شرح كتاب " فتح المغيث بشرح ألفية الحديث " ( 6 ) شرح فضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو المجلس السادس من شرح كتاب «فتح المغيث بشرح ألفية الحديث» للحافظ السخاوي، وهو شرح لألفية الإمام العراقي رحمهما الله. يشرحه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. ويدور المجلس حول مسألة من أدق مسائل علوم الحديث، وهي معنى قول المحدثين: «هذا الحديث على شرط الشيخين» أو «على شرط البخاري» أو «على شرط مسلم». هذه العبارة يكثر منها الحاكم في «المستدرك» وغيره من الأئمة، ويُخطئ في فهمها كثير من طلبة العلم.
يبيّن الشيخ أن المسألة لا تقف عند أن يكون رجال الإسناد من رجال الصحيحين. فالمعتبر هو «الكيفية»، أي أن يأتي الإسناد على الصورة المجتمعة نفسها التي أخرج بها الشيخان أحاديثهما في الأصول. ويضرب لذلك أمثلة كثيرة يوضح بها الفرق بين قولنا «على شرطهما» وقولنا «صحيح الإسناد» فقط.
ومن أهداف هذا المجلس أن يفهم الطالب المراد الدقيق بشرط الشيخين، وأن يعرف أسباب أوهام الحاكم في هذا الباب، وأن يعتاد التأني في إطلاق الأحكام على الأحاديث. كما يحث الشيخ طلابه على الصبر والجد في دراسة هذا الكتاب، فمن أتقنه بلغ رتبة عالية في هذا الفن بإذن الله.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: المراد بقولهم «على شرطهما»
ذهب ابن دقيق العيد والذهبي، تبعًا لابن الصلاح، إلى أن المراد أن يكون رجال الإسناد المحكوم عليه مخرَّجًا لهم بأعيانهم في الصحيحين. وتصرف الحاكم يقوّي هذا القول. والصحيح، كما يقرر الشيخ، أن يكون الشيخان قد رويا بهذه السلسلة نفسها، مثل: مالك عن نافع عن ابن عمر، ومالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، ومالك عن الزهري عن سالم عن أبيه.
ولا يكفي أن يروي البخاري لبعض رجال الإسناد ويروي مسلم لبعضهم الآخر. بل يلزم أن تكون السلسلة كلها مما أخرجاه في الأصول، لا في الشواهد والمتابعات ولا في المعلقات، أي مما اعتمدا عليه في صحيحيهما.
والقاعدة: إذا جاء الحديث بالإسناد نفسه وعلى الكيفية نفسها التي روى بها الشيخان، قيل «صحيح على شرطهما» أو «على شرط أحدهما». فإن كان الرجال رجالهما واختلت الكيفية، قيل «صحيح الإسناد» فقط.
المحور الثاني: معنى «الكيفية» وأمثلتها التطبيقية
المثال الأول: سماك عن عكرمة عن ابن عباس. هذا الإسناد ليس على شرط واحد من الشيخين. فالبخاري لم يرو لسماك، ومسلم لم يرو لعكرمة. فمن قال فيه «على شرط الشيخين» فقد وهم.
المثال الثاني: يحيى بن بكير عن مالك. يحيى بن بكير من شيوخ البخاري، ومالك من رجال الجماعة. لكن البخاري لم يخرّج ليحيى عن مالك في الأصول، وإنما أخرج له عن الليث. فإسناد «يحيى بن بكير عن الليث عن عقيل عن الزهري» على شرط البخاري، أما «يحيى بن بكير عن مالك» فليس على شرطه.
المثال الثالث: الحسن عن سمرة. صحح الحاكم حديثًا من هذا الطريق وقال: «على شرط البخاري». فتعقبه ابن دقيق العيد بأن رواية الحسن عن سمرة ليست من شرط البخاري، مع أن الحسن من رجال الكتب الستة وسمرة صحابي. وأجيب عن الحاكم بأن البخاري يثبت سماع الحسن من سمرة، بدليل ما أخرجه من طريق حبيب بن الشهيد قال: قال لي ابن سيرين: سل الحسن ممن سمع حديث العقيقة؟ فسألته فقال: من سمرة. أما مسلم فلا يثبت هذا السماع. ويشير هذا إلى حديث:
«كُلُّ غُلَامٍ رَهِينَةٌ بِعَقِيقَتِهِ، تُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ سَابِعِهِ»
وقد بيّن الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» أن البخاري لم يذكر لفظ الحديث، وكأنه اكتفى بأنه ليس على شرطه، وقد أخرجه أصحاب السنن من رواية قتادة عن الحسن عن سمرة.
المثال الرابع: يحيى بن سعيد الأنصاري عن محمد بن إبراهيم التيمي عن علقمة عن عمر. هذا الإسناد على شرط الشيخين لأنهما رويا به. فكل حديث جاء بهذه السلسلة نفسها فهو على شرطهما، وإن لم يخرجاه هو بعينه.
المحور الثالث: المثلية في الأعيان والأوصاف
قال الحاكم في خطبة «المستدرك»: «وأنا أستعين الله تعالى على إخراج أحاديث رواتها ثقات، قد احتج بمثلها الشيخان أو أحدهما». وبيّن الحافظ ابن حجر أن المثلية أعم من أن تكون في أعيان الرواة أو في أوصافهم. فهي حقيقة في أحد المعنيين مجاز في الآخر. فإذا روى عن رواتهما أنفسهم قال «على شرطهما»، وإذا روى عن أمثال رواتهما في الأوصاف قال «صحيح» فقط.
واستشهد الشيخ بقصة رجل جاء إلى القاضي شريح فقال: إني قلت لهذا: اشتر لي مثل هذا الثوب الذي معك، فاشترى لي ذلك الثوب بعينه. فقال شريح: لا شيء أشبه بالشيء من الشيء بعينه، وألزمه أخذ الثوب. وفي القصة أن أكمل صور المثلية هي الشيء نفسه.
وقرر ابن حجر في «نزهة النظر» أن المراد بشرطهما رواتهما مع باقي شروط الصحيح، من الاتصال والعدالة والضبط وانتفاء الشذوذ والعلة.
المحور الرابع: أوهام الحاكم وأسبابها
الحاكم بشر يخطئ كما يخطئ غيره، وليس من شرط الثقة ألا يخطئ. بل كان السلف يتعجبون ممن يصيب، لأن الأصل في الإنسان الجهل، قال تعالى:
﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل: 78]
وأكثر ما أوقع الحاكم في الوهم أنه لم ينظر في حال الراوي مع شيخه. فقد يكون الراوي من شرط الصحيح في بعض شيوخه دون بعض. وقد يكون جميع رجال الإسناد من رجال الشيخين، لكنهما لم يرويا بتلك الكيفية.
ومن الأمثلة على تحرّي الحاكم في المقابل أنه صحح حديثًا من طريق أبي عثمان وقال: صحيح الإسناد، ثم نبّه إلى أن أبا عثمان هذا ليس النهدي، وإنما هو أبو عثمان التبان مولى المغيرة بن شعبة، ولو كان النهدي لحكم بأنه على شرطهما. والنهدي هو عبد الرحمن بن مُلّ، التابعي الجليل المخضرم الثقة. ونبّه الشيخ كذلك إلى أن شرط مسلم في الاتصال هو المعاصرة من الثقة الذي لم يُرمَ بالتدليس، كما نص عليه في مقدمة صحيحه.
المحور الخامس: منهج الطالب في البحث عن الأحاديث الصحيحة الزائدة على الصحيحين
أرشد الشيخ إلى أن من أراد الأحاديث الصحيحة الزائدة على ما في الصحيحين فليبدأ بالكتب التي التزم أصحابها الصحة. ومنها: المستخرجات على الصحيحين، وصحيح ابن خزيمة، وصحيح ابن حبان، ومستدرك الحاكم، والأحاديث المختارة للضياء.
ولكل إمام اصطلاحه. فالترمذي يكثر من قوله «حسن» و«حسن غريب» و«حسن صحيح»، والحاكم يكثر من قوله «على شرطهما» و«على شرط البخاري» و«على شرط مسلم» و«صحيح الإسناد». فينبغي فهم مراد كل إمام من عبارته.
ونصح الشيخ طالب العلم الذي لم يتمكن بعد من هذا الفن أن يكون حكيمًا، فلا يتسرع في قوله «على شرط الشيخين». ويكفيه أن يقول: «صحيح» أو «ضعيف» أو «إسناده صحيح»، حتى لا يقع في مزلق خطر، إلا إذا رسخت قدمه كالأئمة المتمكنين مثل الشيخ الألباني رحمه الله.
النقاط الرئيسية
- «على شرطهما» معناه أن يأتي الإسناد بالرجال أنفسهم وعلى الكيفية نفسها التي أخرج بها الشيخان في الأصول.
- الرواية في الشواهد والمتابعات والمعلقات لا تجعل الإسناد على شرط الشيخين.
- إذا كان الرجال رجالهما واختلت الكيفية، فالحكم «صحيح الإسناد» فقط.
- قد يكون الراوي من شرط الصحيح في شيخ دون آخر، كيحيى بن بكير مع الليث ومع مالك.
- المثلية في كلام الحاكم تكون في الأعيان وتكون في الأوصاف، والأولى هي «على شرطهما» والثانية «صحيح» فقط.
- أكثر أوهام الحاكم سببها عدم النظر في حال الراوي مع شيخه وفي الصورة المجتمعة للإسناد.
- على الطالب المبتدئ أن يحتاط فلا يطلق عبارة «على شرط الشيخين».
الفوائد والعبر
- الدقة العلمية: علم الحديث يقوم على التحري، فلا يكفي النظر في أسماء الرجال دون النظر في صورة الإسناد وصلة كل راوٍ بشيخه.
- التواضع في الحكم: لا يتسرع الطالب في إطلاق الأحكام الكبيرة، والاكتفاء بالعبارة التي يحسنها أسلم له.
- الإنصاف مع الأئمة: الخطأ لا يسلم منه أحد، وأوهام الأئمة كالحاكم تُحمل على السهو والنسيان، ولا يُطعن بها في مكانتهم.
- الصبر على العلم: كتاب «فتح المغيث» فيه صعوبة، لكن المصابرة والاجتهاد فيه ترفع الطالب إلى مرتبة عالية في علم الحديث.
- حسن المنهج في الطلب: يحضر الطالب الكتاب في الدرس ويتابع فيه، ويرجع إلى مظان الصحيح من الكتب التي التزم أصحابها الصحة.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات