قواعد في الرجال المجلس الأول لفضيلة العلامة المحدث الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري

2,786 مشاهدة
295 مشاركة
منذ 14 سنة

المقدمة

في هذا المجلس يبدأ فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري شرح «القواعد» التي وضعها الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله في آخر «شرح علل الترمذي». وهو الدرس السادس والعشرون من دروس شرح الكتاب، والأول من دروس هذه القواعد. كتبها الحافظ ابن رجب بعد فراغه من شرح «الجامع» للترمذي و«كتاب العلل» الملحق به، وأراد بها تتمة للكتاب وتقريبًا لعلم العلل على من يطلبه، وقال إنه علم قد هُجر في زمانه. وقد توفي ابن رجب سنة خمس وتسعين وسبعمائة، أي قبل العراقي وابن الملقن والبلقيني وابن حجر والسخاوي والسيوطي، فإن كان العلم قد هُجر في وقته فهجره في زماننا أشد.

ويبيّن الشيخ أن علم العلل دقيق، وأن قليلًا من أهل الحديث يعرفونه. فقد يكون الرجل محدّثًا ولا يكون من أئمة النقد الذين يحيطون بهذا الفن. ويذكر أن الله أحيا علوم الحديث، وعلم العلل خاصة، في عصرنا على يد إمامين جليلين: العلامة أحمد بن محمد شاكر أبي الأشبال، والشيخ أبي عبد الرحمن محمد ناصر الدين الألباني رحمهما الله.

وأهداف هذا المجلس:

  • معرفة الطريقين اللذين يُعرف بهما صحة الحديث وسقمه.
  • معرفة أشهر كتب الرجال والجرح والتعديل.
  • فهم مكانة الممارسة والمذاكرة والمطالعة في تحصيل علم العلل.
  • معرفة تقسيم ابن رجب لقواعده.
  • البدء بدراسة مراتب أصحاب عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، وما اختلف فيه سالم ونافع.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: افتتاح المجلس بخطبة الحاجة

افتتح الشيخ المجلس بخطبة الحاجة التي كان النبي ﷺ يعلّمها أصحابه، وفيها الحمد لله والاستعانة به والاستغفار، والاستعاذة من شرور الأنفس وسيئات الأعمال، ثم الشهادتان، ثم تلاوة الآيات الثلاث في الأمر بالتقوى.

قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102].

وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1].

وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ۝ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 70-71].

ومن الخطبة قوله ﷺ: «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ».

المحور الثاني: الوجه الأول لمعرفة صحة الحديث، وهو معرفة الرجال

ينقل الشيخ قول ابن رجب: إن معرفة صحة الحديث وسقمه تحصل من وجهين. أولهما معرفة رجال الإسناد، وهل هم ثقات أو ضعفاء. ومثّل الشيخ لذلك بإسناد البخاري لحديث: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ»، فهو عن الحميدي عن سفيان بن عيينة عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن محمد بن إبراهيم التيمي عن علقمة بن وقاص الليثي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه. والباحث ينظر في كل راوٍ من رواته: هل هو ثقة؟ وهل فيه طعن في عدالته أو في ضبطه؟ فإذا ثبت أن كل راوٍ ثقة وأنه سمع من شيخه، بقي النظر في سلامة الحديث من الشذوذ والعلة.

وهذا الوجه يسير عند ابن رجب، لأن الثقات والضعفاء قد جُمعوا في مصنفات كثيرة. وذكر الشيخ منها:

  • كتب التواريخ: «التاريخ الكبير» للبخاري، وتواريخ ابن معين، وتاريخ أبي زرعة الدمشقي، وتاريخ دمشق لابن عساكر، وتاريخ بغداد للخطيب.
  • كتب الجرح والتعديل: «الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم، و«الثقات» و«المجروحين» لابن حبان، و«الكامل» لابن عدي، و«الثقات» لابن شاهين، و«أحوال الرجال» للجوزجاني، و«الضعفاء والمتروكين» لابن الجوزي، وسؤالات الدارقطني وأبي داود.
  • كتب رجال الكتب الستة: «تهذيب الكمال» للمزي، و«تهذيب التهذيب» و«تقريب التهذيب» لابن حجر، و«الكاشف» و«ميزان الاعتدال» للذهبي، و«لسان الميزان» و«تعجيل المنفعة» لابن حجر.
  • كتب الأنساب والكنى وضبط الأسماء: «الكنى والأسماء» للدولابي ولمسلم، و«الأنساب» للسمعاني، و«الإكمال» لابن ماكولا، و«توضيح المشتبه» لابن ناصر الدين الدمشقي، و«تبصير المنتبه» لابن حجر.

المحور الثالث: الوجه الثاني، وهو معرفة مراتب الثقات والترجيح بينهم

لا يكفي أن يُعرف أن الراوي ثقة، بل لا بد من معرفة مرتبته بين الثقات، حتى يُرجَّح بعضهم على بعض عند الاختلاف. ويقع الاختلاف بينهم في الإسناد بالزيادة والنقص، وفي الوصل والإرسال، وفي الوقف والرفع. ولهذا تكلم الأئمة في «أصح الأسانيد»، كقول البخاري: مالك عن نافع عن ابن عمر، وقول أحمد وإسحاق: الزهري عن سالم عن أبيه. وذكروا كذلك أبا الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، ومعمرًا عن همام عن أبي هريرة، وابن سيرين عن عبيدة السلماني عن علي رضي الله عنه. والغرض من ذلك أن تكون هذه الأسانيد ميزانًا يُرجع إليه عند الاختلاف.

وهذا العلم يحصل بالإتقان وكثرة الممارسة، وأساسه جمع الطرق، لأن الحديث إذا لم تُجمع طرقه لم يتبين خطؤه. ومثّل الشيخ لذلك بالتلميذ الذي يلازم شيخه سنين طويلة، فإذا نُسب إلى شيخه كلام غريب عنه عرف ذلك مباشرة. وكذلك أئمة الحديث، صاروا بطول معايشتهم لحديث النبي ﷺ يعرفون كلامه من كلام غيره. ونقل الشيخ قول ابن مهدي: «معرفة الحديث إلهام»، وبيّن أن المراد به هذه الملكة التي تحصل من طول الممارسة.

وأوصى الشيخ الطالب بأن يذاكر إخوانه في العلل. فإن لم يجد من يذاكره فعليه بكثرة المطالعة في كلام الأئمة الكبار، مثل يحيى بن سعيد القطان، وأحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، والبخاري، ومسلم، وأبي زرعة، وأبي حاتم، والدارقطني. فإذا رُزق الطالب الفهم وصارت له في هذا العلم ملكة جاز له أن يتكلم فيه، وإلا فلا يتعجل. ونقل قول الحاكم: «الحجة عندنا الحفظ والفهم والمعرفة لا غير». وذكر ما قاله ابن حجر في الموازنة بين شيخيه العراقي والهيثمي: كان الهيثمي أكثر استحضارًا للمتون لاشتغاله بالزوائد، حتى ظن بعض من لا يعرفهما أنه أحفظ من شيخه العراقي، وليس الأمر كذلك. فالحفظ عند أهل الحديث هو الفهم والإتقان ومعرفة القواعد ومعرفة طبقات الرواة، لا مجرد استظهار النصوص.

المحور الرابع: تقسيم ابن رجب لقواعده

قسّم الحافظ ابن رجب قواعده قسمين. القسم الأول في معرفة مراتب كثير من أعيان الثقات الذين يدور عليهم أكثر الحديث الصحيح، ومراتب أصحابهم، وبيان من يُرجَّح قوله منهم عند الاختلاف. وهذا القسم من أعظم ما يحتاجه الناظر في العلل، لأن العلل تقع في الغالب في أحاديث الثقات.

والقسم الثاني في ثقات ضُعّف حديثهم في بعض الأحوال، وكثير منهم لا يُذكر في كتب الجرح. فمنهم من ضُعّف حديثه في بعض الأماكن، كمن حدّث في الحجاز من كتابه فأصاب، وحدّث في العراق من حفظه فأخطأ. ومنهم من ضُعّف حديثه في بعض الأزمان، كمن اختلط في آخر عمره. ومنهم من ضُعّف حديثه عن بعض شيوخه دون بعض. وذكر الشيخ من الأمثلة همام بن يحيى، الذي كانت روايته المتأخرة أقوى من المتقدمة، وإسماعيل بن عياش، الذي تختلف روايته عن الشاميين عن روايته عن غيرهم.

المحور الخامس: أصحاب عبد الله بن عمر رضي الله عنهما وما اختلف فيه سالم ونافع

بدأ ابن رجب القسم الأول بالصحابي الجليل عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، وكانت وفاته سنة ثلاث أو أربع وسبعين. وذكر الشيخ أن مروياته في الكتب التسعة بلغت نحو ألفين وستمائة وثلاثين رواية بالمكرر. وأوثق أصحابه خمسة: سالم ابنه، ونافع مولاه، وعبد الله بن دينار، ومجاهد بن جبر، وسعيد بن جبير. وأشهرهم سالم ونافع. ولسالم عن أبيه في الكتب التسعة نحو تسعمائة واثنتين وثلاثين رواية، ولنافع نحو ألفين وستمائة وست عشرة رواية.

واختلف سالم ونافع في أحاديث، وقفها نافع على ابن عمر ورفعها سالم إلى النبي ﷺ، منها:

  • حديث «مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ».
  • حديث «فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ الْعُشْرُ».
  • حديث «تَخْرُجُ نَارٌ مِنْ قِبَلِ الْيَمَنِ».
  • حديث «النَّاسُ كَإِبِلٍ مِائَةٍ».

وأشار الشيخ أيضًا إلى ما سبق في شرح باب رفع اليدين في الصلاة من الاختلاف بينهما في الرفع والوقف.

وتوقف الإمام أحمد في الترجيح بينهما. فقد سُئل عنهما إذا اختلفا فقال: «كلاهما ثَبْت»، ولم يقضِ لأحدهما على الآخر، نقله عنه المروذي. ونُقل عن أحمد كذلك ترجيح قول نافع في بعض هذه الأحاديث، ورجّح النسائي والدارقطني قول نافع فيها. وذكر ابن عبد البر في «التمهيد» أن الناس رجّحوا قول سالم في رفعها. ونبّه الشيخ على أن هذا الاختلاف بين الأئمة موافق لاختلافهم في أصح الأسانيد: فالبخاري قدّم مالكًا عن نافع عن ابن عمر، وأحمد وإسحاق قدّما الزهري عن سالم عن أبيه.

النقاط الرئيسية

  • علم العلل علم دقيق يعرفه قليل من المحدثين، وقد شكا ابن رجب من هجره في القرن الثامن الهجري.
  • صحة الحديث تُعرف من وجهين: معرفة الرجال من حيث الثقة والضعف، ومعرفة مراتب الثقات والترجيح بينهم عند الاختلاف.
  • العلل تقع في الغالب في أحاديث الثقات، ويكون الاختلاف في الإسناد، أو في الوصل والإرسال، أو في الوقف والرفع.
  • هذا العلم يقوم على جمع الطرق وطول الممارسة وكثرة المذاكرة والمطالعة في كلام الأئمة الكبار.
  • قسّم ابن رجب قواعده قسمين: مراتب أعيان الثقات وأصحابهم، والثقات الذين ضُعّف حديثهم في بعض الأماكن أو الأزمان أو الشيوخ.
  • أوثق أصحاب ابن عمر خمسة، أشهرهم سالم ونافع، وقد اختلفا في رفع أحاديث ووقفها، واختلف الأئمة في الترجيح بينهما.
  • الحفظ عند أهل الحديث يشمل الفهم والإتقان ومعرفة القواعد، وليس مجرد استظهار المتون.

الفوائد والعبر

  • لا يتعجل الطالب الكلام في علل الحديث حتى تحصل له ملكة فيه بطول الممارسة والمطالعة، وفي هذا حفظ لدين الله.
  • من لم يجد من يذاكره في العلم فليكثر من مطالعة كلام الأئمة النقاد، مثل القطان وأحمد وابن المديني والبخاري.
  • جمع طرق الحديث ضروري قبل الحكم عليه، فالحديث إذا لم تُجمع طرقه لم يتبين خطؤه.
  • ملازمة السنة ومعايشتها تثمر قدرة على تمييز كلام النبي ﷺ من كلام غيره، فينبغي للمسلم أن يكثر من قراءة الحديث.
  • اختلاف الأئمة الكبار في الترجيح يعلّم الطالب الأدب والإنصاف، واحترام اجتهاد أهل العلم، وترك التعصب لقول واحد.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات