شرح " الحائية " قصيدة ابن أبي داود (3) شرح فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري.

4,180 مشاهدة
484 مشاركة
منذ 8 سنوات

المقدمة

يواصل فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري -حفظه الله- شرح منظومة "الحائية" للإمام أبي بكر عبد الله بن أبي داود السجستاني رحمه الله. هذه المنظومة مختصرة لكنها من أهم ما كُتب في بيان عقيدة أهل السنة والجماعة، ويغفل عنها كثير من طلبة العلم. وفي هذا الدرس يذكّر الشيخ بما مرّ في ترجمة الناظم، ثم يبدأ شرح أول بيتين منها، وهما أصل المنظومة ومدخلها.

يبيّن الشيخ معنى "أهل السنة والجماعة" وسبب تسميتهم بذلك، ويستدل بحديث الافتراق وحديث الطائفة المنصورة. ثم يقف عند قول الناظم: "تمسَّكْ بحبلِ اللهِ واتَّبِعِ الهُدى، ولا تَكُ بِدْعيًّا لعلَّك تُفلِحُ"، فيشرح معنى التمسك بالكتاب والسنة، وأنواع الهداية، ومعنى البدعة في اللغة والشرع، ويضرب أمثلة عملية تفرّق بين البدعة في الدين وما استجد من أمور الدنيا.

الغرض من الدرس أن يعرف المسلم عقيدة أهل السنة على وجهها الصحيح، ويثبت على الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح. وبهذا يسلم من الشرك والبدعة والضلالة التي قد يقع فيها المرء وهو لا يدري، ويظن أنه يُحسن صنعًا.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: الناظم ومنهج التعامل مع العلماء

يذكّر الشيخ بأن الإمام أبا بكر بن أبي داود إمام ثقة. وما قيل فيه من طعن، فإن كان من أقرانه فكلام الأقران بعضهم في بعض يُطوى ولا يُروى. أما ما نُسب إلى أبيه الإمام أبي داود سليمان بن الأشعث من قوله: "ابني عبد الله كذّاب"، فقد حمله الإمام الذهبي رحمه الله على الكذب في الكلام العادي، لا في حديث النبي ﷺ، وقال إن ذلك كان في شبابه، ثم شاخ وظهر صلاحه وورعه.

ومنهج أهل السنة في ذلك أن يُؤخذ من العالم ما أصاب فيه، ويُترك ما أخطأ فيه فلا يُتابَع عليه، ولا يُطعن في إمامته بسببه، لأنه لا معصوم بعد رسول الله ﷺ.

المحور الثاني: من هم أهل السنة والجماعة؟

سُمّوا "أهل السنة" لأنهم يتبعون سنة النبي ﷺ قولًا واعتقادًا وعملًا، ويدورون معها حيث دارت، ولا يقدّمون على قول الله وقول رسوله قول أحد كائنًا من كان. ولهم أسماء أخرى، منها: أهل الحديث، وأنصار السنة، والسلفيون.

وسُمّوا "الجماعة" لحديث الافتراق الذي رواه أبو داود وغيره عن معاوية رضي الله عنه، والمراد بالجماعة جماعة الصحابة رضي الله عنهم. ويدل على ذلك قوله ﷺ في رواية عبد الله بن عمرو: «مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي».

قال رسول الله ﷺ: «افْتَرَقَتِ الْيَهُودُ عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَافْتَرَقَتِ النَّصَارَى عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَسَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةً»، قِيلَ: مَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «الْجَمَاعَةُ»، وفي رواية: «مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي».

وقال ﷺ: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ».

المحور الثالث: شرح البيتين الأولين ومعنى التمسك بحبل الله

افتتح الناظم منظومته بقوله:
تَمَسَّكْ بِحَبْلِ اللَّهِ وَاتَّبِعِ الْهُدَى *** وَلَا تَكُ بِدْعِيًّا لَعَلَّكَ تُفْلِحُ
وَدِنْ بِكِتَابِ اللَّهِ وَالسُّنَنِ الَّتِي *** أَتَتْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ تَنْجُو وَتَرْبَحُ
فهو يأمر المسلم أن يتمسك بكتاب ربه ويتبع هدي نبيه ﷺ، وينهاه عن البدعة. فالخير كله في اتباع كلام الله وكلام رسوله ﷺ، والشر كله في مخالفتهما. ويجب على الأمة أن تتمسك بهما في الاعتقاد والعبادات والمعاملات والأخلاق وفي الحياة كلها، إن أرادت العزة والنجاة في الدنيا والآخرة.

قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103]. وقال: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ [الأعراف: 170]. ويستفاد من الآية أن المصلح الحقيقي هو المتمسك بالكتاب المقيم للصلاة، لا من خالف أمر الله ورسوله ثم ادّعى الإصلاح الاجتماعي أو غيره. وقال سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3].

ويشهد لمعنى البيت حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه: «وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَوْعِظَةً بَلِيغَةً، ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ، وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَأَنَّهَا مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَأَوْصِنَا، قَالَ: أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ تَأَمَّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ». وقال ﷺ: «تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي».

المحور الرابع: الهدى وأنواع الهداية

المراد بـ"الهدى" في البيت هدي النبي ﷺ وسنته، كما في حديث جابر عند مسلم: «وَخَيْرُ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ»، أي أن خير طريق يسلكه الإنسان طريق محمد ﷺ. والمسلم يسأل ربه الهداية في كل ركعة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: 6].

وقد أثبت الله لنبيه ﷺ نوعًا من الهداية ونفى عنه نوعًا آخر. فأثبت له هداية الدلالة والإرشاد والبيان بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: 52]، ونفى عنه هداية التوفيق بقوله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: 56].

ويذكر الشيخ أنواعًا أخرى للهداية: الهداية الفطرية، كهداية الطفل إلى ثدي أمه، والهداية العامة إلى مصالح الدنيا من صناعات وتجارات ومكاسب. ثم يقرر أن أدق تقسيم للهداية قسمان:

  • هداية التوفيق: وهي خاصة برب العالمين.
  • هداية الإرشاد والبيان: وهي التي قام بها الرسول ﷺ، ويقوم بها أتباعه من بعده.

المحور الخامس: معنى البدعة وضوابطها وأمثلتها

البدعة في اللغة: الإحداث والاختراع والإنشاء على غير مثال سابق، ومنه قوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: 117]، أي خالقهما على غير مثال سبق. وفي الشرع، من أدق تعريفاتها تعريف الإمام الشاطبي رحمه الله: "طريقة في الدين مخترعة، تضاهي الشرعية، يُقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه".

وقيد "في الدين" يُخرج أمور الدنيا. فالسيارات والطائرات ووسائل الصناعة والطب والهندسة والتجارة ليست من البدعة، بل هي مما أُمرت الأمة بالأخذ به، لقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: 60]. ولو ركب النبي ﷺ ما تيسر في عصره من الإبل والخيل والبغال والحمير، فقد ركب ما تيسر له، ولا أجر لمن يتكلف المشقة ويترك وسائل الزمان، كمن يحج ماشيًا ويترك السيارة والطائرة زاعمًا أن ذلك هو الاتباع.

ومن أمثلة البدع التي ذكرها الشيخ:

  • تغيير العدد والكيفية في الأذكار المشروعة، كأن يُجعل التسبيح دبر الصلاة مئة مئة بدل ثلاث وثلاثين، أو يُؤدى جماعيًا بصوت واحد.
  • مدح النبي ﷺ بالمعازف والرقص والتمايل.
  • الخلوات المبتدعة، كالانعزال أربعين يومًا في الظلمة.
  • البناء على القبور وإقامة القباب عليها، وقد قال ﷺ: «اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ».
  • صوم أيام نهى الشرع عن صومها كيومي العيد، بقصد الزيادة في العبادة.

ومن أوضح أدلة ذم المبالغة الخارجة عن الهدي النبوي حديث الرهط الثلاثة الذين سألوا عن عبادة النبي ﷺ فكأنهم تقالّوها. قال أحدهم: أصوم ولا أفطر، وقال الآخر: أقوم ولا أرقد، وقال الثالث: لا أتزوج النساء. فقال ﷺ: «أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي». والمبتدع يتهم النبي ﷺ بلسان حاله: إما بأنه لم يعلم هذا الخير، أو بأنه علمه فكتمه، وحاشاه ﷺ. لذلك يُطالَب كل من أحدث شيئًا في الدين بالدليل، ولن يجده.

النقاط الرئيسية

  • الإمام ابن أبي داود إمام ثقة، وكلام الأقران بعضهم في بعض يُطوى ولا يُروى، ولا معصوم بعد النبي ﷺ.
  • أهل السنة هم أتباع النبي ﷺ قولًا واعتقادًا وعملًا، والجماعة هي ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه.
  • التمسك بالكتاب والسنة فرض على الأمة، وهو طريق النجاة والفلاح والإصلاح الحقيقي.
  • الهداية قسمان: هداية توفيق خاصة بالله تعالى، وهداية إرشاد وبيان قام بها النبي ﷺ وأتباعه.
  • البدعة شرعًا طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية، يُقصد بها المبالغة في التعبد.
  • المخترعات الدنيوية ليست بدعة، والأخذ بأسباب القوة والتقدم مأمور به شرعًا.
  • المبالغة في العبادة على غير هدي النبي ﷺ رغبة عن سنته، ومن رغب عن سنته فليس منه.

الفوائد والعبر

  • تعلّم العقيدة الصحيحة يحمي المسلم من الوقوع في الشرك والبدعة وهو لا يدري.
  • عرض كل عبادة على الكتاب والسنة قبل فعلها، والسؤال: هل فعلها النبي ﷺ؟ وكيف فعلها؟
  • الإنصاف مع العلماء: يؤخذ صوابهم ويُترك خطؤهم دون طعن أو غلو.
  • التوازن في التدين: الجمع بين العبادة والحقوق والحاجات المشروعة، كما كان هدي النبي ﷺ.
  • الأخذ بوسائل العصر وعلومه النافعة في أمور الدنيا، مع التمسك بالدين وتقوى الله.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات