قواعد في الرجال المجلس الثامن لفضيلة العلامة المحدث الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري

8,078 مشاهدة
1,512 مشاركة
منذ 14 سنة

المقدمة

هذا هو المجلس الثالث والثلاثون من مجالس شرح كتاب «شرح علل الترمذي» للحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله، وهو المجلس الثامن من قسم القواعد في الرجال. يلقيه فضيلة الشيخ المحدّث أبو حفص سامي بن العربي الأثري حفظه الله. يتناول المجلس النوع الثالث من أنواع الرواة الذين يُعتنى بمعرفة أحوالهم، وهم قومٌ ثقات في أنفسهم، لكنّ حديثهم عن بعض الشيوخ فيه ضعف، بخلاف حديثهم عن سائر شيوخهم فهو صحيح مستقيم.

ولهذا الباب أهمية كبيرة في علم العلل ونقد الأسانيد. فلا يكفي أن يُقال عن الراوي إنه «ثقة» ثم يُصحَّح كل ما يرويه، لأن الثقة قد يضعف في شيخ بعينه: إما لقِلّة ملازمته له، أو لضياع كتابه عنه، أو لأنه سمع منه في أول أمره ثم تركه، أو لأنه لم يكن يضبط حديثه. وقد يجتمع عند الراوي الواحد أن يكون أوثق الناس في شيخ وضعيفًا في شيخ آخر.

ويهدف هذا المجلس إلى تعريف طالب العلم بأمثلة من هؤلاء الرواة كما ذكرها ابن رجب، ومنهم: حماد بن سلمة، وجرير بن حازم، ومحمد بن عجلان، وعاصم بن بهدلة، وهشام بن حسان، وسليمان التيمي، وجعفر بن بُرقان، ومعقل بن عبيد الله الجزري. ويبيّن المجلس كذلك منهج الإمام مسلم في إخراج روايات بعضهم في المتابعات والشواهد دون الأصول.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: حماد بن سلمة البصري، إمامٌ في ثابت وحميد، ضعيفٌ في آخرين

توفي حماد بن سلمة رحمه الله سنة سبع وستين ومئة، وهو أثبت الناس في ثابت البُناني، وحافظٌ لحديث علي بن زيد بن جدعان. قال يعقوب بن شيبة: «ثقة، في حديثه اضطراب شديد، إلا عن شيوخ فإنه حسن الحديث عنهم، متقن لحديثهم، مقدَّم على غيره فيهم، منهم ثابت البناني وعمار بن أبي عمار». وقال الإمام مسلم في «التمييز» إن أهل الحديث أجمعوا على أن أثبت الناس في ثابت هو حماد بن سلمة.

وكذلك هو أعلم الناس بحميد الطويل وأصحهم حديثًا عنه، لأنه سمع منه قديمًا. قال الإمام أحمد: إن الاختلاف الواقع في حديث حميد إنما هو من حميد نفسه، لا من حماد. أما أيوب السختياني فقد جالسه حماد بن سلمة أولًا ثم ترك مجالسته، فلازمه حماد بن زيد وأكثر عنه، فصار حماد بن زيد أعلم بحديث أيوب. ولذلك إذا خالف ابنُ سلمة ابنَ زيد في أيوب فالخطأ من ابن سلمة.

ومن الشيوخ الذين تُكلِّم في رواية حماد عنهم: قيس بن سعد، فقد ضاع كتابه عنه فصار يحدّث من حفظه فيخطئ. ومنهم زياد الأعلم، وقد ضعّف يحيى القطان روايته عنهما. ومنهم داود بن أبي هند، قال أحمد: «حماد بن سلمة إذا روى عن الصغار أخطأ». وذكر مسلم أنه يخطئ كثيرًا في حديث قتادة وأيوب وداود بن أبي هند والجُريري ويحيى بن سعيد الأنصاري وعمرو بن دينار، وأن غيره أثبت فيهم، كحماد بن زيد وعبد الوارث بن سعيد ويزيد بن زريع.

ونبّه الشيخ إلى أن الإمام مسلمًا لم يُخرج لحماد عن هؤلاء في صحيحه إلا ما تابعه عليه غيره من الثقات. فلا يصح أن يُقال في رواية «حماد بن سلمة عن أيوب» إنها على شرط مسلم في الأصول، وإنما هي على شرطه في المتابعات والشواهد. ونبّه أيضًا إلى أن ضعفه في هؤلاء من الضعف المنجبر الذي يصلح في الشواهد. وفُرِّق كذلك بين ما سمعه الناس من «تصانيف» حماد، وفيها اختلاف، وما سمعوه من «نُسَخِه» وأصوله التي كتبها عن شيوخه، وهي صحيحة.

المحور الثاني: جرير بن حازم البصري وضعفه في قتادة

جرير بن حازم والد وهب بن جرير، توفي سنة سبعين ومئة، وهو ثقة متفق على تخريج حديثه. وقد اختلط قبل موته بسنة، لكن قال ابن مهدي: «حجبه أولاده فلم يُسمع منه في اختلاطه شيء»، فلا يضرّه الاختلاط. وإنما ضعفه في حديثه عن قتادة. قال الإمام أحمد: «كان يحدّث بالتوهّم أشياء عن قتادة يسندها بواطيل». وقال ابن معين: «هو عن قتادة ضعيف»، لأنه يُسند المرسل ويرفع الموقوف.

ومن حديثه عن قتادة: حديث الذي توضأ فترك على قدمه لُمعة، فقال له النبي ﷺ: «ارْجِعْ فَأَحْسِنْ وُضُوءَكَ». ومنها حديث قَبيعة سيف النبي ﷺ أنها كانت من فضة، والقبيعة ما على طرف مقبض السيف. ومنها حديث الحجامة في الأخدعين والكاهل لسبع عشرة وتسع عشرة وإحدى وعشرين، وحديث أن قراءة النبي ﷺ كانت مدًّا، وحديث صفته ﷺ أنه كان ضخم الكفين والقدمين. وهذان الأخيران مخرَّجان في الصحيح لأنه تُوبع عليهما.

وله كذلك عجائب عن أيوب كما قال أحمد. وفي يحيى بن سعيد الأنصاري قال مسلم: «لم يمكث في الرواية عنه، إنما روى حديثًا نزرًا لا يكاد يأتي بها على التقويم والاستقامة». ومن أوهامه أنه روى عن ثابت عن أنس رضي الله عنه حديث: «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي»، وإنما سمعه من حجاج الصواف عن يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه، في مجلس ثابت، فظنّه من حديث ثابت.

المحور الثالث: ابن عجلان، وعاصم بن بهدلة، وهشام بن حسان، وسليمان التيمي

محمد بن عجلان المدني ضعيف في روايته عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، لأنه اختلطت عليه رواياته عنه. وعاصم بن بهدلة، وهو ابن أبي النَّجود الكوفي القارئ، كان سيئ الحفظ، وحديثه عن زرّ بن حبيش وأبي وائل شقيق بن سلمة مضطرب. قال حماد بن سلمة: «كان عاصم يحدّثنا بالحديث بالغداة عن زرّ، وبالعشيّ عن أبي وائل». وقال العجلي: «ثقة في الحديث، لكن يُختلف عليه في حديث زرّ وأبي وائل».

وهشام بن حسان يُعدّ من أصحاب ابن سيرين العالمين بحديثه، وتُكُلِّم في روايته عن عكرمة وعطاء والحسن البصري. أما سليمان بن طرخان التيمي، المتوفى سنة ثلاث وأربعين ومئة، فهو من أعيان أئمة البصرة. قال الأثرم: «كان التيمي من الثقات، ولكن كان لا يقوم بحديث قتادة».

ومن أوهامه عن قتادة زيادة «وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا» في حديث: «إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ». لم يذكرها أحد من حفاظ أصحاب قتادة، وأخرجها مسلم لما يشهد لها من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ومنها أنه جعل حديث الوصية بـ«الصَّلَاةَ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ» عن قتادة عن أنس، وإنما هو عن قتادة عن أبي الخليل عن سفينة مولى رسول الله ﷺ، وهذا خطأ فاحش. ومنها حديث صعود النبي ﷺ أُحُدًا ومعه أبو بكر وعمر وعثمان فاهتزّ الجبل، رواه عن قتادة عن يونس بن جبير عن رجل من الصحابة، والمحفوظ عن قتادة عن أنس. ومنها روايته عن قتادة أن أبا رافع حدّثه، مع أن قتادة لم يسمع من أبي رافع شيئًا، وقد أنكر شعبة وأحمد هذا السماع. وأما حديث «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ كِتَابًا ... إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي» من طريق التيمي، فقد أخرجه البخاري.

المحور الرابع: جعفر بن بُرقان الجزري وضعفه في الزهري

توفي جعفر بن برقان سنة خمسين ومئة، وهو ثقة مشهور، لكن حديثه عن الزهري خاصة مضطرب. قال الإمام أحمد: «إذا حدّث عن غير الزهري فلا بأس، وفي حديث الزهري يُخطئ». وقال: «ضابط لحديث ميمون بن مهران وحديث يزيد بن الأصم». وقال ابن معين: «ضعيف في الزهري، ثقة فيما روى عن غيره». وكان أُمّيًّا لا يكتب، فكان ضبطه ضبطَ صدر.

ونقل البرقاني عن الدارقطني قول أحمد: «يؤخذ من حديثه ما كان عن غير الزهري، فأما عنه فلا». وعلّل ذلك بأنه ربما حدّث الثقة عن ابن برقان عن الزهري، ويحدّث آخر عن ابن برقان عن رجل عن الزهري. وأكد ابن عدي والعقيلي ضعفه في الزهري واستقامة رواياته عن غيره. وقال مسلم في «التمييز»: «جعفر بن برقان أعلم الناس بميمون بن مهران ويزيد بن الأصم، وأما رواياته عن غيرهم كالزهري وعمرو بن دينار فهو فيها ضعيف».

وقال ابن رجب إنه لا يبعد أن يكون حديثه عن أهل الجزيرة محفوظًا بخلاف حديثه عن غيرهم، وإن تحقيق ذلك يحتاج إلى سَبْر أحاديثه عن غير الجزريين كعكرمة ونافع. والخلاصة أنه ضعيف في الزهري خاصة، وأخفّ ضعفًا في غيره.

المحور الخامس: معقل بن عبيد الله الجزري وروايته عن أبي الزبير

توفي معقل بن عبيد الله الجزري سنة ست وستين ومئة، وهو ثقة، وكان الإمام أحمد يضعّف حديثه عن أبي الزبير محمد بن مسلم بن تدرس خاصة. قال: «تشبه أحاديثه أحاديث ابن لهيعة، ومن أراد حقيقة الوقوف على ذلك فلينظر إلى أحاديثه عن أبي الزبير، فإنه يجدها عند ابن لهيعة يرويها عن أبي الزبير كما يرويها معقل سواء».

وفي هذا إشارة دقيقة من الإمام أحمد إلى طريقة كشف العلة بالمقارنة بين الروايات: إذا وُجدت أحاديث الثقة عن شيخ معيّن مطابقةً لأحاديث راوٍ ضعيف عن الشيخ نفسه، دلّ ذلك على أن الثقة ربما أخذها بواسطة ذلك الضعيف أو تلقّاها على غير وجه السماع المتقن.

النقاط الرئيسية

  • من الرواة ثقاتٌ في أنفسهم، لكنهم يضعفون في شيوخ بأعيانهم، ويستقيم حديثهم عن غيرهم.
  • حماد بن سلمة أثبت الناس في ثابت البناني وحميد الطويل، وضعيف في قيس بن سعد وزياد الأعلم وداود بن أبي هند، ويخطئ في أيوب وقتادة وغيرهما.
  • لم يُخرج مسلم لحماد بن سلمة عن هؤلاء إلا ما تابعه عليه الثقات، فروايته عنهم على شرط مسلم في المتابعات لا في الأصول.
  • جرير بن حازم ثقة لم يضرّه اختلاطه، لكنه ضعيف في قتادة، وله غرائب عن أيوب ويحيى بن سعيد الأنصاري.
  • سليمان التيمي لا يقوم بحديث قتادة، ووقعت له أوهام في الأسانيد، منها زيادة «وإذا قرأ فأنصتوا».
  • جعفر بن برقان ثقة في ميمون بن مهران ويزيد بن الأصم، ضعيف في الزهري خاصة.
  • من وسائل كشف العلل المقارنةُ بين روايات الثقة وروايات الضعفاء عن الشيخ نفسه، كما فعل أحمد في معقل وابن لهيعة عن أبي الزبير.

الفوائد والعبر

  • لا يُكتفى عند الحكم على الإسناد بالحكم العام على الراوي، بل ينبغي النظر في خصوص روايته عن شيخه الذي يروي عنه.
  • الحذر من إطلاق عبارة «على شرط مسلم» أو «على شرط الشيخين» دون معرفة منهجهما في الانتقاء والتفريق بين الأصول والمتابعات.
  • طول ملازمة الشيخ وكتابة حديثه وحفظ الأصول من أعظم أسباب الإتقان، وضياع الكتب والتحديث من الحفظ من أسباب الخطأ.
  • ضعف الثقة في بعض شيوخه غالبًا من الضعف المنجبر الذي يصلح في الشواهد والمتابعات، فلا يُطرح حديثه بالكلية.
  • جمع الطرق وسَبْر الروايات والمقارنة بينها هو الطريق العلمي لمعرفة العلل الخفية، وهو منهج الأئمة النقاد كأحمد ومسلم وابن معين.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات