شرح كتاب " صحيح الإمام البخاري " الشرح الثاني الدرس رقم (52) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو الدرس الثاني والخمسون من الشرح الثاني لكتاب «الجامع الصحيح» للإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله، ويلقيه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. يكمل الشيخ في هذا المجلس أبواب كتاب الجهاد والسير، وفيها كثير من أحكام القتال والغنائم وآداب المجاهدين. وهي أحكام تُظهر كمال هذه الشريعة وعدلها، وحرصها على الأمانة وحفظ الحقوق حتى في ساحات المعارك.
يتناول الدرس أبوابًا كثيرة، منها: «باب إن الله يؤيد الدين بالرجل الفاجر»، و«من تأمّر في الحرب من غير إمرة إذا خاف العدو»، و«العون بالمدد»، و«من غلب العدو فأقام على عرصتهم ثلاثًا»، و«قسمة الغنيمة في الغزو والسفر»، و«إذا غنم المشركون مال المسلم ثم وجده»، و«من تكلم بالفارسية والرطانة»، و«الغلول». ويتناول أيضًا: «ما يكره من ذبح الإبل والغنم في المغانم»، و«البشارة في الفتوح»، و«ما يُعطى البشير»، و«لا هجرة بعد الفتح».
والغاية من الدرس أن يفهم طالب العلم فقه الإمام البخاري في تراجمه، وأن يعرف الأحكام الشرعية المستنبطة من الأحاديث. ومن أهم ما يُركّز عليه: خطورة الغلول والخيانة، وفضل الأمانة في النقل والعمل، ووجوب ألّا نشهد لأحد معيّن بالجنة أو النار إلا بنص شرعي.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: تأييد الدين بالرجل الفاجر، والعبرة بالخواتيم
يبدأ الدرس بحديث أبي هريرة رضي الله عنه في غزوة خيبر. فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم عن رجل يدّعي الإسلام: «هذا من أهل النار». ثم قاتل الرجل قتالًا شديدًا وأصابته جراح، فارتاب بعض الناس. وبعد ذلك لم يصبر على الجراح فقتل نفسه، فكبّر النبي صلى الله عليه وسلم وشهد أنه عبد الله ورسوله، ثم أمر بلالًا فنادى في الناس.
ونبّه الشيخ على أنه لا يجوز أن نشهد لأحد بعينه بالجنة أو النار بغير دليل. وقد ينفع الله الإسلام والمسلمين ببعض الفسقة والفجار، فلا ينبغي لأحد أن ييأس من رحمة الله. ونبّه أيضًا على أن الجنة محرّمة على كل كافر مات على كفره، وأنه مخلّد في نار جهنم كما دلّت عليه النصوص الشرعية.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ، وَإِنَّ اللَّهَ لَيُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ».
المحور الثاني: أحكام القيادة والمدد في القتال
شرح الشيخ «باب من تأمّر في الحرب من غير إمرة». فإذا قُتل الأمير وخيف أن يتفرق المسلمون، جاز لصاحب الخبرة والشجاعة أن يتقدّم ويتولّى الأمر. وهذا ليس من طلب الإمارة المنهي عنه، وإنما هو لحفظ صفوف المسلمين والنكاية في العدو، كما فعل خالد بن الوليد رضي الله عنه في غزوة مؤتة. ويشترط في ذلك ألّا يختلف عليه المسلمون، فإن اختلفوا عليه كان الأمر مشكلًا، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: 46].
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا جَعْفَرٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ عَنْ غَيْرِ إِمْرَةٍ فَفُتِحَ عَلَيْهِ، وَمَا يَسُرُّنِي -أَوْ قَالَ: مَا يَسُرُّهُمْ- أَنَّهُمْ عِنْدَنَا»، وقال أنس: وَإِنَّ عَيْنَيْهِ لَتَذْرِفَانِ.
وفي «باب العون بالمدد» ذكر الشيخ قصة بئر معونة. فقد أمدّ النبي صلى الله عليه وسلم رِعلًا وذكوان وبني لحيان بسبعين من الأنصار يُسمَّون القرّاء، كانوا يحتطبون بالنهار ويصلّون بالليل، فغدروا بهم وقتلوهم. فقنت النبي صلى الله عليه وسلم شهرًا يدعو عليهم. ونزل فيهم قرآن رُفعت تلاوته بعد ذلك: «بَلِّغُوا عَنَّا قَوْمَنَا أَنَّا قَدْ لَقِينَا رَبَّنَا فَرَضِيَ عَنَّا وَأَرْضَانَا».
المحور الثالث: أحكام الغنائم وما بعد النصر
ومن هديه صلى الله عليه وسلم بعد النصر أنه كان يقيم في ساحة القوم ثلاثًا، ليتأكد من تمام النصر وهزيمة العدو، ويُظهر القوة لمن أراد أن يقاتل. ففي الحديث: «كَانَ إِذَا ظَهَرَ عَلَى قَوْمٍ أَقَامَ بِالْعَرْصَةِ ثَلَاثَ لَيَالٍ».
وبيّن الشيخ جواز قسمة الغنيمة في الغزو والسفر دون انتظار الرجوع. فقد قسم النبي صلى الله عليه وسلم غنائم حنين بالجعرانة ثم اعتمر منها. وفي حديث رافع بن خديج أنهم عدلوا كل عشرة من الغنم ببعير واحد.
وشرح أيضًا مسألة: إذا غنم المشركون مال مسلم ثم ظهر عليهم المسلمون، فإن ماله يُردّ إليه إذا عُرف. ودليل ذلك أن فرس عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ذهب فأخذه العدو، ثم ظهر عليهم المسلمون فرُدّ إليه في زمن النبي صلى الله عليه وسلم. وأبق عبدٌ له فلحق بالروم، فلما ظهر عليهم المسلمون ردّه عليه خالد بن الوليد بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.
المحور الرابع: الكلام بغير العربية، ورحمته صلى الله عليه وسلم بالصغار
في «باب من تكلّم بالفارسية والرطانة» استدل البخاري بقوله تعالى: ﴿وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾ [الروم: 22]، وقوله سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: 4]. والمراد أنه يجوز التكلم ببعض الكلمات غير العربية عند الحاجة.
ومن أدلة الباب قصة جابر رضي الله عنه يوم الخندق، حين صاح النبي صلى الله عليه وسلم: «يَا أَهْلَ الْخَنْدَقِ، إِنَّ جَابِرًا قَدْ صَنَعَ سُورًا فَحَيَّ هَلًا بِكُمْ»، والسُّور كلمة فارسية معناها الطعام. وبارك النبي صلى الله عليه وسلم في الطعام فكفى أهل الخندق جميعًا. وأشاد الشيخ برجاحة عقل امرأة جابر رضي الله عنها حين قالت: الله ورسوله أعلم.
ومن أدلة الباب أيضًا حديث أم خالد بنت خالد بن سعيد. قال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «سَنَهْ سَنَهْ»، وهي بالحبشية بمعنى: حسنة. ولما زجرها أبوها حين لعبت بخاتم النبوة قال صلى الله عليه وسلم: «دَعْهَا»، ثم دعا لها بطول العمر فقال: «أَبْلِي وَأَخْلِقِي». وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم للحسن بن علي رضي الله عنهما حين أخذ تمرة من تمر الصدقة: «كِخْ كِخْ، أَمَا تَعْرِفُ أَنَّا لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ؟».
المحور الخامس: خطورة الغلول، وأحكام الذبح والبشارة والهجرة
عظّم الشيخ أمر الغلول، وهو الأخذ من الغنيمة قبل قسمتها، مستدلًا بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: 161]. وبحديث أبي هريرة رضي الله عنه: «لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ شَاةٌ لَهَا ثُغَاءٌ... يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ». وذكر قصة كِركِرة الذي كان على ثَقَل النبي صلى الله عليه وسلم، فقال فيه: «هُوَ فِي النَّارِ»، فوجدوا عنده عباءة قد غلّها. وبيّن أن البخاري نبّه إلى أن حديث تحريق متاع الغالّ لا يصح.
وأخذ الشيخ من تنبيه البخاري على الفرق بين الروايات في ضبط اسم «كِركِرة» درسًا في الأمانة العلمية والدقة في النقل. فهذا الدين أمانة نحن مسؤولون عنها أمام الله عز وجل. وفي «باب ما يكره من ذبح الإبل والغنم في المغانم» ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بإكفاء القدور لأنهم عجّلوا قبل القسمة. وقال في البعير الذي ندّ: «إِنَّ لِهَذِهِ الْإِبِلِ أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ»، وقال: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ فَكُلْ، لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفُرَ، أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ، وَأَمَّا الظُّفُرُ فَمُدَى الْحَبَشَةِ».
وفي «باب البشارة في الفتوح» ذكر الشيخ قصة جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه حين هدم ذا الخلصة. قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أَلَا تُرِيحُنِي مِنْ ذِي الْخَلَصَةِ؟». فلما شكا أنه لا يثبت على الخيل ضرب في صدره ودعا له: «اللَّهُمَّ ثَبِّتْهُ وَاجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا». ولما بشّره رسول جرير بهدمها برّك على خيل أحمس ورجالها خمس مرات.
وفي «باب ما يُعطى البشير» ذكر البخاري تعليقًا أن كعب بن مالك أعطى ثوبين لمن بشّره بالتوبة. ولم يُنكر ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فصار سنة تقريرية. ثم ختم الشيخ بباب «لا هجرة بعد الفتح»، وفيه قوله صلى الله عليه وسلم: «لَا هِجْرَةَ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا». وقالت عائشة رضي الله عنها: «انْقَطَعَتِ الْهِجْرَةُ مُنْذُ فَتَحَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ».
النقاط الرئيسية
- لا يجوز أن نشهد لأحد بعينه بالجنة أو النار إلا بنص شرعي، والعبرة بالخواتيم. وقد يؤيد الله دينه بالرجل الفاجر.
- يجوز لصاحب الخبرة أن يتولّى القيادة في الحرب بغير تأمير إذا قُتل الأمير وخيف على المسلمين، بشرط ألّا يختلفوا عليه.
- من هديه صلى الله عليه وسلم أن يقيم بساحة العدو ثلاث ليالٍ بعد النصر، ويجوز قسمة الغنائم في الغزو والسفر.
- مال المسلم إذا أخذه الكفار ثم ظهر عليهم المسلمون يُردّ إلى صاحبه إذا عُرف.
- يجوز التكلم ببعض الكلمات غير العربية عند الحاجة، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم.
- الغلول كبيرة عظيمة، يأتي صاحبه يوم القيامة يحمل ما غلّ على رقبته، ولو كان شيئًا يسيرًا.
- يجوز الذبح بكل ما أنهر الدم وذُكر عليه اسم الله إلا السن والظفر. ومكافأة البشير سنة تقريرية، ولا هجرة من مكة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية.
الفوائد والعبر
- أن يخاف المسلم سوء الخاتمة فيسأل الله الثبات دائمًا، فلا يغترّ بعمله ولا يحكم على غيره.
- أن يكون أمينًا في كل ما يتولاه من مال عام أو حقوق للناس، فالقليل من الغلول يُهلك صاحبه.
- أن يكون دقيقًا وأمينًا في نقل العلم والكلام، فرُبّ كلمة يقولها المرء تكون سببًا في سعادته أو شقائه في الدنيا والآخرة.
- أن يقتدي برحمة النبي صلى الله عليه وسلم ولطفه بالصغار، وبتعليمهم أحكام الدين بأسلوب قريب منهم.
- أن يحرص على إدخال السرور على المسلمين بالبشارة بالخير، ويكافئ من يبشّره، ويسأل الله الهداية كما دعا النبي صلى الله عليه وسلم لجرير: «اللَّهُمَّ ثَبِّتْهُ وَاجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا».
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات