شرح جزء أبو عمرو الداني في مصطلح الحديث ( 14) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

3,649 مشاهدة
109 مشاركة
منذ 5 سنوات

المقدمة

في هذا الدرس الرابع عشر من الدورة الحديثية المباركة، يواصل فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري -حفظه الله- شرحه في مصطلح الحديث. ويتناول الدرس مسألة من أدق مسائل علم الحديث، وهي مسألة الحديث المعنعن. وكان الإمام مسلم -رحمه الله- قد ادعى الإجماع على قبول الإسناد المعنعن إذا كان الراوي معاصرًا لشيخه، ثقةً، غير موصوف بالتدليس، وإن لم يُعلم سماعه منه. ويعرض الشيخ في هذا الدرس ردَّ الحافظ ابن رُشَيد الفهري -رحمه الله- على الأمثلة التي احتج بها الإمام مسلم، ويناقشها مناقشة علمية دقيقة.

تكمن أهمية هذا الموضوع في أنه يمس صلب الحكم على الأسانيد بالاتصال أو الانقطاع، وهو مدار قبول الأحاديث وردّها. كما يكشف الدرس عن منهج الأئمة النقاد في الموازنة بين الروايات، وفي الترجيح عند الاختلاف على الراوي، وفي التفريق بين الوهم الحقيقي وبين رواية الحديث على الوجهين.

أهداف الدرس: أن يتعرف الطالب على الأدلة التي ساقها الإمام مسلم في هذه المسألة، وأن يفهم وجه اعتراض ابن رشيد على مثالَي حديث ترجيل رأس النبي ﷺ وحديث القُبلة للصائم، وأن يتدرب على طرق النظر في الاختلاف على الرواة، وفي ترجيح رواية الجماعة، وفي اعتبار المتابعات والشواهد.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: خلاصة أدلة الإمام مسلم في قبول المعنعن

افتتح الشيخ الدرس بخطبة الحاجة، ثم ذكّر بما سبق تقريره. فقد استدل الإمام مسلم بأربعة أمور: أولها ادعاء الإجماع على قبول المعنعن المتلقى من غير تقييد بشرط ثبوت اللقاء. وثانيها إلزام المخالف بأنه إن اشترط ثبوت السماع ولو مرة واحدة لزمه إثبات السماع في كل إسناد من أوله إلى آخره، وإلا ردّ المعنعن، وهو لا يقول بذلك. وثالثها حكاية الإجماع على قبول رواية الصحابة بعضهم عن بعض بمجرد المعاصرة. ورابعها حكاية الإجماع على قبول أحاديث التابعين السالمين من وصمة التدليس إذا عنعنوا عن صحابة عاصروهم.

ومثّل الإمام مسلم للأصلين الأولين بأمثلة، منها رواية هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة -رضي الله عنها-، ثم وجود الحديث نفسه من رواية هشام عن أخيه عثمان عن أبيه. وأجاب الشيخ عن ذلك بأنهم كانوا يحرصون على شرف المعالي، أي إظهار أنهم من بيت علم وفضل، فيقدّمونه أحيانًا على العلو في الإسناد، فيروون عن الأخ أو العم أو الخال، ولا يدل ذلك على انقطاع الطريق الآخر.

ومن الآيات التي افتُتح بها الدرس في خطبة الحاجة قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 70-71]

المحور الثاني: حديث ترجيل رأس النبي ﷺ والاختلاف على الزهري ومالك

ساق الإمام مسلم حديث عائشة -رضي الله عنها- في ترجيل رأس النبي ﷺ وهو معتكف، وذكر أن الإمام مالكًا رواه عن الزهري عن عروة عن عمرة عن عائشة، فجعل عمرة واسطة بين عروة وعائشة، ليستدل بذلك على أن عروة لم يسمع هذا الحديث من عائشة. وبيّن الشيخ أن جمهور أصحاب الزهري رووه عنه عن عروة وعمرة كليهما عن عائشة، لا عن عروة عن عمرة.

ونقل ابن رشيد أن سماع عروة لهذا الحديث من خالته عائشة ثابت. فقد أخرجه البخاري -شيخ مسلم- من طريق ابن جريج، وفيه تصريح عروة بقوله: «أخبرتني عائشة». وأشار الشيخ إلى أن الإمام مسلمًا لم يلتفت إلى ثبوت هذا السماع عند شيخه البخاري.

والحديث كما رواه الترمذي: عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا اعْتَكَفَ أَدْنَى إِلَيَّ رَأْسَهُ فَأُرَجِّلُهُ، وَكَانَ لَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إِلَّا لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ». وقال الترمذي عقبه: هذا حديث حسن صحيح، هكذا رواه غير واحد عن مالك عن ابن شهاب عن عروة وعمرة عن عائشة، ورواه بعضهم عن مالك عن ابن شهاب عن عروة عن عمرة عن عائشة، والصحيح: عن عروة وعمرة. وهكذا رواه الليث بن سعد عن ابن شهاب عن عروة وعمرة، ولم يُختلف على الليث فيه.

المحور الثالث: الموازنة بين نقل الترمذي ونقل ابن عبد البر

نقل الحافظ ابن عبد البر -رحمه الله- أن جمهور رواة الموطأ رووه عن مالك عن ابن شهاب عن عروة عن عمرة عن عائشة، وذكر أسماء جماعة منهم، كمعن بن عيسى، والقعنبي، وابن القاسم، وأبي مصعب، وابن بكير، ويحيى بن يحيى النيسابوري. غير أن الترمذي روى الحديث من طريق أبي مصعب عن مالك على الوجه الآخر: «عن عروة وعمرة».

ورجّح ابن رشيد ما نقله الترمذي عن أبي مصعب على ما نقله ابن عبد البر، لأن الترمذي سمعه منه قراءةً مباشرة، وأما ابن عبد البر فهو ناقل متأخر. كما نبّه إلى أن ابن عبد البر ساق الأسانيد ولم يتعرض لبيان الصحيح في نفس الأمر. وخلص إلى أن الاختلاف وقع على مالك نفسه، وأن الوجه الموافق للجماعة أولى، وأن استشهاد مسلم بهذا المثال قد جانبه الصواب.

المحور الرابع: حديث القبلة للصائم والاختلاف على أبي سلمة

المثال الثالث رواية الزهري وصالح بن أبي حسان عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة -رضي الله عنها-: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ». ورواه يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة، وصرّح فيه بالإخبار في كل طبقة: أخبرني أبو سلمة أن عمر بن عبد العزيز أخبره أن عروة أخبره أن عائشة أخبرته. فأراد الإمام مسلم أن يُعلّ رواية أبي سلمة عن عائشة بهذه الزيادة في الإسناد.

وردّ ابن رشيد ذلك من وجوه: أولها أن سماع أبي سلمة من عائشة معلوم يقينًا. وثانيها أن الزهري أوثق من يحيى بن أبي كثير، فإن كان المقام مقام ترجيح فرواية الزهري أرجح. وثالثها أن الزهري قد توبع بصالح بن أبي حسان. ثم وجّه الروايتين بأن أبا سلمة كان عنده الحديث على الوجهين، فرواه مرة نازلًا بواسطة، ومرة عاليًا عن عائشة مباشرة. ولا يُعدل عن السماع الثابت إلا بيقين.

المحور الخامس: حال صالح بن أبي حسان وأثره في المتابعة

عرض الشيخ أقوال أهل العلم في صالح بن أبي حسان المدني. فقد قال فيه أبو حاتم الرازي: ضعيف الحديث. وقال ابن البرقي: روى عنه ابن أبي ذئب، وهو ممن احتُملت روايته. وذكر ابن رشيد أنه روى عنه أيضًا بكير بن الأشج، وأن البخاري ذكر روايتهما عنه، وأن أبا علي الجياني وثّقه، ونُقل عن البخاري توثيقه كذلك.

والخلاصة أن الراوي مختلف فيه، لكنه يصلح في الشواهد والمتابعات، لأن ضعفه إن ثبت فهو من قِبَل الحفظ، لا من قِبَل العدالة. ولذلك تقوّى به جانب الزهري في روايته عن أبي سلمة عن عائشة.

النقاط الرئيسية

  • ادعى الإمام مسلم الإجماع على قبول المعنعن بشرط المعاصرة والثقة والسلامة من التدليس، واستدل بأمثلة ناقشها ابن رشيد الفهري.
  • رواية الراوي بواسطة الأخ أو القريب لا تنفي سماعه المباشر، فقد كانوا يقدّمون شرف المعالي على علو الإسناد.
  • الصحيح في حديث الترجيل أنه عن ابن شهاب عن عروة وعمرة عن عائشة، لا عن عروة عن عمرة.
  • سماع عروة لحديث الترجيل من عائشة ثابت عند البخاري، شيخ مسلم.
  • رجّح ابن رشيد نقل الترمذي عن أبي مصعب على نقل ابن عبد البر، لأن الترمذي سمعه منه قراءةً مباشرة.
  • سماع أبي سلمة من عائشة متيقن، ورواية الزهري أرجح من رواية يحيى بن أبي كثير، وقد تابعه صالح بن أبي حسان.
  • يُحمل اختلاف الإسناد أحيانًا على أن الراوي حدّث بالحديث على الوجهين: نازلًا مرة وعاليًا مرة أخرى.

الفوائد والعبر

  • الأدب مع الأئمة الكبار لا يمنع من مناقشة أقوالهم بالدليل، فالحق أحق أن يُتبع، والإمام مسلم على جلالته يُستدرك عليه.
  • على طالب العلم أن يجمع طرق الحديث ويتتبعها قبل الحكم عليه بالانقطاع أو الاتصال.
  • اليقين لا يزول بالشك، فالسماع الثابت لا يُعدل عنه إلا بدليل قاطع، وهذه قاعدة نافعة في العلم كله.
  • الرواية المباشرة والسماع من الشيخ مقدَّمان على النقل بالواسطة عند التعارض.
  • ينبغي معرفة مراتب الرواة، والتفريق بين الضعف من جهة الحفظ الذي ينجبر بالمتابعة، والضعف من جهة العدالة الذي لا ينجبر.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات