شرح كتاب " فتح المغيث بشرح ألفية الحديث " ( 2 ) شرح فضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو الدرس الثاني من شرح كتاب «فتح المغيث بشرح ألفية الحديث» للإمام شمس الدين السخاوي رحمه الله، وهو من أجلّ شروح ألفية الحافظ العراقي في علوم الحديث. يقدّم الشرحَ فضيلةُ الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري. افتتح الشيخ الدرس بخطبة الحاجة، ثم شرع في أول أنواع علوم الحديث وأشرفها، وهو «الحديث الصحيح»، فبيّن معناه في اللغة والاصطلاح، وفصّل شروطه الخمسة، وتوسّع في شرطه الأول: اتصال السند.
وتكمن أهمية هذا الدرس في أن الحديث الصحيح هو أساس الاحتجاج في دين الله، ومعرفة شروطه هي الميزان الذي يُفرَّق به بين ما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وما لم يثبت. وقد ربط الشيخ القواعد النظرية بالتطبيق العملي، فطبّقها على أسانيد من صحيح البخاري وصحيح مسلم، وأرشد إلى طريقة البحث في كتب الرجال.
أهداف التعلم: أن يفهم الطالب معنى الصحة لغةً واصطلاحًا، وأن يحفظ شروط الحديث الصحيح الخمسة، وأن يعرف معنى اتصال السند وكيف يتحقق منه، وأن يميّز أقسام الانقطاع الجليّ والخفيّ، وأن يدرك حكمة نشأة علم الإسناد والجرح والتعديل وصلتها بحفظ السنة.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: خطبة الحاجة وتعريف الصحيح لغةً، ومسألة الحقيقة والمجاز
افتتح الشيخ درسه بخطبة الحاجة التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلّمها أصحابه، وفيها قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1]، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 70-71].
ثم بيّن أن «الصحيح» في اللغة ضدّ السقيم، وأن الصحة هي البراءة من كل عيب وريب. وإطلاقها على الأجسام حقيقة، أما إطلاقها على الحديث والمعاملات وسائر المعاني فهو على سبيل المجاز أو الاستعارة التبعية، كما ذكر السخاوي.
واستطرد الشيخ إلى مسألة أصولية مهمة، هي أنواع الحقائق: الشرعية واللغوية والعرفية. ومثّل للحقيقة الشرعية بلفظ «الصلاة» و«الكافر»؛ فقد يُطلق الكافر في اللغة على الزارع لأنه يستر البذر في الأرض، لكن الحقيقة الشرعية مقدَّمة. والقاعدة عند الاختلاف أن تُقدَّم الحقيقة الشرعية، ثم العرفية، ثم اللغوية، ولا يُصار إلى المجاز إلا عند تعذّر الحقيقة. ونبّه الشيخ إلى أن هذه المسائل من أصول الفقه، وأن ضبطها يترتب عليه فهم صحيح للنصوص.
المحور الثاني: شروط الحديث الصحيح الخمسة، وخروج المتواتر من البحث الإسنادي
بيّن الشيخ أن شروط الحديث الصحيح خمسة، وأكّد على حفظها: اتصال السند، وعدالة الرواة، وضبطهم، وعدم الشذوذ، وانتفاء العلة القادحة. فإذا تخلّف شرط منها لم يكن الحديث صحيحًا بالمعنى الاصطلاحي.
ونبّه إلى أن المتواتر لا تُشترط فيه هذه الشروط؛ فلا يُشترط فيه إسلام الرواة ولا عدالتهم ولا ضبطهم، لأنه يفيد العلم الضروري بكثرة ناقليه الذين تحيل العادة تواطؤهم على الكذب. ولذلك فالمتواتر ليس من مباحث علم الإسناد، وإنما يُبحث في الإسناد عن أحاديث الآحاد.
المحور الثالث: اتصال السند وتطبيقه على أسانيد الصحيحين
عرّف الشيخ اتصال السند بأن يكون كل راوٍ قد سمع ذلك الحديث من شيخه، أو أخذه عنه بطريق معتبر كالإجازة على المعتمد، من أول الإسناد إلى منتهاه، سواء انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو إلى من دونه من الصحابة. والسند هو الطريق الموصل إلى المتن، أي: سلسلة الرواة الذين نقلوه، والمتن هو ما ينتهي إليه السند من الكلام.
وطبّق ذلك على أول حديث في صحيح البخاري، فقد رواه عن الحميدي، عن سفيان بن عيينة، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن علقمة بن وقاص الليثي، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ». فإذا ثبت سماع كل راوٍ من شيخه حُكم للسند بالاتصال.
ومثّل كذلك بثلاثيات البخاري، كروايته عن مكي بن إبراهيم، عن يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ يَقُلْ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ». ومثّل من صحيح مسلم برواية يحيى بن يحيى التميمي، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ فَلَيْسَ مِنَّا». ونبّه إلى ضرورة التمييز بين الرواة المتشابهين في الأسماء، فيحيى بن يحيى التميمي النيسابوري غير يحيى بن يحيى الليثي الأندلسي راوي الموطأ.
ثم أرشد إلى منهج التحقق العملي، وهو الرجوع إلى «تهذيب الكمال» للمزي وفروعه كـ«تهذيب التهذيب» و«تقريب التهذيب»، مع معرفة رموزها: (خ) للبخاري، و(خت) لتعليقه، و(بخ) للأدب المفرد، و(م) لمسلم، و(د) لأبي داود، و(ت) للترمذي، و(تم) للشمائل، و(س) للنسائي، و(ق) لابن ماجه. وإن لم يوجد الراوي في هذه الكتب انتقل الباحث إلى غيرها من كتب الرجال، مع مراعاة احتمال وقوع خطأ أو تصحيف في الإسناد.
المحور الرابع: أقسام انقطاع السند (الجليّ والخفيّ)
قسّم الشيخ الانقطاع، وهو ضدّ الاتصال، إلى قسمين: جليّ يدركه عامة الطلاب، وخفيّ لا يدركه إلا الأئمة النقاد. والجليّ أربعة أنواع:
- المرسل: ما سقط منه الصحابي، فيقول التابعي، كسعيد بن المسيب ومحمد بن سيرين ونحوهما: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.
- المعلّق: ما سقط من أول إسناده من جهة المصنِّف راوٍ أو أكثر، كقول البخاري: «وقال ابن مسعود: اليقين الإيمان كله». والبخاري وُلد سنة 194هـ، وابن مسعود رضي الله عنه توفي سنة 32هـ تقريبًا، فبينهما أكثر من قرن ونصف.
- المعضل: ما سقط من إسناده اثنان فأكثر على التوالي.
- المنقطع: ما سقط من إسناده راوٍ أو أكثر على غير التوالي، أي في مواضع متفرقة.
وضرب الشيخ لذلك مثلًا بالعمود المتصل بالسقف من أعلاه وبالأرض من أسفله؛ فإن انقطع من أسفله أو من أعلاه أو من وسطه ظهر الخلل بحسب موضع الانقطاع.
أما الخفيّ فنوعان: المدلَّس، وهو أن يروي الراوي عمّن لقيه أو عاصره ما لم يسمعه منه بصيغة تحتمل السماع كـ«عن» و«قال»، والمرسل الخفي، وهو رواية الراوي عمّن عاصره ولم يلقه. وذكر أن المدلس إذا صرّح بالسماع، كأن يقول «حدثنا»، قُبلت روايته. ومثّل لمعرفة هذا النوع بالصيرفي الذي يميّز الدينار المغشوش والذهب الزائف وإن كان ظاهره حسنًا، فكذلك أئمة الحديث يكشفون العلل الخفية بجمع الطرق والموازنة بينها. وذكر أن الإمام أحمد كان يحفظ ألف ألف حديث، ويُقصد بذلك الطرق والأسانيد والمرفوع والموقوف والمقطوع وأقوال التفسير، وأن ذلك يبيّن عظيم جهد هؤلاء الأئمة.
المحور الخامس: نشأة علم الإسناد وتعريف العدالة
بيّن الشيخ أن علم الجرح والتعديل ليس غيبة ولا طعنًا في أعراض الناس، وإنما هو حراسة لسنة النبي صلى الله عليه وسلم الذي ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: 3-4]. وذكر أن السؤال عن الإسناد اشتدّ بعد ظهور الفتن والكذّابين، كفتنة المختار بن أبي عبيد الثقفي، واستشهد بقول محمد بن سيرين الذي رواه الإمام مسلم في مقدمة صحيحه: «إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ، فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ»، وقوله: «لَمْ يَكُونُوا يَسْأَلُونَ عَنِ الْإِسْنَادِ، فَلَمَّا وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ قَالُوا: سَمُّوا لَنَا رِجَالَكُمْ».
ثم انتقل إلى الشرط الثاني، وهو أن يكون الراوي عدلًا ضابطًا، وعرّف العدالة بأنها ملكة وسجيّة وخُلُق راسخ في النفس، يحمل صاحبه على ملازمة التقوى والمروءة، أي فعل الطاعات واجتناب المحرّمات وخوارم المروءة. وختم بالدعاء والتوجيه إلى أن يحرص طالب العلم على أن يكون قدوة صالحة في نفسه.
النقاط الرئيسية
- الصحيح لغةً ضدّ السقيم، وإطلاقه على الأجسام حقيقة، وعلى الحديث مجاز أو استعارة.
- تُقدَّم الحقيقة الشرعية عند الاختلاف، ثم العرفية، ثم اللغوية، ولا يُصار إلى المجاز إلا عند تعذّر الحقيقة.
- شروط الحديث الصحيح خمسة: اتصال السند، وعدالة الرواة، وضبطهم، وعدم الشذوذ، وانتفاء العلة القادحة.
- المتواتر لا تُشترط فيه شروط الإسناد، فهو خارج عن مباحث هذا العلم.
- اتصال السند أن يسمع كل راوٍ الحديث من شيخه من أول الإسناد إلى منتهاه، ويُتحقق منه بالرجوع إلى كتب الرجال كـ«تهذيب الكمال».
- الانقطاع الجليّ أربعة أنواع: المرسل والمعلّق والمعضل والمنقطع، والخفيّ نوعان: المدلّس والمرسل الخفي.
- العدالة ملكة راسخة تحمل على التقوى والمروءة، ونشأ علم الإسناد لحفظ السنة بعد ظهور الفتن.
الفوائد والعبر
- التثبّت قبل النقل: لا ينبغي للمسلم أن ينسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم حديثًا قبل أن يتحقق من صحته، فقد جاء الوعيد الشديد على من قال عنه ما لم يقل.
- الجمع بين النظرية والتطبيق: لا يكفي حفظ التعريفات، بل يجب أن يتدرّب الطالب على تخريج الأسانيد والرجوع إلى كتب الرجال ومعرفة رموزها.
- تعظيم جهود المحدّثين: إدراك ما بذله الأئمة، كالإمام أحمد والبخاري ومسلم، في حفظ السنة يورث احترامهم والثقة بمنهجهم، ويدعو إلى عدم التسرّع في نقدهم.
- الجرح والتعديل ديانة لا غيبة: نقد الرواة لحماية الدين أمر مشروع، وينبغي أن يكون بعلم وعدل، لا بهوى أو تشفٍّ.
- العدالة سلوك قبل أن تكون شرطًا: على طالب العلم أن يتحلّى بالتقوى والمروءة، فهي صفات أهل الرواية وحَمَلة العلم، وبها يكون أهلًا لتلقّي العلم وتبليغه.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات