شرح جزء أبو عمرو الداني في مصطلح الحديث ( 9) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو المجلس التاسع من شرح «جزء أبي عمرو الداني في مصطلح الحديث»، يقدمه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري حفظه الله. يتناول المجلس مصطلحًا من أهم مصطلحات علم الحديث هو «الحديث المسند». فهم هذا المصطلح ضروري لكل طالب علم يقرأ كتب السنة وكتب العلل وكلام الأئمة في التصحيح والتضعيف.
افتتح الشيخ المجلس بخطبة الحاجة. ثم شرح تعريف الإمام أبي عمرو الداني رحمه الله للمسند، وقارنه بتعريفات أئمة آخرين، منهم الخطيب البغدادي وابن عبد البر والحاكم وابن حجر. وبيّن الشرطين اللذين يقوم عليهما المسند، وهما اتصال السند ورفعه إلى النبي ﷺ. كما ميّز بين ثلاثة مصطلحات متقاربة كثيرًا ما تختلط على المبتدئين، وهي: المسند والمتصل والمرفوع.
أهداف التعلم: أن يعرف المشاهد حدّ المسند عند أبي عمرو الداني، وأن يدرك أسباب اختلاف العلماء في تعريفه، وأن يميّز بدقة بين المسند والمتصل والمرفوع، وأن يفهم معنى عبارة الأئمة: «أسنده فلان وأرسله فلان».
المحاور الرئيسية
المحور الأول: خطبة الحاجة والتمسك بالكتاب والسنة
بدأ الشيخ مجلسه بخطبة الحاجة التي كان النبي ﷺ يعلّمها أصحابه، على عادة أهل العلم في افتتاح دروسهم. وهي خطبة تجمع حمد الله والاستعانة به والشهادتين والأمر بتقوى الله، وتؤكد أن الهدى في اتباع الكتاب والسنة واجتناب المحدثات.
ومن الآيات التي تلاها:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1]
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 70-71]
ثم ذكر قوله ﷺ: «فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ». أصل الحديث في صحيح مسلم، وزيادة «وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ» عند النسائي.
المحور الثاني: تعريف المسند عند أبي عمرو الداني وشرطاه
عرّف أبو عمرو الداني رحمه الله المسند بأنه: ما يرويه المحدّث عن شيخ يظهر سماعه منه لسنٍّ يحتملها، وكذلك سماع شيخه من شيخه، حتى يصل الإسناد إلى الصحابي، ثم إلى رسول الله ﷺ.
وبيّن الشيخ أن هذا التعريف يتضمن شرطين:
- اتصال السند: أن يكون كل راوٍ قد سمع ممن فوقه، وأن يكون عمره يحتمل هذا السماع.
- الرفع: أن ينتهي الإسناد إلى الصحابي الذي يضيفه إلى النبي ﷺ.
فيخرج بشرط الاتصال الحديثُ المرسل، كما يخرج المنقطع والمعضل. ويخرج بشرط الرفع الموقوفُ على الصحابي والمقطوعُ على التابعي، ولو كان إسنادهما متصلًا. وذكر الشيخ أن هذا التعريف يوافق قول الحاكم، وهو الذي رجّحه الحافظ ابن حجر.
المحور الثالث: تعريف الخطيب البغدادي (شرط الاتصال وحده)
ذكر الخطيب البغدادي رحمه الله في كتابه «الكفاية» أن المسند عند أهل الحديث هو ما اتصل إسناده من راويه إلى منتهاه. فهو يشترط الاتصال فقط، ولا يقيّد المنتهى بأن يكون النبي ﷺ.
ويترتب على تعريفه أن يدخل في المسند الموقوفُ على الصحابي إذا رُوي بسند متصل، كما نبّه على ذلك العلامة أحمد محمد شاكر رحمه الله. وقد أشار الخطيب نفسه إلى أن أكثر استعمال هذه العبارة يكون فيما أُسند عن النبي ﷺ دون غيره. فالفرق بينه وبين أبي عمرو الداني أن الداني اشترط الاتصال والرفع معًا، والخطيب اكتفى بالاتصال.
المحور الرابع: تعريف ابن عبد البر (شرط الرفع وحده) ونقده
قال ابن عبد البر رحمه الله في «التمهيد» إن المسند ما رُفع إلى النبي ﷺ خاصة، سواء أكان متصلًا أم منقطعًا. فهو يشترط الرفع وحده.
ومثّل للمتصل بنحو: «مالك عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ». وعرّف المتصل بأنه ما صحّت فيه مجالسة الراوي لمن فوقه ولقاؤه وسماعه منه، ولو كانت الرواية بصيغة «عن». فلا يُشترط عنده التصريح بالتحديث والإخبار ما دام اللقاء والسماع ثابتين.
ويلزم من تعريف ابن عبد البر للمسند ألّا يبقى فرق بين المسند والمرفوع، بل يدخل فيه المرسل أيضًا. وهذا مخالف لصنيع أئمة الحديث، كما قرّر ذلك الحافظ ابن حجر. فالأئمة كثيرًا ما يقولون: «أسنده فلان وأرسله فلان»، ويقصدون أن أحد الرواة رواه عن صحابي عن النبي ﷺ، وأن الآخر رواه عن تابعي عن النبي ﷺ. وهذا دليل واضح على أنهم يفرّقون بين المسند والمرسل.
المحور الخامس: الفرق بين المرفوع والمتصل والمسند
ختم الشيخ المجلس بتحرير الفرق بين هذه المصطلحات الثلاثة، معتمدًا على جهة النظر في كل منها:
- المرفوع: يُنظر فيه إلى القائل ومنتهى الحديث، وهو ما أُضيف إلى النبي ﷺ، سواء اتصل سنده أم لم يتصل.
- المتصل: يُنظر فيه إلى الإسناد، وهو أن يسمع كل راوٍ ممن فوقه، سواء انتهى إلى النبي ﷺ أم إلى غيره.
- المسند (على قول الحاكم والداني): يُنظر فيه إلى الأمرين معًا، فهو المرفوع المتصل.
فكل مسند عند الحاكم والداني مرفوع، وليس كل مرفوع مسندًا. وأما الخطيب فقد سوّى في الغالب بين المسند والمتصل، وسوّى ابن عبد البر بين المسند والمرفوع. والقول الأول هو الأدق والأقرب إلى عمل الأئمة.
النقاط الرئيسية
- المسند عند أبي عمرو الداني هو ما اتصل سنده بسماع كل راوٍ ممن فوقه، وانتهى إلى الصحابي عن النبي ﷺ.
- للمسند عند الداني والحاكم وابن حجر شرطان: الاتصال والرفع.
- اشترط الخطيب البغدادي الاتصال فقط، فيدخل الموقوف المتصل في المسند على تعريفه.
- اشترط ابن عبد البر الرفع فقط، فجعل المسند مرادفًا للمرفوع ولو كان منقطعًا.
- عبارة الأئمة «أسنده فلان وأرسله فلان» دليل على أنهم يفرّقون بين المسند والمرسل.
- المرفوع يُنظر فيه إلى المتن وقائله، والمتصل يُنظر فيه إلى الإسناد، والمسند يجمع الأمرين.
- الرواية بصيغة «عن» تُحمل على الاتصال إذا ثبت اللقاء والسماع، كما في «مالك عن نافع عن ابن عمر».
الفوائد والعبر
- تحرير المصطلحات قبل البناء عليها: المصطلح الواحد قد يختلف معناه من إمام إلى آخر، فينبغي معرفة اصطلاح كل عالم قبل فهم كلامه أو الحكم عليه.
- الاستقراء أصل في فهم مناهج الأئمة: الترجيح بين التعريفات يُبنى على تتبّع عمل أئمة الحديث وتطبيقاتهم، لا على مجرد التنظير.
- حفظ الأمة لإسناد نبيها ﷺ: عناية المحدثين بتحقيق سماع كل راوٍ من شيخه تبيّن عظم الجهد الذي بُذل في حفظ السنة.
- الإنصاف في نقد العلماء: نقد الحافظ ابن حجر لابن عبد البر نموذج لمناقشة الأئمة بالدليل مع حفظ قدرهم ومكانتهم.
- ربط العلم بالتقوى: افتتاح الدرس بخطبة الحاجة يذكّر طالب العلم بأن غاية الطلب تقوى الله واتباع هدي النبي ﷺ والبعد عن المحدثات.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات