شرح كتاب " فتح المغيث بشرح ألفية الحديث " |[ 31 ]|شرح فضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

154 مشاهدة
232 مشاركة
منذ 3 سنوات
```html

شرح كتاب "فتح المغيث بشرح ألفية الحديث" |[ 31 ]|

التصنيف: فتح المغيث بشرح ألفية الحديث

المتحدث: فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري

المقدمة

يأتي هذا المجلس المبارك، وهو الحادي والثلاثون من مجالس شرح كتاب "فتح المغيث بشرح ألفية الحديث" للعلامة السخاوي رحمه الله تعالى، ليُسلط الضوء على أحد أهم وأدق مباحث علم مصطلح الحديث، وهو حكم الرواية عن أهل البدع. يتناول فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري هذه المسألة بأسلوب علمي رصين، مستندًا إلى أقوال الأئمة والنقاد الكبار في هذا الفن.

يهدف هذا الشرح إلى تعميق فهم طلبة العلم والمهتمين بقواعد قبول الرواية وردها، وكيف تعامل أئمة الحديث كالبخاري ومسلم مع الرواة المتهمين ببدعة. كما يهدف إلى تصحيح المفاهيم المغلوطة حول منهج السلف في الجرح والتعديل، والتأكيد على أن هذا المنهج قائم على العدل والإنصاف، بعيدًا عن التجريح العشوائي والطعن في الناس بغير علم أو دليل.

إن فهم هذه القواعد يمثل حجر الزاوية في بناء تصور صحيح عن السنة النبوية الشريفة وحمايتها، ويُسهم في ترسيخ المنهج السلفي القويم الذي يدعو إلى العلم والعمل الصالح والبعد عن الفتن. نسأل الله أن يرزقنا وإياكم العلم النافع والعمل الصالح.

المحاور الرئيسية

1. حكم رواية دعاة البدع وغيرهم

يناقش الشيخ في هذا المحور مسألة رواية الحديث عن أهل البدع، ويبين أن قول الأكثرين من العلماء، والذي رجحه ابن الصلاح، هو رد رواية دعاة البدع فقط. بمعنى أن الراوي إذا كان صاحب بدعة ويدعو إليها، فإن روايته تُرد ولا يُحتج بها. ويُفرق بين الداعية إلى البدعة وغير الداعية إليها.

يُستدل على هذا التفريق بقصة عبد الله بن أحمد مع أبيه الإمام أحمد، حيث سأله عن روايته عن أبي معاوية الضرير (المرجئ) وعدم روايته عن شباب بن سوار (القدري). فأجاب الإمام أحمد: "لأن أبا معاوية لم يكن يدعو إلى الإرجاء، وشبابة كان يدعو إلى القدر". وهذا يُوضح بجلاء أن الميزان في الرد هو الدعوة إلى البدعة.

وينقل الشيخ عن ابن حبان اتفاق أهل الحديث من الأئمة على أن الصدوق المتقن إذا كان فيه بدعة ولم يكن يدعو إليها، فإن الاحتجاج بأخباره جائز، فإذا دعا إليها سقط الاحتجاج بأخباره. وهذا الاتفاق وإن كان فيه نظر عند بعض العلماء، إلا أنه يُظهر القاعدة العامة في التعامل مع هذا النوع من الرواة.

2. شروط قبول رواية أهل البدع غير الدعاة

يُبين الشيخ أن قبول رواية أهل البدع الذين لا يدعون إلى بدعتهم مشروط بعدة أمور. أولها أن يكون الراوي "صدوقاً متقناً"، أي صادقاً في قوله وضابطاً لما يرويه. وثانيها ألا يكون داعية إلى بدعته، كما سبق بيانه.

ويُضاف شرط ثالث مهم، ذكره شيخنا وابن دقيق العيد، وهو ألا يكون الحديث الذي يحدّث به مما "يُعضّد بدعته ويشدها ويزينها". ففي هذه الحالة، لا يُؤمن عليه غلبة الهوى، وقد يتهم بوضع الحديث أو تحريفه ليخدم بدعته.

ويُشير الشيخ إلى كلام الحافظ أبي اسحاق إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني، شيخ النسائي، في مقدمة كتابه "أحوال الرجال" حيث قال: "ومنهم زائغ عن الحق صدوق اللهجة قد جرى في الناس حديثه لكنه مخذول في بدعته مأمون في روايته، فلا هؤلاء ليس فيهم حيلة إلا أن يؤخذ من حديثهم ما يعرف وليس بمنكر إذا لم تقو به بدعتهم فيتهمون بذلك".

3. أمثلة لرواية الأئمة عن أهل البدع في الصحيحين

يُقدم الشيخ أمثلة عملية لرواة اتهموا ببدعة ومع ذلك روى عنهم البخاري ومسلم في صحيحيهما. منهم خالد بن مخلد القطواني وعبيد الله بن موسى العبسي اللذان اتهما بالغلو في التشيع، وعبد الرزاق بن همام الصنعاني الذي اتهم بالتشيع، وسعيد بن أبي عروبة وهشام الدستوائي اللذان رميا بالقدر، ومحمد بن خازم أبو معاوية الضرير ومسعر بن كدام اللذان رميا بالإرجاء.

ويُشير إلى رواية البخاري وحده لعكرمة مولى ابن عباس، والذي نُسب إليه آراء الخوارج (الأباضية) زوراً، وهو بريء من ذلك. وكذلك رواية مسلم وحده لأبي حسان الأعرج الذي قيل إنه كان يرى رأي الخوارج.

ويُؤكد الشيخ أن هؤلاء الأئمة النقاد رووا عن هؤلاء الرواة لأنهم لم يكونوا دعاة إلى بدعهم، أو أن رواياتهم لم تُعضّد بدعتهم، مع التدقيق والتحرير الشديد. ويوصي بمراجعة كتاب "هدي الساري" للإمام ابن حجر العسقلاني في فصل من روى له البخاري وقد اتهم ببدعة، لما فيه من تفصيل دقيق وعظيم.

4. منهج السلف في التعامل مع الفتن والجرح والتعديل

يُخصص الشيخ جزءًا من المجلس للحديث عن منهج السلف في الجرح والتعديل والتعامل مع الفتن. ويُعرب عن استيائه من بعض من ينتسبون لطلب العلم ويُسيئون استخدام هذا المنهج في التجريح والطعن في الناس بغير علم أو دليل، أو بناءً على أمور شخصية أو مداعبات.

يُشدد الشيخ على أن المنهج السلفي ليس مدرسة، ولا طائفة، ولا شيخًا، وإنما هو منهج قائم على الكتاب والسنة وفهم سلف الأمة، وبقدر قربنا وبعدنا منه يكون قدر قربنا وبعدنا من الحق. ويُنكر بشدة أن تُحصر السنة في شخص معين أو أن تُستخدم لرفع شخص وتخفيض الآخرين.

ويُذكر الشيخ أن الفرار من الفتن والهجرة من الدار الأكثر فتنة إلى الأقل فتنة هو منهج أهل السنة، ولا يُعاب على طلبة العلم فعله. ويُطالب من يُجرح في الناس أن يأتي بالدليل وأن يفهم أصول البدع قبل أن يرمي أحداً بها، مؤكداً أن الجهل بأصول المناهج يُؤدي إلى الضلال والتجريح الباطل.

النقاط الرئيسية

  • التمييز بين الداعية إلى البدعة وغير الداعية إليها هو أساس قبول رواية أهل البدع أو ردها.
  • يُشترط في قبول رواية صاحب البدعة أن يكون صدوقًا متقنًا، وألا يكون داعية لبدعته، وألا تكون روايته مؤيدة لبدعته.
  • أئمة الحديث كالبخاري ومسلم رووا عن بعض المتهمين ببدعة، ولكن بشروط وضوابط دقيقة.
  • الفرار من الفتن والهجرة إلى الأماكن الأقل فتنة منهج سلفي مشروع لا يُعاب على فاعله.
  • المنهج السلفي ليس حكرًا على شخص أو جماعة، بل هو منهج قائم على الكتاب والسنة وفهم سلف الأمة.
  • ضرورة فهم أصول الجرح والتعديل وأصول البدع قبل الحكم على الناس، والتحذير من التجريح العشوائي.
  • لا يجوز استخدام المنهج السلفي كذريعة للطعن في العلماء وطلبة العلم بغير حق أو دليل.

الفوائد والعبر

  • اكتساب فهم دقيق وشامل لمنهج المحدثين في التعامل مع الرواة الذين خالطت بدعة، مما يعزز الثقة في السنة النبوية.
  • تعلم كيفية تطبيق قواعد الجرح والتعديل بعدل وإنصاف، بعيدًا عن العواطف والتجريح الباطل.
  • ترسيخ أهمية العلم والفهم العميق للمسائل الشرعية قبل إصدار الأحكام على الناس أو المناهج.
  • التحذير من استخدام الدين أو المنهج السلفي كأداة للطعن في الآخرين أو تحقيق مكاسب شخصية.
  • التأكيد على أن الهدف الأسمى هو اتباع الحق والبعد عن الفتن، وأن ذلك قد يتطلب أحيانًا اتخاذ قرارات صعبة كالهجرة.
```
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات