقال له: يكفيك العسل. بل يُؤخذ بالأسباب الطبية المناسبة، والعسل فيه شفاء للناس بإذن الله.
قال ﷺ: «مَا أَنْزَلَ اللَّهُ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً».
وقال ﷺ: «الشِّفَاءُ فِي ثَلَاثَةٍ: شَرْبَةِ عَسَلٍ، وَشَرْطَةِ مِحْجَمٍ، وَكَيَّةِ نَارٍ، وَأَنْهَى أُمَّتِي عَنِ الْكَيِّ».
قال الله تعالى عن العسل: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِّلنَّاسِ﴾ [النحل: 69].
النقاط الرئيسية
- يجوز للمريض أن يخبر بما يجده من ألم ووجع، ولا ينافي ذلك الصبر إن خلا من التسخط.
- المرض وسائر الأذى يكفّر الله بهما سيئات المسلم كما تتساقط أوراق الشجر.
- الأنبياء أشد الناس بلاءً، وكان النبي ﷺ يوعك كما يوعك رجلان، فيُضاعف له الأجر.
- ترك الورثة أغنياء خير من تركهم فقراء يسألون الناس، وفي هذا الحديث أصل في فقه الوصية.
- يُنهى المسلم عن تمني الموت لضرّ نزل به، ويفوّض الأمر إلى الله بالدعاء المأثور.
- دخول الجنة برحمة الله وفضله، والعمل الصالح سبب لرفع الدرجات.
- التداوي مشروع، وما أنزل الله داءً إلا أنزل له دواءً، ويُفهم الطب النبوي فهمًا متوازنًا لا يُعطَّل معه الأخذ بالأسباب.
الفوائد والعبر
- احتسب الأجر في كل مرض أو ألم يصيبك، واعلم أنه تكفير لسيئاتك ورفعة لدرجاتك.
- إذا اشتد عليك البلاء فلا تتمنَّ الموت، بل قل: «اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي».
- اغتنم عمرك في الطاعات، فكل يوم يعيشه المحسن يزداد فيه خيرًا، وكل يوم يعيشه المسيء فرصة للتوبة.
- احرص على عيادة المرضى والدعاء لهم بالشفاء، وإذا رأيت ما يعجبك عند غيرك فقل: «ما شاء الله، تبارك الله».
- خذ بأسباب العلاج المشروعة، واجمع بين التوكل على الله والرجوع إلى الأطباء، وانتفع بما جاء في الطب النبوي فهمًا صحيحًا.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات