شرح جزء أبو عمرو الداني في مصطلح الحديث ( 12) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

2,453 مشاهدة
499 مشاركة
منذ 5 سنوات

المقدمة

هذا هو الدرس الثاني عشر من شرح «جزء أبي عمرو الداني في مصطلح الحديث» لفضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري. أُلقي الدرس ليلة الأربعاء الخامس عشر من شهر ربيع الثاني سنة 1431هـ، الموافق للحادي والثلاثين من شهر مارس سنة 2010م. ويواصل الشيخ فيه الحديث عن مسألة من أدق مسائل علم الحديث وأخطرها، وهي مسألة الإسناد المعنعن، ومذهب الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري رحمه الله فيها كما قرّره في مقدمة صحيحه.

تكمن أهمية الموضوع في أن الحكم على آلاف الأسانيد بالاتصال أو الانقطاع يتوقف على هذه المسألة. فهل يكفي في رواية الثقة عن شيخه بصيغة «عن» أن يكونا متعاصرين، مع سلامة الراوي من التدليس؟ أم يُشترط ثبوت اللقاء أو السماع ولو مرة واحدة؟ وقد عرض الشيخ في هذا الدرس أدلة الإمام مسلم الأربعة، والأمثلة التي احتج بها، ليؤصّل مذهبه تأصيلًا كاملًا. ثم يعرّج في الدروس القادمة على ردّ الإمام ابن رُشيد الفهري عليه، ليتضح الراجح في المسألة.

أهداف التعلم: فهم شروط حمل الإسناد المعنعن على السماع عند الإمام مسلم، والوقوف على أدلته ومنهجه في الاستدلال. ومعرفة الفرق بين البحث عن سماع المدلِّس وسماع غيره. وتعلّم الأدب العلمي في التعامل مع أخطاء الأئمة الكبار.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: افتتاح الدرس بخطبة الحاجة وتحرير محل النزاع

افتتح الشيخ درسه بخطبة الحاجة التي كان النبي ﷺ يعلّمها أصحابه، اقتداءً بالسنة. ثم ذكّر بما تقرّر في الدرس السابق، وهو أن الإمام مسلمًا يرى أن الراوي الثقة إذا روى عن شيخ عاصره، ولم يوصم بالتدليس، ولم يوجد دليل على السماع أو عدمه، فإن روايته تُحمل على السماع والاتصال.

ومن الآيات التي افتتح بها الدرس:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 70-71]

«فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ».

المحور الثاني: الدليلان الأول والثاني للإمام مسلم وأمثلتهما الأربعة

الدليل الأول: ادعى الإمام مسلم الإجماع على قبول الإسناد المعنعن الذي هذه صفته، دون تقييده بشرط ثبوت السماع.

الدليل الثاني: أن اشتراط ثبوت السماع مرة واحدة لا يرفع احتمال الإرسال. فقد وُجد رواة سمعوا من شيوخهم يقينًا، ومع ذلك أرسلوا عنهم بعض الأحاديث بواسطة. ويلزم من ذلك ألا يُصحَّح إسناد معنعن حتى يُثبت السماع في كل حديث بعينه من أول الإسناد إلى آخره، وفي هذا من المشقة ما فيه، ولا يقول به المخالف نفسه.

وضرب مسلم لذلك أربعة أمثلة:

  • هشام بن عروة سمع من أبيه يقينًا، ومع ذلك روى عنه أحاديث سمعها في الحقيقة من أخيه عثمان بن عروة عن أبيه.
  • عروة سمع من خالته عائشة رضي الله عنها يقينًا، ومع ذلك جاء في رواية الزهري عن عروة أنه رواه عن عمرة لا عن عائشة.
  • أبو سلمة بن عبد الرحمن سمع من عائشة، ووُجدت في بعض رواياته عنها واسطة: عمر بن عبد العزيز عن عروة عن عائشة.
  • عمرو بن دينار عن جابر رضي الله عنه في حديث أكل لحوم الخيل، والحديث إنما سمعه من محمد بن علي بن الحسين عن جابر.

وعقّب الشيخ بأنه يمكن أن يكون الراوي سمع الحديث بالواسطة ثم سمعه من الشيخ مباشرة، وهذا أمر معروف عند أهل الحديث. لكنه أرجأ مناقشته حتى يكتمل عرض مذهب مسلم.

المحور الثالث: الدليلان الثالث والرابع: الإجماع على قبول روايات الصحابة والتابعين بالمعاصرة

الدليل الثالث: ادعى مسلم الإجماع على قبول روايات الصحابة بعضهم عن بعض بمجرد المعاصرة، دون بحث عن اللقاء أو السماع. فصغار الصحابة كعبد الله بن الزبير وابن عباس والحسن والحسين رضي الله عنهم أخذوا كثيرًا من الأحاديث عن كبار الصحابة، ولم يسعَ العلماء لإثبات السماع بينهم.

وتطرّق الشيخ إلى مثال النعمان بن بشير رضي الله عنه. فقد ادعى الواقدي، وتبعه بعض أهل الحديث، أنه لم يسمع من النبي ﷺ، وأنكر ذلك ابن عبد البر في «الاستيعاب». ودليل الإنكار ما رواه الشعبي عن النعمان في الصحيحين:

«سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ - وَأَهْوَى النُّعْمَانُ بِإِصْبَعَيْهِ إِلَى أُذُنَيْهِ -: إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ، وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ...».

وإشارته بإصبعيه إلى أذنيه تأكيد منه على السماع المباشر.

الدليل الرابع: ادعى مسلم الإجماع كذلك على قبول أحاديث التابعين السالمين من وصمة التدليس إذا رووا بالعنعنة عن الصحابة الذين ثبتت معاصرتهم لهم، وإن لم يُعلم اللقاء ولا السماع.

المحور الرابع: منهج أئمة السلف في التفتيش عن السماع

قرر الإمام مسلم أن أئمة النقد كأيوب السختياني، وابن عون، ومالك بن أنس، وشعبة بن الحجاج، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، لم يكونوا يفتشون عن موضع السماع في الأسانيد كما ادعاه المخالف. وإنما كانوا يتفقدون سماع الرواة إذا كان الراوي ممن عُرف بالتدليس واشتهر به، لكي تنزاح عنهم علة التدليس.

فالبحث عن السماع عندهم كان خاصًا بالمدلسين، لا بالرواة المتعاصرين السالمين من التدليس. وهذا أصل مهم في فهم منهج المتقدمين في النقد.

المحور الخامس: الأمثلة التطبيقية التي ساقها مسلم وتعقيب الشيخ عليها

ذكر مسلم أن الأخبار الصحيحة التي على هذه الصفة يعجز المرء عن إحصائها، فاكتفى بذكر عدد منها ليكون علامة على ما سكت عنه. ومن ذلك:

  • عبد الله بن يزيد الأنصاري، وله رؤية للنبي ﷺ، روى عن حذيفة وأبي مسعود الأنصاري.
  • أبو عثمان النهدي وأبو رافع الصائغ، وهما مخضرمان، رويا عن أُبيّ بن كعب رضي الله عنه.
  • أبو عمرو الشيباني (سعد بن إياس) وأبو معمر (عبد الله بن سخبرة) رويا عن أبي مسعود الأنصاري.
  • قيس بن أبي حازم روى عن أبي مسعود ثلاثة أخبار، وعبد الرحمن بن أبي ليلى روى عن أنس بن مالك.
  • ربعي بن حراش روى عن عمران بن حصين وأبي بكرة، ونافع بن جبير بن مطعم روى عن أبي شريح الخزاعي.
  • النعمان بن أبي عياش روى عن أبي سعيد الخدري، وعطاء بن يزيد الليثي روى عن تميم الداري.
  • سليمان بن يسار روى عن رافع بن خديج، وحميد بن عبد الرحمن الحميري روى عن أبي هريرة رضي الله عنهم.

ونبّه الشيخ إلى أن الإمام مسلمًا رحمه الله أخطأ في بعض هذه الأمثلة؛ إذ ثبت في بعضها السماع والتحديث صريحًا. وأرجع ذلك إلى الحدّة التي اعترته في أثناء الرد على مخالفه، وقال: «أخطاء الكبار على أقدارهم». وأشار إلى أن ردّ ابن رشيد الفهري سيأتي مفصلًا لبيان الراجح.

النقاط الرئيسية

  • يحمل الإمام مسلم عنعنة الثقة عن شيخه المعاصر على السماع، بشرط السلامة من التدليس وعدم وجود دليل على عدم اللقاء.
  • استدل مسلم بأربعة أدلة: الإجماع على قبول المعنعن بهذه الصفة، وأن اشتراط السماع مرة لا يدفع احتمال الإرسال، والإجماع على قبول روايات الصحابة بعضهم عن بعض، والإجماع على قبول روايات التابعين عن الصحابة بالمعاصرة.
  • مثّل مسلم لاحتمال الإرسال برواية هشام بن عروة، وعروة، وأبي سلمة، وعمرو بن دينار.
  • أئمة النقد المتقدمون كانوا يفتشون عن السماع في روايات المدلسين خاصة.
  • ساق مسلم أمثلة كثيرة لتابعين كبار ومخضرمين رووا عن صحابة دون ثبوت سماع، وصحّح العلماء رواياتهم.
  • أثبت ابن عبد البر سماع النعمان بن بشير من النبي ﷺ، رادًّا دعوى الواقدي.
  • وقع الإمام مسلم في أخطاء في بعض أمثلته، و«أخطاء الكبار على أقدارهم».

الفوائد والعبر

  • التأصيل قبل الترجيح: ينبغي لطالب العلم أن يتصور قول العالم تصورًا كاملًا بأدلته قبل أن ينتقل إلى نقده أو الترجيح بينه وبين غيره.
  • الإنصاف مع الأئمة: الأئمة الكبار يخطئون، فيُبيَّن خطؤهم بأدب، مع حفظ قدرهم ومكانتهم.
  • أثر الحدّة في المناظرة: الغضب وحدّة الرد قد يوقعان العالم في التسرع، فعلى طالب العلم أن يتحلى بالهدوء والتثبت عند المناقشة.
  • دقة منهج المحدثين: يتجلى في الدرس حرص علماء الحديث على صيانة السنة، والتفريق بين الرواة المدلسين وغيرهم.
  • حسن الخاتمة ثمرة الصلاح: أشار الشيخ إلى ما ورد في ترجمة ربعي بن حراش من تبسّمه بعد موته، وفي ذلك تذكير بأهمية العمل الصالح والاستعداد للقاء الله.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات