شرح كتاب "صحيح الإمام البخاري " الشرح الثاني الدرس رقم ( 121) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
يتناول هذا الدرس، وهو الحادي والعشرون بعد المئة من مجالس الشرح الثاني لـ«الجامع الصحيح» للإمام أبي عبد الله البخاري رحمه الله، جملةً من أحاديث «كتاب الأطعمة». يشرح فيها فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري هديَ النبي صلى الله عليه وسلم في الطعام والشراب وآدابه، وحالَ النبي وأصحابه رضي الله عنهم من الزهد والقلة والصبر على الجوع، وما كانوا عليه من الإيثار والكرم.
وتكمن أهمية هذا الموضوع في أن الطعام والشراب من أكثر ما يتكرر في حياة المسلم كل يوم. فإذا التزم فيه بالسنة صارت عاداته عبادات يؤجر عليها. ويبيّن الدرس كذلك منهج الصحابة في فهم الدنيا: يأخذون منها بقدر ما يعين على الآخرة، دون أن تكون أكبر همهم.
ومن أهداف هذا المجلس: فهم معنى الأمر بالأكل من الطيبات على وجهه الصحيح، ومعرفة آداب الأكل من التسمية والأكل باليمين ومما يلي الآكل، والوقوف على معجزات النبي صلى الله عليه وسلم في تكثير الطعام، وتعلّم أحكام الأكل مع أصحاب الأعذار، وهديه في المائدة والسفرة.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: الأكل من الطيبات وفهمه على الوجه الصحيح
افتتح الإمام البخاري كتاب الأطعمة بقول الله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾، وقوله: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾.
ونبّه الشيخ على خطأ يقع فيه بعض جهلة المسلمين، إذ يستدلون بهذه الآية في غير موضعها، ويجعلونها ذريعة إلى التوسع فيما لم يأذن الله به. فالطيّب هو ما أحلّه الله وأباحه، لا ما تشتهيه النفس وتستلذه وإن كان محرمًا. والمعتبر في ذلك هو الشرع، لا الهوى والذوق. وقرن الله سبحانه الأكل من الطيبات بالعمل الصالح، فالطعام الحلال عونٌ على الطاعة.
ثم ذكر البخاري حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه في الحث على إطعام الجائع، وبيّن الشيخ أن هذا من أعظم أبواب البر والتراحم بين المسلمين.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أَطْعِمُوا الجَائِعَ، وَعُودُوا المَرِيضَ، وَفُكُّوا العَانِيَ».
المحور الثاني: زهد النبي صلى الله عليه وسلم وصبر أصحابه على الجوع
ساق البخاري حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ طَعَامٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ حَتَّى قُبِضَ».
وعلّق الشيخ بأن كثيرًا من الناس اليوم يشكون الفقر مع ما في بيوتهم من أصناف النعم، وهم مع ذلك لا يشكرون. وبيّن أن الفقر الحقيقي فقر النفس، وأن الغنى غنى النفس، وأن البركة من الله سبحانه. واستشهد بقوله تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾، أي لا تكون الدنيا همَّك، بل تكون مطيّة للآخرة.
ثم شرح قصة أبي هريرة رضي الله عنه حين أصابه جهد شديد من الجوع حتى كان يقع مغشيًّا عليه. فاستقرأ عمرَ بن الخطاب رضي الله عنه آية من كتاب الله، يريد أن يفطن عمر لحاله فيطعمه، فلم ينتبه عمر لمقصده. ثم رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرف ما في وجهه، فانطلق به إلى بيته، فوجد قدحًا من لبن، فسقاه حتى استوى بطنه.
فلما أخبر أبو هريرة عمرَ بما كان، تحسّر عمر وقال: «وَاللَّهِ لَأَنْ أَكُونَ أَدْخَلْتُكَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِي مِثْلُ حُمْرِ النَّعَمِ». وحُمر النَّعَم هي أنفس الإبل عند العرب.
وفي القصة رحمة النبي صلى الله عليه وسلم وفراسته في معرفة حاجة أصحابه، وحرص الصحابة على البذل والإطعام.
وأورد البخاري أيضًا حديث عائشة رضي الله عنها: «تُوُفِّيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ شَبِعْنَا مِنَ الأَسْوَدَيْنِ: التَّمْرِ وَالمَاءِ».
المحور الثالث: آداب الأكل من التسمية والأكل باليمين والتيمّن
عقد البخاري «باب التسمية على الطعام والأكل باليمين»، وذكر فيه حديث عمر بن أبي سلمة رضي الله عنهما ربيبِ النبي صلى الله عليه وسلم، وهو ابن زوجه أم سلمة رضي الله عنها: «كُنْتُ غُلَامًا فِي حَجْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَتْ يَدِي تَطِيشُ فِي الصَّحْفَةِ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا غُلَامُ، سَمِّ اللَّهَ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ. فَمَا زَالَتْ تِلْكَ طِعْمَتِي بَعْدُ».
وبيّن الشيخ أن من نسي التسمية في أول طعامه فليسمِّ حين يذكر. وقرّر أن الأكل والشرب بالشمال حرام لثبوت النهي عنه. ونبّه على حسن تأديب النبي صلى الله عليه وسلم للصغير برفق وتعليم، وأن هذا الأدب بقي مع عمر بن أبي سلمة طوال عمره.
ثم ذكر البخاري حديث عائشة رضي الله عنها في التيمّن: «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّ التَّيَمُّنَ مَا اسْتَطَاعَ، فِي طُهُورِهِ وَتَنَعُّلِهِ وَتَرَجُّلِهِ». فالسنة البدء باليمين في الأمور الشريفة كلها، ومنها الأكل والشرب.
وفي «باب من تتبّع حوالي القصعة مع صاحبه إذا لم يعرف منه كراهية»، ذكر حديث أنس رضي الله عنه في الخيّاط الذي دعا النبي صلى الله عليه وسلم: «فَرَأَيْتُهُ يَتَتَبَّعُ الدُّبَّاءَ مِنْ حَوَالَيِ القَصْعَةِ، قَالَ: فَلَمْ أَزَلْ أُحِبُّ الدُّبَّاءَ مِنْ يَوْمِئِذٍ».
وبيّن الشيخ أن الأصل الأكل مما يليك، ويجوز تتبّع الطعام في نواحي الإناء إذا كان الطعام أصنافًا، أو كان الآكل مع من لا يكره ذلك كأهله وخاصّته.
المحور الرابع: معجزة تكثير الطعام في بيت أبي طلحة وغيره
شرح الشيخ حديث أنس رضي الله عنه في «باب من أكل حتى شبع». فقد سمع أبو طلحة رضي الله عنه صوت النبي صلى الله عليه وسلم ضعيفًا يُعرف فيه الجوع، فأرسلت أم سليم رضي الله عنها أقراصًا من شعير مع أنس. فقال النبي صلى الله عليه وسلم لمن معه: «قوموا»، وانطلق بهم إلى بيت أبي طلحة.
فاستحيا أبو طلحة لقلة الطعام، فقالت أم سليم رضي الله عنها: «اللهُ ورسولُه أعلم»، وهذا من رجاحة عقلها وحسن ظنها برسول الله صلى الله عليه وسلم. فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالخبز فـفُتّ، وعصرت أم سليم عليه عُكّة سمن فأدمته. ثم كان يأذن لعشرة عشرة حتى أكل القوم كلهم وشبعوا، وكانوا سبعين أو ثمانين رجلًا.
واستنبط الشيخ من الحديث جواز أن يصطحب المدعوُّ غيره إلى من يعلم أنه يفرح بذلك ويُسرّ به. أما من لا يُعلم رضاه فلا يُتجاوز في حقه، ولهذا خصوصية لحال النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه. كما بيّن أن إدخالهم عشرة عشرة إنما كان لأن المكان لا يتسع لأكثر من ذلك.
وذكر حديث عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما حين كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثين ومئة. فاشترى النبي صلى الله عليه وسلم شاة من رجل مشرك، وأمر بسواد بطنها أن يُشوى، فما من أحد إلا حزّ له منه. ثم جعل منها قصعتين فأكلوا أجمعون وشبعوا، وفضل في القصعتين فحملوه على البعير. وهذا من بركة النبي صلى الله عليه وسلم ودلائل نبوته.
المحور الخامس: رفع الحرج عن أصحاب الأعذار، وهدي النبي في السفرة والخبز
ترجم البخاري بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾. وذكر حديث سويد بن النعمان رضي الله عنه أنهم خرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى خيبر، فلما كانوا بالصهباء دعا بطعام، فلم يُؤتَ إلا بسويق فلاكوه وأكلوا منه، ثم صلى المغرب ولم يتوضأ.
وبيّن الشيخ أن المقصود من الترجمة أن أصحاب الأعذار يأكلون مع غيرهم دون حرج، ويفعل كلٌّ منهم ما يستطيع، فالشريعة مبنية على رفع الحرج.
ثم ذكر البخاري «باب الخبز المرقق والأكل على الخوان والسفرة»، وفيه حديث أنس رضي الله عنه: «مَا أَكَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُبْزًا مُرَقَّقًا، وَلَا شَاةً مَسْمُوطَةً حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ».
وفي الباب نفسه قوله: «مَا عَلِمْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكَلَ عَلَى سُكُرُّجَةٍ قَطُّ، وَلَا خُبِزَ لَهُ مُرَقَّقٌ قَطُّ، وَلَا أَكَلَ عَلَى خِوَانٍ قَطُّ». قيل لقتادة: فعلامَ كانوا يأكلون؟ قال: «عَلَى السُّفَرِ».
وبيّن الشيخ أن ترك النبي صلى الله عليه وسلم لهذه الأمور كان زهدًا وتواضعًا وقلةً لما في اليد، لا تحريمًا لها. فالأصل فيها الإباحة. والسفرة هي ما يُفرش على الأرض ويوضع عليه الطعام.
النقاط الرئيسية
- الطيبات هي ما أحلّه الله، لا ما تشتهيه النفس، وقد قرن الله الأكل منها بالعمل الصالح.
- إطعام الجائع وعيادة المريض وفكّ الأسير من حقوق المسلمين التي حثّ عليها النبي صلى الله عليه وسلم.
- ما شبع آل محمد صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام متتابعة حتى قُبض، وكان زاد الصحابة الغالب الأسودين: التمر والماء.
- من آداب الطعام: التسمية، والأكل باليمين، والأكل مما يلي الآكل. والأكل والشرب بالشمال محرّم.
- كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب التيمّن في شأنه كله، ويجوز تتبّع الطعام في الإناء مع من لا يكره ذلك.
- ظهرت بركة النبي صلى الله عليه وسلم في تكثير الطعام القليل حتى شبع منه العشرات والمئات.
- رفع الله الحرج عن أصحاب الأعذار في المؤاكلة، وكان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم الأكل على السفرة تواضعًا وزهدًا.
الفوائد والعبر
- اشكر النعمة: تذكّر قلة ما كان عند النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فيدفعك ذلك إلى شكر ما في بيتك من النعم وترك التسخط والشكوى.
- اغرس الآداب في أبنائك: علّمهم التسمية والأكل باليمين ومما يليهم برفق كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع عمر بن أبي سلمة، فإن الأدب المبكر يبقى مدى العمر.
- تفقّد حاجة إخوانك: كن فطنًا لحاجة من حولك، وبادر بإطعامهم دون أن يضطروا إلى السؤال، فقد تحسّر عمر رضي الله عنه على فوات ذلك.
- أحسن الظن بالله: البركة من الله لا من كثرة الطعام، وفي موقف أم سليم رضي الله عنها درس في الثقة والتوكل وترك القلق.
- اسلك طريق التيسير: لا حرج على صاحب العذر، فلا تُحرج أصحاب الحاجات في المجالس والموائد، وتواضع في طعامك ومجلسك اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات