شرح كتاب " الرسالة " للإمام الشافعي (11) شرح فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري.
المقدمة
يتناول الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري في هذا الدرس الحادي عشر من شرح كتاب «الرسالة» للإمام أبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله باب «جُمَل الفرائض في الزكاة». وفيه يواصل الإمام الشافعي منهجه في بيان أن الله تعالى فرض الفرائض مجملةً في كتابه الكريم، ثم جاءت السنة النبوية المطهرة بتفصيلها وتفريعها وبيان أحكامها. وقد بدأ الإمام هذا المنهج في الدرس السابق بالصلاة، فبيّن أن القرآن أمر بها، وأن السنة بيّنت كيفيتها وأركانها وواجباتها وأعدادها وأوقاتها.
وتأتي أهمية هذا الدرس من كونه يجمع بين أصلين عظيمين: الأول أصولي، وهو بيان منزلة السنة من القرآن، وأنها تخصّص عامّه وتبيّن مجمله. والثاني فقهي، وهو معرفة الأموال التي تجب فيها الزكاة والتي لا تجب فيها، ومقادير أنصبتها، وأوقات إخراجها. فالآية الكريمة: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ جاءت عامة، فبيّنت السنة أن الزكاة في بعض الأموال دون بعض، وفي قدر دون قدر، وفي وقت دون وقت.
ويهدف هذا الدرس إلى تعريف طالب العلم بمعنى الزكاة لغةً وشرعًا، وبيان الأصناف الزكوية من الماشية والزروع والثمار والنقدين والركاز، وترسيخ قاعدة الاتباع للنبي صلى الله عليه وسلم في فعله وتركه، فما أخذ منه أخذنا منه، وما تركه تركناه، مع إدراك منهج الإمام الشافعي في القياس على ما ثبت بالنص إذا اتحدت العلة.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: تعريف الزكاة ومجمل فرضها في القرآن الكريم
بيّن الشيخ أن الزكاة في اللغة هي الطهارة والنماء، وفي الشرع: أخذ مال مخصوص، من أشخاص مخصوصين، في أوقات معلومة، يُدفع إلى أصناف مخصوصين. فالمال المخصوص له قدر محدد كالعُشر ونصف العُشر وربع العُشر، والأشخاص المخصوصون هم من ملكوا النصاب، ويُدفع المال إلى الأصناف الثمانية المذكورة في كتاب الله.
وقد ذكر الإمام الشافعي الآيات الدالة على فرض الزكاة، ومنها قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: 43]، وقوله في وصف المؤمنين: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ ۚ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [النساء: 162].
ومن الآيات التي ذكرها قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: 4-7]. وقد فسّر بعض أهل العلم «الماعون» بالزكاة المفروضة، وهو مروي عن علي بن أبي طالب وابن عباس ومحمد بن علي المعروف بابن الحنفية رضي الله عنهم، وفسّره آخرون بما يتعاوره الناس بينهم من الأدوات كالقِدر والفأس والمِسحاة ونحوها.
ثم ذكر قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ﴾ [التوبة: 103]، وبيّن الشيخ أن إخراج الزكاة تطهير للعبد من الشح والذنوب، وتطهير للمال، وسبب لنمائه وبركته.
المحور الثاني: السنة تخصص عموم القرآن في الأموال الزكوية
هذا هو المقصد الأصولي في الباب. فقد قرر الإمام الشافعي أن قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ عام في ظاهره، يحتمل أن يكون في جميع الأموال، ويحتمل أن يكون في بعضها دون بعض. فجاءت السنة المطهرة فدلّت على أن الزكاة في بعض الأموال دون بعض.
فالأموال أصناف كثيرة: منها الماشية، ومنها الزروع، ومنها النقد الذي يتبايع به الناس، ومنها العقارات والأراضي. وقد بيّنت السنة أن الزكاة لا تؤخذ من كل هذه الأموال، ولا بنسبة واحدة، بل منها ما تجب فيه الزكاة إذا بلغ النصاب، ومنها ما لا زكاة فيه أصلًا، وتختلف المقادير باختلاف الأصناف.
وقرر الشيخ القاعدة العظيمة التي يقوم عليها هذا الباب: أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ وترك، فنأخذ كما أخذ، ونترك كما ترك. فالحَكَم في أمور الخلق كلها هو سيد الخلق صلى الله عليه وسلم.
المحور الثالث: زكاة بهيمة الأنعام
بيّن الإمام الشافعي أن الناس كانت لهم مواشٍ متعددة، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الإبل والغنم، وأمر بالأخذ من البقر، دون غيرها من المواشي كالخيل والبغال والحمير، فلم يأخذ منها شيئًا. والبقر والجواميس جنس واحد في الحكم.
وجاءت السنة بأنه لا صدقة في الخيل، كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ وَلَا فَرَسِهِ صَدَقَةٌ» [متفق عليه]. فاستدل الشافعي بذلك على أن الصدقة إنما تجب فيما أخذ منه النبي صلى الله عليه وسلم وأمر بالأخذ منه دون غيره.
ثم إن الزكاة لا تجب في أي عدد، بل لكل صنف نصاب: فالإبل يبتدئ نصابها من خمس، والبقر من ثلاثين، والغنم من أربعين، وما دون ذلك لا زكاة فيه. وفصّل الشيخ في زكاة الإبل، فبيّن أن في كل خمس منها شاة إلى أربع وعشرين، فإذا بلغت خمسًا وعشرين أُخرج من جنسها بنت مخاض، فإن لم توجد فابن لبون. وفي الغنم إذا بلغت أربعين شاةٌ واحدة، وفي البقر إذا بلغت ثلاثين واحدةٌ منها.
المحور الرابع: زكاة الزروع والثمار ومنهج القياس عند الشافعي
ذكر الإمام أن للناس زروعًا وغراسًا، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الزكاة من النخل والعنب بالخَرْص، وهو تقدير الرجل الخبير لما على الشجر من الثمر. وأخذ منهما العُشر إذا سُقي بماء السماء أو العيون دون كلفة، ونصف العُشر إذا سُقي بالغَرْب، أي الدلو، لما فيه من التعب والمشقة والنفقة. وفي ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا الْعُشْرُ، وَمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ الْعُشْرِ» [رواه البخاري].
وأخذ بعض أهل العلم ممن سبق الشافعي من الزيتون قياسًا على النخل والعنب. أما سائر الأشجار المثمرة كالجوز واللوز والتين، فلم يأخذ منها النبي صلى الله عليه وسلم ولم يأمر بالأخذ منها، فاستدل الشافعي بذلك على أن الزكاة في بعض الغراس دون بعض.
وفي الحبوب ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ من الحنطة والشعير والذرة، وأخذ السلف من الدُّخن والسُّلت، وهو نوع من الشعير لا قشر له، والعَلَس، وهو نوع جيد من القمح كان طعام أهل صنعاء، والأرز. وألحق الشافعي بها كل ما زرعه الآدميون وجعلوه قوتًا، خبزًا أو عصيدة أو سويقًا أو إدامًا، كالقِطنية من الحمص والعدس والباقلاء والترمس والجلبان، وذلك قياسًا على ما ثبت فيه النص. والعلة عنده أن هذه الأصناف تُقتات وتُدّخر.
أما ما لا يُقتات ولا يُدّخر للقوت، كالثُّفّاء وحب الرشاد والأسبيوش والكزبرة وحب العُصْفُر، فلا زكاة فيه، لأنه ليس في معنى ما أخذ منه النبي صلى الله عليه وسلم.
المحور الخامس: زكاة النقدين والركاز، ووقت وجوب الزكاة
فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم في الوَرِق، وهو الفضة، صدقةً إذا بلغت مائتي درهم. وأخذ المسلمون بعده الزكاة من الذهب، إما بخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم لم يبلغ الشافعي، وإما قياسًا على الفضة، لأن الذهب والفضة نقد الناس الذي اكتنزوه وجعلوه أثمانًا يتبايعون بها قبل الإسلام وبعده. وليس فيما دون عشرين دينارًا من الذهب صدقة.
أما سائر المعادن كالنحاس والحديد والرصاص، فلم يأخذ منها النبي صلى الله عليه وسلم ولا أحد بعده، فلا يجوز قياسها على الذهب والفضة، لأنها ليست في معناهما من حيث الثمنية. وكذلك الياقوت والزبرجد، وهما أغلى ثمنًا من الذهب والفضة، لا زكاة فيهما عند الشافعي، لأنهما ليسا نقدًا يتعامل به الناس. وأشار الشيخ إلى أن العملات الورقية المعاصرة لها حكم النقد لأنها صارت أثمانًا يتعامل بها الناس.
وأما وقت الوجوب، فقد نقلت العامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أخذ زكاة الماشية والنقد مرة في كل سنة. وأما الزروع والثمار فتُخرج زكاتها يوم الحصاد، لقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: 141]، فلو زرع الإنسان أكثر من محصول في سنة واحدة أخرج زكاة كل محصول عند حصاده.
وسنّ النبي صلى الله عليه وسلم في الرِّكاز الخُمس، فقال: «وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ» [متفق عليه]، ويُخرج يوم يوجد ويُستخرج، لا في وقت غيره.
النقاط الرئيسية
- الزكاة لغةً الطهارة والنماء، وشرعًا أخذ مال مخصوص من أشخاص مخصوصين في وقت معلوم لأصناف مخصوصين.
- جاء فرض الزكاة في القرآن مجملًا عامًا، وبيّنت السنة تفصيله، فخصّصت عموم قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾.
- الزكاة في بهيمة الأنعام خاصة بالإبل والبقر والغنم، ولا زكاة في الخيل والبغال والحمير، ولكل صنف نصاب: خمس من الإبل، وثلاثون من البقر، وأربعون من الغنم.
- زكاة الزروع والثمار العُشر فيما سُقي بلا كلفة، ونصف العُشر فيما سُقي بكلفة، وتجب يوم الحصاد.
- ألحق الشافعي بالمنصوص عليه كل ما يُقتات ويُدّخر من الحبوب والقطاني قياسًا، ونفى الزكاة عما لا يُقتات كالكزبرة وحب الرشاد.
- الزكاة في النقدين الذهب والفضة لثمنيتهما، ولا تجب في سائر المعادن ولا في الجواهر كالياقوت والزبرجد.
- زكاة الماشية والنقد مرة في كل حول، وزكاة الزرع يوم حصاده، وفي الركاز الخُمس يوم يوجد.
الفوائد والعبر
- تعظيم السنة النبوية: لا يُفهم القرآن على وجهه إلا بالسنة المبيّنة له، فمن أعرض عن السنة عجز عن فهم أركان دينه كالصلاة والزكاة.
- الاتباع في الفعل والترك: من كمال الاتباع أن نترك ما ترك النبي صلى الله عليه وسلم كما نفعل ما فعل، وفي هذا حماية للدين من الزيادة والإحداث.
- الزكاة طهرة ونماء: على المسلم أن يخرج زكاته طيبةً بها نفسه، موقنًا أنها تطهّره من الشح والذنوب، وتبارك ماله ولا تنقصه.
- العناية بفقه الزكاة: ينبغي لكل من يملك مالًا أو ماشية أو زرعًا أن يتعلم أنصبتها ومقاديرها وأوقاتها، حتى يؤدي حق الله فيها على الوجه الصحيح.
- منهج العلماء في الاستنباط: في تعامل الإمام الشافعي مع النصوص والقياس عليها بضوابط العلة درسٌ لطالب العلم في الجمع بين التمسك بالنص وإعمال القياس الصحيح.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات