شرح " الحائية " قصيدة ابن أبي داود ( 2) شرح فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري.
المقدمة
يأتي هذا الدرس الثاني من سلسلة شرح "المنظومة الحائية" للإمام الحافظ أبي بكر عبد الله بن أبي داود السجستاني رحمه الله، يقدّمه فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري. ألقى الشيخ الدرس بعد صلاة العشاء ليلة الأحد الخامس من ذي القعدة. والحائية منظومة مباركة في العقيدة السلفية، تقع في نحو أربعين بيتاً، وجمع فيها الناظم عقيدة أهل السنة والجماعة التي كان عليها الإمام أحمد والإمام أبو داود وغيرهما من أئمة الحديث.
بدأ الشيخ بترجمة وافية للناظم معتمداً على كلام الإمام الذهبي في "سير أعلام النبلاء". فذكر مولده وشيوخه وتلاميذه ومؤلفاته وأخبار حفظه وجَلَده في طلب العلم، ثم ما قيل فيه من جرح وكيف يُفهم ذلك. بعد ذلك ذكر الشيخ إسناد المنظومة إلى ناظمها، وشرع في قراءة أبياتها وبيان معانيها الإجمالية.
ويهدف الدرس إلى تعريف طالب العلم بمكانة الناظم وقيمة منظومته، وإلى غرس منهج التثبت والإنصاف في الحكم على الرجال. كما يمهّد لدراسة مسائل الاعتقاد الكبرى التي تتناولها المنظومة، ومنها: الاعتصام بالكتاب والسنة، وأن القرآن كلام الله غير مخلوق، ورؤية المؤمنين ربهم، والنزول الإلهي، وفضل الصحابة، والإيمان بالقدر واليوم الآخر.
المحور الأول: ترجمة الإمام أبي بكر بن أبي داود السجستاني
هو الإمام العلامة الحافظ شيخ بغداد أبو بكر عبد الله بن سليمان بن الأشعث السجستاني، ابن الإمام أبي داود صاحب "السنن". وُلد بسجستان سنة ثلاثين ومائتين، وكان يقول إنه رأى جنازة إسحاق بن راهويه سنة ثمانٍ وثلاثين ومائتين. وأول شيخ سمع منه محمد بن أسلم الطوسي، وقد سُرّ أبوه بذلك لجلالة هذا الشيخ.
ونبّه الشيخ هنا إلى منهج السلف في التربية: كانوا يُحفّظون أبناءهم القرآن أولاً، ثم يصحبونهم إلى مجالس المشايخ في سن مبكرة، ويفرحون إذا سمع الابن من شيخ عالي الإسناد. وقد رحل به أبوه في طلب العلم شرقاً وغرباً، فدخل خراسان والجبال وأصبهان وفارس والبصرة وبغداد والكوفة ومكة والمدينة والشام ومصر والجزيرة والثغور، ثم استوطن بغداد.
روى عن أبيه وعمه، وعن عيسى بن حماد زغبة وأحمد بن صالح المصري وغيرهم. وروى عنه خلق كثير، منهم: ابن حبان، وأبو أحمد الحاكم، وابن المظفر، وأبو حفص بن شاهين، والدارقطني، وابن المقرئ، وأبو طاهر المخلص. وصنّف "المسند" و"السنن" و"التفسير" و"القراءات" و"المصاحف" و"شريعة المقارئ" و"الناسخ والمنسوخ" و"البعث" وغيرها. ونصب له السلطان المنبر للتحديث، ولم تكن المنابر تُنصب إلا للعلماء الكبار.
توفي رحمه الله سنة ست عشرة وثلاثمائة عن سبع وثمانين سنة، وصُلّي عليه ثمانين مرة، وخلّف ثلاثة بنين هم عبد الأعلى ومحمد وأبو معمر عبيد الله.
المحور الثاني: صبره في الطلب وقوة حفظه
ذكر الشيخ أن ابن أبي داود دخل الكوفة ومعه درهم واحد، فاشترى به ثلاثين مُدّاً من الباقلاء (الفول)، فكان يأكل منه ويكتب عن أبي سعيد الأشج. فما فرغ الباقلاء حتى كتب عنه ثلاثين ألف حديث، ما بين مقطوع ومرسل. واستنبط الشيخ من ذلك قلة ما يُبذل اليوم في الطلب مقارنة بهمم السلف، وحثّ الشباب على اغتنام قوة الحفظ والإدراك في سن الشباب.
ومن أخبار حفظه أنه قدم أصبهان فسألوه أن يحدّثهم، فقال: ما معي أصل. فقالوا: ابن أبي داود ومعه أصل؟! فأثاروه، فأملى عليهم من حفظه ثلاثين ألف حديث. فلما قدم بغداد قال البغداديون: مضى ابن أبي داود إلى سجستان ولعب بهم، فاكتروا رجلاً بستة دنانير ليأتيهم بنسخة ما أملى، فوجدوا أن الحفاظ لم يخطّئوه إلا في ستة أحاديث: ثلاثة منها حدّث بها كما حُدّث بها، وثلاثة أخطأ فيها.
فهو لم يخطئ إلا في حديث واحد من كل عشرة آلاف، وهذا أمر مهول. وقال الحافظ أبو محمد الخلال: كان ابن أبي داود إمام أهل العراق، ولم يُرَ في وقته بالعراق مثله في الإتقان والضبط.
المحور الثالث: ما قيل فيه وقاعدة "كلام الأقران يُطوى ولا يُروى"
نقل الشيخ قول الدارقطني فيه: "ثقة، كثير الخطأ في الكلام على الحديث"، أي في تعليل الأحاديث، وهذا شأن البشر يصيبون ويخطئون. ونقل كذلك ما ذكره ابن عدي من أنه نُسب في حداثته إلى شيء من النصب، وأن ابن الفرات نفاه من بغداد إلى واسط، ثم ردّه الوزير علي بن عيسى، فحدّث وأظهر فضائل علي رضي الله عنه. ثم تحنبل فصار شيخاً فيهم. فإن كان قد وقع منه شيء من ذلك فقد تاب منه، ولا يؤاخذ المرء بما تاب منه.
وأوضح الشيخ أن كلام الأقران بعضهم في بعض يُطوى ولا يُروى إذا ثبت أنه صادر عن حسد أو عصبية أو خصومة شخصية. ومثّل لذلك بما وقع بينه وبين ابن صاعد، وبما وقع بينه وبين الإمام ابن جرير الطبري. وقد قال الذهبي في ذلك: "لا يُسمع هذا من ابن جرير للعداوة الواقعة بين الشيخين". وعلّق الشيخ بأن ابن جرير مع جلالة علمه لم يُقبل كلامه في قرينه لأجل الخصومة.
وأما ما رُوي عن أبيه من الكلام فيه، فحمله الذهبي على أن ذلك كان في حال شبابه: لعله كان يزيد في الأخبار أو ينقص منها، أو أراد أبوه صرفه عن القضاء. ثم شاخ وصار ورعاً زاهداً. ودعا الشيخ إلى هذا المنهج في التثبت، فينظر طالب العلم: هل قال المتكلم بحق؟ وهل خرج كلامه مخرج النصيحة لله ولرسوله، أم مخرج الهوى والعصبية؟
المحور الرابع: إسناد المنظومة ومطلعها في الاعتصام بالكتاب والسنة
ساق الشيخ إسناد الإمام الذهبي إلى المنظومة من طريق الإمام ابن قدامة الحنبلي، ثم الحسين بن علي الطناجيري، عن أبي حفص بن شاهين، عن الناظم. ومن رجال هذا الإسناد امرأة محدّثة، وفي ذلك بيان لمكانة المرأة العالمة في تاريخ الأمة.
ولاحظ الشيخ أن الناظم لم يفتتح بالبكاء على الأطلال على عادة الشعراء، بل دخل مباشرة في المقصود، وهذا شأن شعر العلماء. واستشهد بنونية ابن القيم، وبقول الشافعي: "ولولا الشعر بالعلماء يُزري، لكنتُ اليوم أشعرَ من لبيدِ". ومطلع المنظومة:
تَمَسَّكْ بِحَبْلِ اللهِ وَاتَّبِعِ الهُدَى *** وَلَا تَكُ بِدْعِيًّا لَعَلَّكَ تُفْلِحُ
وَدِنْ بِكِتَابِ اللهِ وَالسُّنَنِ الَّتِي *** أَتَتْ عَنْ رَسُولِ اللهِ تَنْجُو وَتَرْبَحُ
وأصل هذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103]. ثم قرر الناظم أن القرآن كلام الله غير مخلوق، وحذّر من الواقفة الذين يقفون فلا يقولون مخلوق ولا غير مخلوق، ومن اللفظية الذين يقولون: لفظي بالقرآن مخلوق.
المحور الخامس: مسائل الصفات والصحابة والقدر والآخرة في أبيات المنظومة
قرأ الشيخ بقية الأبيات قراءة إجمالية تمهيداً لشرحها في الدروس القادمة، ومنها قول الناظم: "وَقُلْ يَتَجَلَّى اللهُ لِلْخَلْقِ جَهْرَةً *** كَمَا الْبَدْرُ لَا يَخْفَى وَرَبُّكَ أَوْضَحُ". ويستند هذا البيت إلى حديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ، لَا تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ» [متفق عليه].
وفي تنزيه الله تعالى قال الناظم: "وَلَيْسَ بِمَوْلُودٍ وَلَيْسَ بِوَالِدٍ *** وَلَيْسَ لَهُ شِبْهٌ تَعَالَى الْمُسَبَّحُ"، وهو مأخوذ من قوله تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 3-4]. وأثبت الناظم نزول الرب تبارك وتعالى بلا تكييف، كما في قوله ﷺ: «يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ، يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ» [متفق عليه].
ثم ذكر الناظم فضل الصحابة وترتيب الخلفاء الأربعة: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي رضي الله عنهم، وذكر العشرة المبشرين بالجنة، وأهل البيت وأمهات المؤمنين، ثم التابعين والأئمة: مالكاً والثوري والأوزاعي والشافعي وأحمد. واستدل على فضل الصحابة بقوله تعالى: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: 29].
ثم قرر الإيمان بالقدر وأنه دعامة عقد الدين، والإيمان بسؤال منكر ونكير، وبالحوض والميزان، وبخروج الموحدين من النار بفضل الله.
النقاط الرئيسية
- ناظم الحائية هو الإمام الحافظ أبو بكر عبد الله بن أبي داود السجستاني (230هـ - 316هـ)، وكان إمام أهل العراق في زمانه.
- من منهج السلف في التربية تحفيظ الأبناء القرآن أولاً، ثم إسماعهم من كبار المشايخ في الصغر، والرحلة بهم في طلب العلم.
- بلغ الناظم في الحفظ مبلغاً عظيماً، فقد أملى ثلاثين ألف حديث من حفظه ولم يُخطَّأ إلا في ستة منها، أصاب في ثلاثة وأخطأ في ثلاثة.
- كلام الأقران بعضهم في بعض يُطوى ولا يُروى إذا كان صادراً عن حسد أو عداوة أو عصبية.
- من تاب من خطأ أو بدعة لا يؤاخذ بما تاب منه.
- تتناول المنظومة في نحو أربعين بيتاً أصول عقيدة أهل السنة: الاعتصام بالكتاب والسنة، وأن القرآن غير مخلوق، والرؤية، والنزول، وفضل الصحابة، والقدر، والإيمان باليوم الآخر.
- شعر العلماء يُقصد به العلم والتقرير، فيدخل في المقصود مباشرة دون مقدمات الغزل والوقوف على الأطلال.
الفوائد والعبر
- اغتنام سن الشباب في الحفظ والطلب، فهو زمن القوة والإدراك، والسلف صبروا على قلة ذات اليد حتى حصّلوا العلم الغزير.
- التثبت والإنصاف عند سماع الطعن في العلماء، والنظر في الدافع إلى الكلام: هل هو نصيحة لله أم هوى وعصبية؟
- عزة العالم بعلمه وترفّعه عن الذل لأصحاب السلطان والمال.
- العناية بتربية الأبناء على القرآن وربطهم بالعلماء الموثوقين منذ الصغر.
- ضرورة تعلّم العقيدة الصحيحة من متونها المسندة إلى أئمة السلف، والتمسك بالكتاب والسنة طريقاً للنجاة والفلاح.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات