شرح كتاب " الرسالة " للإمام الشافعي (3-2) شرح فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري.

3,814 مشاهدة
244 مشاركة
منذ 8 سنوات

المقدمة

هذا المجلس من سلسلة شرح كتاب «الرسالة» للإمام محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله، وهو أول كتاب أُلِّف في أصول الفقه، يشرحه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. يتناول المجلس مسألة كبيرة قرّرها الإمام الشافعي، وهي التشبيه بين اللغة العربية والسنة النبوية في سَعَتهما وكثرة ما فيهما، وأنه لا يحيط بأيٍّ منهما فرد واحد، لكنهما لا يضيعان على مجموع الأمة.

وأهمية هذه المسألة أنها تضبط نظرة طالب العلم إلى نفسه وإلى العلماء. فهي تمنعه من الغرور بما جمع، ولا تجعله يحتقر عالمًا فاتته بعض الأحاديث. كما تبيّن أن حفظ الشريعة يتحقق بمجموع علماء الأمة لا بشخص واحد. ثم يوجّه الشيخ طالب العلم والعامي إلى ما يلزم كلًّا منهما من ملازمة كبار العلماء، والصدق مع الله، واستفتاء القلب.

ومن أهداف هذا المجلس: فهم معنى إحاطة الأمة بالسنة كما تحيط العرب بلغتها، ومعرفة أهم دواوين السنة التي يقترب من جمعها من الإحاطة، وتعلّم أدب طلب العلم مع الأكابر، وأن الصدق مع الله والمجاهدة طريق للهداية.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: سَعة لسان العرب وأنه لا يحيط به إلا نبي

يقرّر الإمام الشافعي أن لسان العرب أوسع الألسنة مذهبًا وأكثرها ألفاظًا. وقوله «مذهبًا» يعني كثرة طرقه في التعبير والدلالة، وقوله «ألفاظًا» يعني كثرة مفرداته. ولهذا لا يوجد من أحاط باللغة العربية إحاطة تامة إلا أن يكون نبيًّا.

لكن هذا لا يعني أن شيئًا من اللغة ضاع. فما فات واحدًا من العرب يعرفه غيره، وبمجموع العرب والصحابة والعلماء تُحفظ اللغة كلها ولا يفوتهم منها شيء. فالإحاطة هنا ثابتة للمجموع لا للأفراد.

وهذا كلام الشافعي في «الرسالة»: «وَلِسَانُ الْعَرَبِ أَوْسَعُ الْأَلْسِنَةِ مَذْهَبًا، وَأَكْثَرُهَا أَلْفَاظًا، وَلَا نَعْلَمُهُ يُحِيطُ بِجَمِيعِ عِلْمِهِ إِنْسَانٌ غَيْرُ نَبِيٍّ، وَلَكِنَّهُ لَا يَذْهَبُ مِنْهُ شَيْءٌ عَلَى عَامَّتِهَا».

المحور الثاني: السنة كاللغة لا يحيط بها عالم واحد

يقيس الإمام الشافعي السنة على اللغة. فالسنة لا تفوت العلماء جميعًا، لكن لا يحيط بها عالم واحد. وهذه قاعدة معروفة عند أهل العلم بالسنة: ما فات عالمًا من الأحاديث حفظه غيره، فتبقى السنة محفوظة في الأمة كلها.

ويترتب على هذا أن العالم الكبير قد يفوته الحديث أو الحديثان، ولا يُعدّ ذلك نقصًا يُسقط منزلته. كما أنه يدعو طالب العلم إلى أن يجمع أقوال العلماء ورواياتهم، ولا يكتفي بقول عالم واحد في معرفة السنن.

المحور الثالث: دواوين السنة التي يقترب جامعها من الإحاطة

يذكر الشيخ أهم مصادر السنة التي إذا جمعها طالب العلم كاد أن يحيط بالسنة. ومنها: مسند البزار، ومعاجم الطبراني، ومسند الإمام الدارمي، وصحيح ابن خزيمة، وصحيح ابن حبان، ومستدرك الحاكم، وكتب الإمام البيهقي، مع الكتب الأصول المعروفة.

ويحرص الشيخ على كلمة «يكاد»، أي يقترب من الإحاطة ولا يبلغها تمامًا. فالإنسان معرّض للنسيان والجهل والغفلة، وقلّ أن يسلم من ذلك. ومع هذا فمن جمع هذه الدواوين وصل إلى علم راسخ بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وفي هذا تربية على التواضع العلمي. فالعالم يقول «يكاد» ولا يجزم بالإحاطة، وهذا من أدب الشافعي الذي دعا الشيخ أن يرزقنا الله مثله.

المحور الرابع: توجيه طالب العلم والعامي

يفرّق الشيخ بين طالب العلم والعامي في التوجيه، ونصيحته الجامعة: «الزم كبار العلماء». فطالب العلم يأخذ منهم المنهج والفهم، والعامي يسألهم ويرجع إليهم فيما يشكل عليه.

ويبيّن الشيخ أن العامي إذا صدق مع الله كان ذلك خيرًا له. فالقرآن قد يسّره الله للذكر والاتعاظ، كما قال تعالى:

﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ [القمر: 17]

ويستشهد الشيخ بقول النبي صلى الله عليه وسلم في استفتاء القلب بصدق، ولفظه في رواية الإمام أحمد من حديث وابصة رضي الله عنه:

«اسْتَفْتِ قَلْبَكَ، وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوْكَ»

والمقصود أن يستفتي قلبه بصدق كأنه واقف بين يدي الله عز وجل، لا أن يتبع هواه. ومن جاهد نفسه في طلب الحق وعده الله بالهداية:

﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: 69]

المحور الخامس: الدعاء الجامع في ختام المجلس

ختم الشيخ المجلس بالدعاء للإمام الشافعي بالرحمة، وسأل الله أن يؤدّبنا بأدبه ويفقّهنا بفقهه، وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل والمتابعة في السر والعلانية. ثم دعا بالدعاء النبوي المأثور الذي رواه الترمذي:

«اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا تَحُولُ بِهِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ، وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ، وَمِنَ الْيَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مُصِيبَاتِ الدُّنْيَا، وَمَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا، وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنَّا، وَاجْعَلْ ثَأْرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا، وَانْصُرْنَا عَلَى مَنْ عَادَانَا، وَلَا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا، وَلَا تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا»

ويحسن أن يختم طالب العلم مجالسه بمثل هذه الأدعية، لأنها تذكّره بأن العلم المطلوب هو ما أثمر الخشية والطاعة واليقين.

النقاط الرئيسية

  • لسان العرب أوسع الألسنة مذهبًا وأكثرها ألفاظًا، ولا يحيط به إحاطة تامة إلا نبي.
  • لا يضيع شيء من اللغة على مجموع العرب والعلماء، وإن فات بعضها آحادهم.
  • السنة النبوية مثل اللغة: لا يحيط بها عالم واحد، ولا تفوت الأمة كلها.
  • من جمع دواوين السنة الكبرى، كمسند البزار ومعاجم الطبراني وصحيحي ابن خزيمة وابن حبان ومستدرك الحاكم وكتب البيهقي، «يكاد» أن يحيط بالسنة.
  • الإنسان لا يسلم من النسيان والجهل والغفلة، ولهذا يتواضع العالم ولا يدّعي الإحاطة.
  • النصيحة لطالب العلم والعامي: الزم كبار العلماء.
  • الصدق مع الله، واستفتاء القلب بصدق، ومجاهدة النفس، من أسباب الهداية إلى الحق.

الفوائد والعبر

  • التواضع في طلب العلم: مهما جمعت من العلم فأنت معرّض للنسيان والغفلة، فلا تغترّ بما حصّلت.
  • حسن الظن بالعلماء: إذا فات عالمًا كبيرًا حديث أو مسألة فلا يُسقط ذلك منزلته، فالإحاطة لم تكن لأحد بعد الأنبياء.
  • العناية باللغة العربية: هي مفتاح فهم القرآن والسنة، وفهم سعتها يعين على فهم نصوص الشريعة.
  • ملازمة الأكابر: اطلب العلم عند كبار العلماء الراسخين، وارجع إليهم فيما يشكل عليك.
  • الصدق مع الله: من أقبل على الحق بقلب صادق وجاهد نفسه في طلبه هداه الله إلى سبيله، كما وعد سبحانه.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات